التضامن
"الأكثر جدارة بالملاحظة، هو كمية "الفرح" التي كانت تملأ وجوه الفاعلين"

غير البشاعة المتناهية، فإن المقطع المصور الذي بثته صحيفة "الغارديان" عن مجرزة حيّ التضامن السوري يكشف أبعاداً أخرى لنوعية العنف العاري الذي كان يمارسه المجرمون بحق الضحايا المدنيين العُزل، والتي غالباً ما تم فعل مثلها في باقي الفظائع. تلك الخصائص التي يمكن من خلالها القول إن تلك الفعلة هي الفضاء الكلي لمجتمع وسلطة وكيانٍ بكامله.

تلك التفاصيل والمعاني المتأتية من كون الجريمة لم تكون في سياق مواجهة عسكرية ما، بل بحق أناس مدنيين مستسلمين تماماً. ومن طبيعة الضغينة التي تلف سمات المقترفين، التي لم تكن طائفة فحسب، وإن كانت ذات سمات من ذلك.

لكن الأكثر جدارة بالملاحظة، هو كمية "الفرح" التي كانت تملأ وجوه الفاعلين، أحاديثهم الجانبية العادية أثناء تنفيذهم للجريمة، الهدوء ورتابة الفعل، استخدامهم لمستويات من التسلية واللعب مع الضحايا، وأولاً درجة الاستهتار بالجريمة، من حيث موقع الجريمة المكشوف واستسهال التصوير وعدم الاعتبار لأي تدبير أو خشية. فالفاعلون مثلاً ليست بينهم أي روابط عقائدية أو طائفية أو مكانية، خلا الانتماء إلى نفس المؤسسة الحاكمة، ومع ذلك، لم يكن أحدهم يخشى أن يكشف الآخرون "سرهم" هذا يوماً ما.

لأجل كل ذلك، فإن تلك الواقعة، ومثلها الآلاف التي لم يُكشف عنها حتى الآن، تدل بوضوح على "تراكم تاريخي" لهذه النوعية من الأفعال، أنتج هذا المستوى من "الرتابة" و"العادية" في ممارسة هذه الفظاعة.

كما تكشف بعداً هيكلياً لما تأتى منه المجرمون، باعتبارهم ممتهنين لمثل هذه الشيء ضمن تراتبية وضوابط داخلية فيما بينهم.

ذلك التراكم والهيكلة للعنف، شكلا سوية سيرة عمومية للبلاد السورية، بالذات من حيث علاقة أقوياء هذه البلاد بضعفائها، والسياق المؤسساتي المنظم، الذي صار بالضبط القانون العام في نفس البلاد. اللذان يشكلان معاً جوهر المسار السوري وسيرته العمومية، منذ التأسيس وحتى الراهن.

حدث ذلك، لأن السيرة العمومية لسوريا هذه، كانت قائمة على أربع أعمدة رئيسية في ذلك السياق.

فقد كانت سوريا هذه كياناً خالياً من أي سمة توافقية على الدوام مثلاً، سواء بين أمة الفلاحين والطبقات الإقطاعية/البرجوازية التي تحالفت مع سلطات عهد الانتداب الفرنسي في سنوات التأسيس، الإقطاعيون الذين ضخموا ملكياتهم بطريقة لا توصف، حتى صار الفلاحون أقرب لنماذج "العبيد" التقليديين.

وفي مراحل لاحقة، لم يكن ثمة أي نوع من التوافقية بين العسكر وعالم المدنيين، أو بين القوميين العرب الحاكمين ونظرائهم من أبناء الأقليات القومية الأخرى، أو بين أصحاب الهيمنة الرمزية السُنية على فضاء البلاد وباقي التشكيلات الطائفية السورية.   

ضمن هذا السياق، فإن الجناة ليسوا فقط أبناء طائفة غالبة في مواجهة أبناء طائفة مغلوبة، أو أعضاء في طبقة حاكمة ضد أناس محكومين، بل هُم النتيجة الطبيعة لتراكم وهيكلة تاريخية لانتهاك أدنى عتبات التوازن وإمكانية الخشية المتبادلة بين الفاعلين والضحايا، هم الحلقة الأخيرة والنتيجة "الموضوعية" لوحشية سوء التوازن في الكيان السوري. الذي لا يشبه في وضعيته هذه أي من البلدان المحيطة، التي كانت على الدوام، وبالرغم من أنظمتها السلطوية، تملك في داخلها أشكالاً مستترة من توازنات ما، قادرة على منع حدوث إجرامٍ بكل هذا العُري.

