كانت العلاقات الأردنية - السعودية على الدوام رهينة "الأمزجة الشخصية" ومحكومة دوما بإرث تاريخي شديد التوتر والحذر والريبة.
تاريخيا، كانت هناك نقاط تقاطع عديدة جمعت العرشين الهاشمي والسعودي لكن السياق العام بينهما كان على شكل خطين يسيران بالتوازي ولا يلتقيان إلا قليلا في مناسبات تاريخية قليلة.
لن أدخل بسردية تاريخية طويلة في العلاقات بين عمان والرياض، لكن الرؤية بين البلدين تكاد تشبه فعلا خطين متوازيين يتجهان نحو نفس الهدف، ولا يلتقيان، ولكل منهما خصوصيته في العلاقة مع قضايا الإقليم، وخصوصا القضية الفلسطينية التي عاش الأردن كابوسا استغرق منه إدارة أميركية كاملة وهو يسير في حقل ألغام متجنبا الكمائن التي زرعتها صفقة القرن ومهندسها صهر الرئيس ترامب المدلل جاريد كوشنر.( كوشنر كان ضيفا مدللا أيضا في الرياض قبل فترة وجيزة لتمويل مشروعه التنموي الضخم متعدد الأغراض).
انتهت مفاعيل الصفقة برحيل إدارة ترمب ثم رحيل نتنياهو وانزياح إسرائيلي بسيط من اليمين الديني إلى اليمين القومي، وعادت مسارات السلام إلى الحالة المعلقة على "حل الدولتين"! حل لا يجد منطقه في واقع على الأرض.
أردنيا، انزاحت الكتلة الحرجة والثقيلة عن صدر "عمان"، لكن بقيت المخاوف تحرك مناورات السياسة الأردنية التي دشنها الملك الأردني بزيارة ثقيلة الدلالات إلى واشنطن الصيف الماضي، وفيها كان لا بد من تجاوز الظلال الثقيلة لما تم تسميته بقضية "الفتنة"، فطرح الملك الأردني أجواء مصالحة "إقليمية" مع السعودية على طاولة بايدن، مشيدا بحركة الإصلاح التاريخي التي يقودها "فعليا" ولي العهد السعودي محمد ابن سلمان، وهو طرح أثار دهشة الأميركيين أنفسهم حسب ما سمعت الصيف الماضي من مصادر في واشنطن.
عموما، في العلاقة مع السعودية، هنالك حذر في التصريحات من قصر الحسينية، حيث مطبخ القرار السياسي الأردني، ومحاولات جادة لتجنب ما يؤثر على الحبل المشدود إلى أقصاه بين الرياض وعمان.
ويمكن القول باطمئنان - مما قرأنا وسمعنا في العاصمة الأردنية طوال شهور مضت- أن الأولوية لدى الملك وطاقمه السياسي الحفاظ على علاقة قابلة للتطور الإيجابي تكون أكبر بكثير مما هي عليه حاليا، والبحث عن مساحات تقاطع يراها الأردن موجودة بوفرة من خلال تعاون إقليمي مشترك لا استحواذ فيه ولا هيمنة.
المشكلة - حسب قراءاتنا الإقليمية أيضا- تكمن في زوايا الرؤية للأولويات بين الرياض وعمان، وربما بين الرياض وباقي عواصم الإقليم، وهو ما يخلق حالات سوء فهم يتصيد فيها من يقاومون التغيير أو من يرغبون بالتربح والتكسب من صراعات إقليمية محتملة، والتفاهمات الإقليمية القائمة على مشاريع تنموية مشتركة ضخمة أول شروط تحقيقها تفاهمات حقيقية وجادة لا يمكن للرؤى اليمينية "الإقصائية" ان تتواجد فيها، وهذا شرط يشمل إسرائيل بالضرورة.
--
سعوديا..
فإن ما يحدث في الداخل السعودي مثير للإعجاب، حتى بين من يقفون في خنادق تناصب السعودية العداء، فإن الحديث الهامس الذي كنت أسمعه بوضوح في جلسات خاصة كان دوما يعكس الإعجاب بالاستدارة الصعبة التي نجح "عهد" الملك سلمان بتحقيقها، والانكفاء على مرحلة ما بعد "جهيمان" التي أنتجت حالة قلقة ومقلقة من التطرف والتعصب القابل للتصدير بسهولة.
من تواصلت معهم من سعوديين، رجال إعلام ومثقفين وفنانين كلهم أكدوا لي أن ما كانوا يحلمون به "ولو بالسر" يتحقق اليوم في أجواء "انفتاحية" غير مسبوقة، وضعت رجال الدين المتطرفين في أماكنهم الطبيعية وقد تعملق الإحساس لديهم أنهم شركاء في السلطة.
