بانهيار جدار برلين عام 1989، أعلنت الرأسمالية، ممثلة بالنظام الغربي الليبرالي، انتصارها الساحق على كل تنويعات التجربة الاشتراكية. كان إعلان الانتصار المدوي لا يصدح عاليا من خلال الإحالة على جدل الأفكار، وصراع النظريات، وتنافس الشعارات، وإنما من خلال الإحالة على التجارب العملية الماثلة.
أي ظهر بحكم الأمر الواقع الذي شهد بفشل التجربة الاشتراكية فشلا ذريعا وصل إلى درجة طمر كل المنجزات التضامنية الهزيلة التي حاولت الصمود على مدى أكثر من نصف قرن، فلم يبق منها إلا ما تشهد آثاره على بؤس مقيم وعقيم!
لكن، ماذا بعد هذه الهزيمة الساحقة؟ هل زال الحلم الاشتراكي؟ هل انطفأت جذوة الشوق إلى العدالة الاجتماعية التي تحاول أن تكفل الحد الأدنى من العيش الكريم لمئات الملايين من المسحوقين؟ هل تسرّب الإيمان بـ"قضاء الفقر وقدره" إلى قلوب وعقول ضحايا البؤس في العالم؛ فاستسلموا للحرمان وما يتبعه من قهر شامل كجزء من مقتضيات الإيمان الديني أو الإيمان الطبيعي/ المادي؟
في الحقيقة لم ولن يموت الحلم الاشتراكي تماما. لن يموت؛ لأن الحلم بالعدالة قديم، ومتجدد، ولن يموت إلا بموت الإنسان ذاته، وعيا وكينونة. الحلم الاشتراكي المُتَضمَّن في أحلام العدالة رافق البشرية منذ بدايات التحوّل من الصيد إلى الزراعة التي اقتضت ترسيخ قاعدة التملّك/ الحيازة، وما يتبعها من مراكمة المكتسبات، بعد تجاوز حد الضروريات إلى الكماليات والرمزيات التي رسمت حدود التمايز الطبقي وتكفّلت بتخليده على مدى أجيال.
منذ ذلك الزمن السحيق، وكل حراك ثوري، ديني أو غير ديني، هو يستبطن بالضرورة حلمَ العدالة، على الأقل، لجماهيره من البؤساء . لهذا، نشأت الأديان الكبرى عبر التاريخ على أكتاف الفقراء والمقهورين حقا، حتى ولو بدأت بغير فقير، وحتى لو جنى ثمار انتصاراتها الكبرى غير الفقراء، من دهاة الانتهازية الذين يتقنون فن القفز على ظهر الحصان الرابح في الوقت المناسب.
كل هذا يعني أن حلم العدالة الاجتماعية حلم قديم متجدد، ولكنه ليس بالضرورة حلما صحيحا (من الناحية العملية) أو قابل للتطبيق على أي حال. فالمحددات العملية التي تكتنف مسار "الأنانية الذاتية" هي التي أثبتت جدارتها في نهاية المطاف. وهي أيضا، وهذا هو الأهم هنا، التي أثبتت مسار المصالح الذاتية المتنافسة/ المتصارعة، هذا المسار الذي ينتهي، بطريق غير مباشر أو غير ظاهر، وبـ "يَدٍ خَفيّة"، إلى ضمانة حقيقية لمصالح أعم وأشمل، مصالح تتجاوز الفردي الخاص إلى الجماعي العام.
إن الاشتراكية بطبيعتها ذات نفس طوباوي واضح. ومن حيث كون كل الثورات تنطوي على نفس طوباوي يُلْهِم إرادة التغيير، فهي بالضرورة تنطوي على نفس اشتراكي.
فحتى الثورة الفرنسية التي تفجّرت على إيقاع مقولات فلاسفة التنوير، ومع كونها ذات منحى ليبرالي واضح؛ إلا أن الحلم الاشتراكي كان مُبَاطِنا لها عبر كل مساراتها، وفي كل مراحل تحولاتها، التي تجلّت فيما بعد، أفكارا وأحزابا، في المد الاشتراكي الفرنسي الكاسح منتصف القرن التاسع عشر، وهو المد الذي نهضت عليه كل تنويعات أفكار العدالة الاجتماعية والماركسية على رأسها بطبيعة الحال.
