واضح جدا أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يرفض بالمطلق تجرّع كأس السُّم الذي يعني إقراره بالعجز عن تحقيق أهدافه في أوكرانيا، بلغة أخرى إعلان الهزيمة. وفي الحالة البوتينية يحتاج هكذا قرار إلى أمرين (الشجاعة والقناعة) وهما ما لا يمتلك بوتين، لذلك يستمر في البحث عن انتصار ولو متوهم أو حتى محدود يحافظ فيه على ما تبقى من نرجسيته ومن هيبة نظامه.
مقاربة بوتين لحربه على أوكرانيا وإصراره على مبرراتها دون أدنى اكتراث لكلفتها، تدفع إلى استبعاد خيار وقف الحرب والاكتفاء بما "حققه" ميدانيا، لأن ذلك وجه من وجوه الهزيمة التي يرفض بوتين وفريقه النظر إليها. فطبيعته تمنعه من القبول بتسوية تنقذه من ورطته، كما فعل قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني بعد 8 سنوات من الحرب مع العراق، وافق حينها على القرار الدولي 598 الذي يطالب بوقف الأعمال القتالية بين البلدين بعدما تغيرت موازين القوة العسكرية لصالح العراق وأعلن الخميني حينها أنه يتجرع هذا القرار كمن يتجرع كأس السم.
احتاجت القيادة الإيرانية 8 سنوات لتُقر بأن الانتصار على العراق مستحيل، وبأن الهزيمة ممكنة، لذلك عندما تمكن الجيش العراقي من التوغل داخل الأراضي الإيرانية قبلت بتجرع كأس السم، خصوصا أن هناك في داخل مراكز صنع القرار الإيراني من هيأ الظروف لهكذا قرار، أما في حالة بوتين فإن الرئيس وفريقه غير قادرين أصلا على تقبل الموقف بالرغم من أن فكرة الانتصار على الأوكران تلاشت في اليوم الثالث للغزو، عندما لم تستطع آلة الحرب الروسية اختراق دفاعات العاصمة واضطر فلاديمير بوتين إلى مناشدة الجيش الأوكراني أن يقوم بانقلاب عسكري ويستلم السلطة.
بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر على الغزو، فشل بوتين حتى الآن في السيطرة على كامل إقليم دونباس، ويبدو أنه يحتاج إلى كثير من الوقت للسيطرة غير المضمونة على شرق وجنوب أوكرانيا، في ظل مقاومة أوكرانية شرسة ودعم غربي غير محدود، ما يعني أن بوتين سيخوض حرب استنزاف طويلة الأمد حتى في المناطق الأوكرانية التي ادعى أنها موالية له، لكنه بات الآن مضطر إلى تطبيق سياسة الأرض المحروقة حتى يسيطر على بعضها كما فعل في ماريوبول، وكل ذلك لأنه يحتاج إلى إعلان نصر ما وإلا... !
إذن، على طاولة بوتين كأسان، الهزيمة والنووي، وبما أنه يرفض تجرع الأول، فهو يهدد من يريد أن يفرضه عليه، بأنه سيفرض عليه الثاني. يبدو أن الخيار النووي أسهل لقادة الكرملين والنُخب السياسية الروسية من تجرع كأس الهزيمة، لذلك مبكرا ومنذ الأيام الأولى للغزو هددت القيادة الروسية باستخدام الخيار النووي، وعلى الأغلب أن ذلك كان في إطار خطط تحقيق النصر السريع وتحذير الغرب من عواقب وخيمة إذا وقف بوجه موسكو، ولكن بعد فشل الغزو وانقلاب موازين القوة الميدانية لصالح المقاومة الأوكرانية تبدل خيار النووي الروسي وتبدلت حاجته من حماية الانتصار إلى منع الهزيمة.
عملياK ما بين تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، المقتضبة عن الخيار النووي الذي أكد أنه لا يجوز التقليل من خطر نشوب صراع نووي، وما قالته منذ أيام رئيسة تحرير قناة (RT) مارغريتا سيمونيان إن "بلادها إما أن تنتصر أو تبدأ الحرب العالمية الثالثة، وإن كل هذا سينتهي بضربة نووية"، فمن موقعهما يعرضان على المجتمع الدولي خيارين لا ثالث لهما، إما السماح لروسيا بتحقيق النصر وإما النووي، وبما أنه لا يوجد في فريق بوتين إلى الآن من ينصح بالتراجع كما نصح قادة إيرانيون الخميني بالتراجع فإن الخيار الأول مستبعد، فيما الخيار الثاني لا يرتبط بالتطورات الميدانية فقط، بل بتداعياتها الاستراتيجية على الداخل الروسي ومستقبل روسيا الاتحادية، لذلك يمكن هنا استعادة ما قاله الرئيس بوتين في بداية الأزمة أنه لا حاجة لهذا العالم من دون روسيا.