إلى جانب ذلك، فإن ذلك النوع من الفجور هو المحصلة الحتمية لتراكم الإفلات من العِقاب، الذي يكاد أن يكون خاصية سورية محكمة، وأيضاً منذ التأسيس.

قادة الانقلابات الأولى في أواخر الأربعينيات، ومعهم جلاوزة سنوات الوحدة مع مصر، وما بينهما من حكام الانفصال وانقلابات البعث المتتالية، وحتى عصر العائلة الأسدية الطويل، لم يتعرضوا لأي محاكمة قط، مطلقاً.

فإما قُتلوا بطريقة ثأرية مثلما جرى مع الرئيسين، حسني الزعيم وسامي الحناوي، أو تعرضوا لاعتقال مديد دون محاكمة، كما في حالة الرئيس، نور الدين الأتاسي، وشريكه في الحكم، صلاح جديد، أو فروا من البلاد، مثل الرئيس، أمين الحافظ، والحاكم الفعلي لسوريا في عصر الوحدة، عبد الحميد السراج، أو انتحروا بـ"ثلاث رصاصات في الرأس"، كما جرى مع رئيس الوزراء، محمود الزعبي.

لم يقرأ أو يسمع أو يشاهد السوريون محاكمة، ولو صورية، لأي من قادة بلادهم. الذين كانت مصائرهم أشياء مبهمة وغريبة، لم تكن في أي وقت ضمن سياق تفوح منه رائحة المحاسبة والعقاب، بل كانت أقرب لنتائج الحروب الأهلية.

خلوّ القاموس العام السوري من أي تجربة للملاحقة والعِقاب، بالرغم من بحر الدماء التي تدفقت في الحياة العامة، حول مثل هذه الجرائم إلى "فعل عادي"، يمارسه القتلة وكأنهم في حفلة صيد، مليئين بالابتسامات والأحاديث الجانبية والتفنن بأجساد الضحايا.

إلى جانب الأمرين، فإن سوريا، وطوال قرنٍ كامل مضى، كانت مهد الكلام التقريعي، عن العروبة والتحرير والأمجاد والأمة والممانعة ومواجهة الإمبريالية والتصدي والصمود.

تلك الفخامة الخطابية التي كانت في الوقت الذي تتغزل فيه بالأماكن والوقائع والمخيلة، كانت تمحق بين حوافرها مصائر وحقوق ومعاني وحقيقة وجود بشر في هذا الكيان. بشرٌ من لحم ودمٍ وحياة ذات قيمة ومضمون.

الكلام السوري العمومي ذاك، نبتت في ظلاله أنواع متضخمة في القضايا والمؤسسات وأشكال المنطق والبداهات، التي كانت قائمة على نكران البشر العيانيين، ليس بمصالحهم وحقوقهم السياسية العليا فحسب، بل أيضاً بحقهم الأولي والمطلق بالوجود كبشر آدميين.

هذا التغييب المتراكم للبشر، حول أمة المواطنين السوريين إلى مجرد قطعان من الكائنات الرخيصة الحياة والمنذورة للتضحية بها في كل حدب، وأولاً على يد ملوك الكلام الفخم ذاك ومستخدميه.

أخيراً، فإن سوريا هي تلك البقعة المنسية من صخرة العالم، المتروكة لحروب الطوائف الكبرى والكيانات الإقليمية ولعبة الأمم.

هذا النسيان ليس وليد الحدث السوري الأخير فحسب، بل يكاد أن يكون سمة ملاصقة لطبيعة الدور السوري منذ عقود، سوريا التي كانت تؤخذ كبيدق في تلك الصراعات، بيدقٍ شديد الانغلاق والالتواء داخل نفسه، يتفاعل ويُتفاعل معه ككتلة صماء مع كامل تلك المعادلات، وعلى حساب أناسها غير المرئيين.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.