الشرطة المصرية
"ستتكشّف ملابسات هذه القضية عاجلًا أو آجلًا"

قالت صحيفة "واشنطن بوست" قبل أيام إن قضية اختفاء ثم وفاة الباحث الاقتصادي المصري، أيمن هدهود، مشبوهة وينبغي التحقيق فيها، وبعدها بيومين أضافت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن هدهود كان يبحث في دور الجيش في الاقتصاد وأن هذا قد يكون السبب فيما حدث له.

وأيمن هدهود حاصل على ماجستير إدارة أعمال من الجامعة الأميركية في القاهرة وكان يعمل مستشارا اقتصاديا في حزب مصري قريب من السلطة وعمل قبلها في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وفي الخامس من شهر فبراير الماضي، اختفى هذا الباحث، وفي العاشر من شهر أبريل، تم إبلاغ أسرته بوفاته في الخامس من مارس، أي قبل أكثر من شهر في مشفى العباسية للأمراض العقلية، وعندما راجع الأهل المشفى أجابت بعدم وجود سجّلات لدخول أيمن إليها.

لتعود المشفى وتقرّ بدخوله وبأن مسؤولي أمن أحضروه، بينما قالت منظمات حقوقية إنه كان موقوفا لدى أحد الفروع الأمنية، كما قالت منظمة العفو الدولية أن هناك قسما ضمن هذا المشفى يعمل كمركز احتجاز تابع لوزارة الداخلية وليس للمشفى أي علاقة به.

وتسرّبت فيما بعد صور لجثة هدهود وعرضتها منظمة العفو الدولية على أخصّائي في الطب الشرعي الذي قال إنها تشير إلى تعرّضه لإصابات عديدة قبل وفاته رغم أن المدّعي العام المصري قال إن وفاته غير مشبوهة.

ولكن مهما تضاربت الأقوال فإن هناك ناحية مؤكّدة وهي أن الرواية الرسمية التي اتّهمت هدهود بمحاولة اقتحام وسرقة إحدى الشقق وهو يهذي بكلمات غير مفهومة تبدو صعبة التصديق، وكذلك ادّعائها بوجود شكايات عقلية سابقة عنده لأن عائلته ومعارفه ينفون ذلك.

ولو كانت الحادثة محاولة سرقة كما تدّعي الأجهزة الأمنية المصرية لما كان هناك سبب لإخفائها عن الأهل لأكثر من شهرين، ولما كان هناك كل هذا الإضّطراب والإرتباك عند أجهزة الأمن المصرية التي تبدو وكأنها تحاول التستّر على أمر ما.

وستتكشّف ملابسات هذه القضية عاجلًا أو آجلًا، ولكن إلى أن يحدث ذلك هناك ناحية لا يجب السكوت عنها أو تركها تمرّ مرور الكرام وهي وجود قسم في مشفى العباسية للأمراض العقلية تابع لأحد الأجهزة الأمنية وخارج سلطة المشفى.

فرغم أن وجود هذا القسم قديم، فبعد ثورة يناير عام 2011 خرج إلى العلن الحديث عن مستشفى الأمراض العقلية في العباسية التي يوضع فيها ضحايا أجهزة الأمن الذين لم يحتملوا التعذيب وظروف الاعتقال فتحوّلوا إلى مرضى نفسيين، وكان الانطباع وقتها بأن هذا القسم سيغلق ويضمّ إلى المشفى ولكن قصة هدهود دلّت على أن ذلك لم يحدث.

وذكرت خلال العقود الماضية حوادث عديدة أشارت إلى استعمال مستشفيات الأمراض العقلية كأماكن احتجاز لمفكّرين ونشطاء معارضين، كان منهم إسماعيل المهدوي، الحاصل على دكتوراة من جامعة السوربون الذي وضع في مشفى الأمراض العقلية لمدة 17 عاما لأنه طالب بعد هزيمة 1967 بتنحّي عبد الناصر وعودة الجيش للثكنات وترك إدارة الدولة للمدنيين، وفي حالة مختلفة تمامًا وضع سكرتير قائد الجيش، عبد الحكيم عامر، عام 1965، أحد كتّاب السيناريو بمشفى الأمراض العقلية وطلّقه من زوجته حتى يستطيع الزواج منها.

وهناك قصة الشاعر والمخرج المسرحي، نجيب سرور، الذي بعد سنوات قضاها في المعتقلات لمعارضته لحكم عبد الناصر والسادات تم تحويله لمشفى الأمراض العقلية التي توفي فيها عام 1978، وفي أيام مبارك برزت قضية اختفاء الصحفي، رضا هلال، عام 2003، لإثارته موضوع التوريث، وبعد سقوط مبارك عام 2011، قال صحفيون في شهاداتهم أنه تم اختطافه ووضعة في مشفى العباسية تحت اسم مستعار.