تلك الشراكة "المتوهمة" لم تأت من فراغ، فقد ساهمت السلطة السياسية في خلقها مرتين، مرة منتصف القرن الثامن عشر وعبر تحالف مؤسس الدولة السعودية الأولى مع أكثر أئمة السلفية الأصولية تطرفا، الشيخ محمد عبدالوهاب، ثم توسعة هذا التحالف مع كل مريدي الشيخ السلفي وورثته الفقهيين بعد حادثة "جهيمان" واحتلال الحرم المكي في سبعينيات القرن الماضي، حيث ارتعبت السلطة السياسية من تنامي الحضور الوهابي "لإخواني" المتطرف فآثرت التحالف معهم وكان الثمن باهظا دفعته الدولة نفسها عبر سنوات طويلة.
كانت حرب الخليج "التسعينية" محكا صعبا للتحالف السياسي - الديني في السعودية، ومن تلك المرحلة كان التفكير ضرورة واجبة للخروج من معادلة لا يمكن تحقيقها بين دولة تبحث عن تنمية حقيقية بلغة العصر ولديها أكبر الإمكانيات في العالم، وتيار سلفي ديني متطرف يريد العودة إلى القرن السابع الميلادي ويحمل مشروعا "أمميا" للعودة بكامل الكوكب إلى ذلك القرن بكل ما فيه من "سلف صالح".
في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز استطاعت الدولة ان تحقق كثيرا من شروطها العصرية، وحسب مصادر تواصلت معها في السعودية فإن كثيرا منهم أكد لي أن الملك نفسه هو الذي مهد لتلك الرؤية "الإصلاحية" الراديكالية وأعطى مساحات تحرك واسعة لولي عهده الأمير محمد بن سلمان لتنفيذها.
(ومن المفارقات "اللافتة جدا" أن يكون أحد المقربين لولي العهد في برنامجه الإصلاحي وذراعه التنفيذي في تكسير كل محرمات "السلفية" سليل عائلة "الشيخ" محمد عبدالوهاب نفسه، ونقصد هنا تركي آل الشيخ، الشخصية المثيرة للجدل والقادم من رحم المجهول بلا أي تاريخ مهني حقيقي ليصبح عنوان آيات الشكر في أغلب إنتاجات الترفيه التلفزيوني).
لكن، وأمام حالة إصلاح جذرية وصعبة يحققها ولي العهد السعودي بكل ما يملك من سلطات وقوة، هنالك رؤية إقليمية له تجلت بوضوح في مشروعه المعلن "رؤية ٢٠٣٠" والتي لا تخفي أهدافها ولا تفاصيلها عبر موقع إلكتروني قمت بالتجول فيه ووضعني أمام تساؤلات عديدة كان أكثرها حضورا حول كيفية تحقيق تلك الرؤية "المتقدمة فعلا" بدون تعاون مع الجوار الإقليمي كله، تعاون لا يقوم على الهيمنة ولا السيطرة ولا يكون مؤسسا على أحلام "القيادة المنفردة"؟
رؤية ٢٠٣٠، برنامج طموح جدا، وحسب الوقائع من الداخل السعودي فإن الرؤية بدأت بالتحقق في كثير من الإنجازات داخل الجغرافيا السعودية "المعطلة تنمويا طوال سنوات طويلة خلت".
لكن تحقيق تلك الرؤية أيضا يتطلب خروجا من حدود الجغرافيا في قطاعات النقل والسياحة والاستثمار والأعمال، واللافت أن الرؤية تتماهى مع باقي رؤى دول الإقليم التي وجدت في التعاون المشترك في مجالات التنمية تحالفا متينا يقوم على المصالح المتجددة في عالم يتجدد.
هذا التساؤل كان حضوره طاغيا أكثر مع المقابلة الأكثر إثارة لولي العهد السعودي مع مجلة أتلانتك والتي تم نشرها مطلع آذار- مارس الماضي، وفيها كان الأمير "الأكثر جدلا بشخصيته" مندفعا نحو ضفاف المواجهات بلا تردد. وهي مواجهات مفتوحة على جبهات عديدة ومتعددة، وفيها ما يتفق مع سياسات باقي دول الإقليم مما يجعل التعاون "الإقليمي" ضرورة حيوية لولي العهد نفسه في حروبه التي أعلنها ضد التطرف والشعبوية والإقصائيين وقوى الظلام.
لا أخفي حيرتي بشخصية ولي العهد السعودي، والذي قدم وجهة نظر مثيرة ولافتة جدا في لقائه مع الأتلانتيك، لكن تلك الرؤية الطموحة لا يمكن تحقيقها بدون تعاون إقليمي مشترك قائم على الندية لا على الهيمنة والسيطرة، كما لا يمكن تطبيق قواعد فندق الريتز كارلتون على دول الإقليم، فتلك وصفة لا تنجح دائما.