بلا شك، كان الرواج الظرفي لأفكار العدالة الاجتماعية الاشتراكية إفرازا طبيعيا لمسار الانتصار المتواصل لفلسفة "دعه يعمل، دعه يمر" الرأسمالية، خاصة في لحظة انفجارها الفاصلة: الثورة الصناعية.
ففي عصر هذه الثورة انتشرت حالة من البؤس المُروِّع بين عمال المصانع، لا من حيث ساعات العمل (التي قد تتجاوز الستة عشر ساعة !)، ولا من حيث ظروف العمل اللاإنسانية فحسب، وإنما أيضا، من حيث نصيب العامل البائس من الأرباح الطائلة التي يجنيها مُلاّك المصانع، هذا العامل البائس الذي قد يكون طفلا أو امرأة حامل أو مرضعا، أو مريضا منهك القوى، يبذل كل طاقته إلى آخر رمق، ولا يجد ما يسد به رمقه إلا الموت غير الرحيم!
من هنا، كان السُّعار الاشتراكي في الغرب، على امتداد القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مفهوما. وتراجعه فيما بعد في الغرب، مقابل صعوده كخيار أيديولوجي شامل في دول العالم الثالث على امتداد القرن العشرين، يحكي حقيقة أنه أيديولوجيا الفقر أساسا، أو الأيديولوجيا الملازمة للفقر والحرمان في حدوده القصوى. فتراجعه في الغرب لم يكن نتيجة انتصار الرأسمالية حقا، بقدر ما كان نتيجة سعي الرأسمالية الغربية لاستدماج بعض مبادئ العدالة الاجتماعية أو الاشتراكية في صلب منظومة الاشتغال الرأسمالي.
وإذ توفّر حد أدنى من العدالة الاجتماعية في كثير من دول الغرب الليبرالي، وتراجعت مظاهر البؤس الحاد والحرمان الظالم، فقدت الأيديولوجيا الاشتراكية إغراءها بمقدار العدالة النسبية المتحققة في الواقع.
وفي المقابل تنامى هذا الإغراء في معظم دول العالم اللاّغربي تحت وطأة الحرمان والبؤس والقهر؛ حتى دون أن تتوفّر هذه الدول على رأسمالية قوية قادرة على رسم حدود التمايز الطبقي في المجتمع الواحد.
إذا، الاشتراكية تراجعت ظاهريا، خَفَت بريق الاشتراكية كحل ثوري ناجع؛ مع بقاء الدوافع المُحَفِّزة له تشتغل في الواقع، وتستدعي "الحلول الاشتراكية"، دون أن تسميها باسمها؛ لأن انفتاح فضاء التنافس الرأسمالي كفضاء تتساوى فيه الحقوق والفرص المتاحة، لا يعني أن كل الأفراد على مستوى واحد أو حتى مستوى متقارب من القدرة على الاستثمار فيه/ فيها.
ففي كل المجتمعات، ثمة من لا يستطيعون حتى الوعي بحقوقهم الأولية الواضحة؛ فضلا عن أن يتجاوزوا ذلك إلى معترك التنافس الذي تتداخل فيه كثير العوامل غير الفردية. ما يعني أنهم، بمستويات مختلفة، من الذين "لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا"، وبالتالي، سيجدون أنفسهم، بدون ضمانات العدالة الاجتماعية، موضوعا للبؤس، ومادة جاهزة للاستغلال المتوحش.
وفي تقديري أن العدالة الاجتماعية لا تستطيع تحقيقها الأفكار الاشتراكية الخالصة؛ بقدر ما تستطيعها الرأسمالية المُتأنسِنة، أي الرأسمالية التي تستدمج التصورات الاشتراكية المُخَفَّفة في صلب مقولاتها.
فهذه الرأسمالية المتأنسنة هي الأقدر على إنجاح المبادئ الاشتراكية، في المدى المتوسط والبعيد، من الاشتراكية ذاتها.
وفي النهاية، فإن هذا الاستدماج يصنع توازنا حيويا داخل المنظومة الرأسمالية، وهو التوازن الذي يكفل للرأسمالية النمو والازدهار على المدى البعيد، كما يكفل لها الاستمرار بوصفها شرطا أصيلا للتطور الإنساني.