واستخدام المشافي العقلية لأغراض سياسية ليس حكرا على مصر، ففي إيران قال المحامي، سعيد دهقان، إن الأجهزة الأمنية قد صمّمت مشروعا جديدا ضد الناشطين السياسيين يشمل إدخالهم إلى مشافي الأمراض العقلية، ووصل المحامي إلى هذه النتيجة بعد تزايد التقارير التي تحدثت عن تحويل سجناء سياسيين لهذه المستشفيات، مثل الناشط الطلابي، كيانوش سنجاري، الذي قال إنه نقل إلى مستشفى للأمراض العقلية ست مرات تمّ تعريضه خلالها لصدمات كهربائية،

كما نقلت الصحفيّة، هنغامة شهيدي، إلى المشفى بالقوّة بعد حقنها بعقار يستخدم لعلاج الفصام قبل إعادتها لسجن إيفين، وكذلك المعلّم، هاشم خواستار، الذي أرسله الحرس الثوري بعد اعتقاله إلى قسم المرضى الخطرين في مشفى ابن سينا بذريعة إصابته باضطرابات نفسية وحقنوه هناك لعشرين يوما بالكثير من الأدوية، وكذلك البريطانية من أصل إيراني، نازنين زاغري، وطالبة الدراسات العليا، سها مرتضائي، وأسماء كثيرة أخرى تعرّض بعضهم للصدمات الكهربائية وتناولوا جميعا عقاقير غير معروفة.

كما تحدّثت تقارير دولية عن استخدام هذا الأسلوب من قبل الحكومات في الصين والاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية التي كانت تابعة له، حيث شارك أطباء نفسيون في انتهاك حقوق الإنسان عبر إدّعاء وجود شكايات نفسية عند ناشطين سياسيين بما يسمح باحتجازهم في مستشفيات عقلية بهدف إساءة معاملتهم دون أي رقابة أو محاسبة.

وهناك مؤشّرات على استمرار هذه الممارسات في روسيا حتى الآن، حيث قال روبرت فان فورن، من المبادرة العالمية للطب النفسي إن "إساءة استخدام الطب النفسي في روسيا لأسباب سياسية يرتبط بتدهور حقوق الإنسان هناك وبما يدلّ على أن السلطة تشعر بعدم ارتياح أكثر من السابق مما يدفعها لاستعمال هذه الطريقة"، وكذلك لأن الكثير من المسؤولين الروس أتوا من جهاز الكي جي بي المعتاد على أساليب الدولة البوليسية.

وتشرح الطبيبة النفسية، صوفيا دورينسكايا، كيفيّة حصول ذلك: "تقوم الشرطة باعتقال المعارضين من بيوتهم وتقتادهم إلى مستشفى للأمراض العقلية وهناك يصبح كل ما يكتبه الطبيب النفسي دليلا على جنون المتهم أمام المحكمة حتى لو كان التشخيص غير صحيح".

ومن هؤلاء الناشط إيغور مولياكوف، الذي تم تحويله من السجن لمستشفى الأمراض العقلية باعتبار كتاباته عن الفساد المنتشر بين السلطات المحليّة ليس سوى نوع من الاضطراب العقلي، ونيكولاي ستاتكوف، الذي احتجّ على الفساد ووحشية الشرطة في سيبيريا فوضع في مصحّة للأمراض النفسية بتشخيص جنون العظمة رغم أن فحصا مستقلّا في نفس العام أكّد على أنه شخص طبيعي وبصحة نفسية جيدة، والعالمة النووية والناشطة السياسية، مارينا تروتكو، التي أجبرت على العلاج لستة أسابيع بسبب تقرير عن إصابتها بجنون العظمة، والناشطة ناديزدا نيزوفكينا، التي اعتقلت بسبب احتجاجها في الميدان الأحمر عام 2012، وعندما رفضت التوقيع على بيان تعلن فيه أسفها واعتذارها عن ما فعلته حكم عليها بالاستشفاء الإجباري في مشفى الأمراض النفسية لستة أشهر، وأمثلة كثيرة لا يتّسع المجال لذكرها.

إذًا لقد تم استخدام مشافي الأمراض العقلية في الدول الشمولية إما لوضع المعارضين الذين أثّرت ظروف الاعتقال والتعذيب على قواهم العقلية وتوازنهم النفسي، أو بهدف اعتبار المعارضين السياسيّين مختلّين عقليًا ووضعهم كمرضى في هذه المشافي وتعريضهم لصدمات كهربائية أو إعطائهم عقاقير نفسية تؤدّي إلى إحداث أضرار جسمية وعقليّة.

ويجب تسليط الضوء على هذه الممارسات اللاإنسانية بهدف وضع حد لهذا الاستخدام الوحشي للمشافي العقلية في ترهيب وقمع النشطاء والمعارضين السياسيين.

وفي مصر من الصعب أن يؤخذ الحديث عن الجمهورية الجديدة والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بجدّية دون وضع القسم التابع لأجهزة الأمن في مشفى العباسية تحت إشراف المشفى بشكل كامل، ودون كشف جميع ملابسات قضية اختفاء ومقتل الباحث أيمن هدهود ودون محاسبة المسؤولين عنها، لأنها تبدو الأكثر ظلما وعنفا وقسوة من جميع سابقاتها، ولأن الاستمرار في سياسة الإنكار وحماية عناصر الأمن وإفلاتهم المتواصل من العقاب هي التي أدّت إلى تكرار هذا النوع من الحوادث.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.