رياض سلامة هو حاكم لمصرف لبنان منذ قرابة ثلاثة عقود
انتقادات واسعة لحاكم مصرف لبنان.

لا شيئ يمكن أن يلخص علاقة فساد السلطة وأحزابها في لبنان بالمصارف، على قدر ما تفعل لائحة تحالف حزب الله وحركة أمل في دائرة الجنوب الثالثة، ففي هذه اللائحة يلتقي كل من النائب والوزير السابق، علي حسن خليل، الذي أصدر قاضي التحقيق بانفجار المرفأ، طارق البيطار، مذكرة توقيف للاشتباه به في قضية التفجير، والمصرفي الذي يتمتع بعلاقة قوية مع حاكم مصرف لبنان، مروان خير الدين، والذي وقف وراء الاعتداء الذي تعرض له الصحافي، محمد زبيب، كذلك الاعتداء الذي تعرض له الناشط واصف الحركي!

 إذاً اللائحة تضم السلاح (حزب الله) والمصارف (مروان خير الدين) وانفجار المرفأ (علي حسن خليل)، ولا داعي بعد ذلك للدخول في التفاصيل الأخرى، ذاك أن أصحاب اللائحة لا يواربون، فهم قالوا كل شيء في تشكيلتها. لا داعي للسؤال عن برنامجها الانتخابي، فالإناء ينضح بما فيه، وأي ادعاء لبرنامج لن يقوى على تبديد هذا الوضوح.

والسلطة عبر هذه اللائحة تُبلغ اللبنانيين بمنتهى الشفافية أنها ليست بصدد إجراء أي تعديل أو مراجعة على رغم كل المصائب التي تسببت بها. وهذه الشفافية ليست بعيدة أصلاً عن إعلان أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، أنه لن يعدل بأسماء مرشحي الحزب، طالما أنهم أدوا المهمة بنجاح! والنجاح في عرف السيد غير متصل بكل ما يصيب اللبنانيين اليوم.

لكن للأمانة لا يقتصر تفشي الظاهرة المصرفية في الانتخابات النيابية على لائحة السلطة في دائرة الجنوب الثالثة، فها هي لائحة "السيادة" في دائرة بيروت الأولى التي يتصدرها حزب الكتائب الذي يقدم نفسه كرأس حربة المعارضة، تعلن وعلى رؤوس الأشهاد أنها مرعية من صاحب مصرف الـ"سوسيتيه جنرال" أنطون صحناوي، وهذا الرجل ليس أقل شأناً من زميله خير الدين في التورط بالهندسات المالية التي أفضت إلى إفلاس لبنان والسطو على ودائع اللبنانيين، وهو وإن لم يكن قد أرسل مرافقيه للاعتداء على النشطاء، إلا أن اسم مرافق له ارتبط بجريمة قتل حصلت في وضح النهار وراح ضحيتها مواطن لبناني.

وإذا كان الرجلان، أي خير الدين والصحناوي، قد توزعا على لائحتين تدعي الأولى أنها "تبني وتحمي" وتدعي الثانية السعي لاستعادة السيادة، فإنهما يعودان ليلتقيا على حماية الماكينة العميقة للنظام، والمتمثلة بالتسوية التي ستنجم عن نتائج العملية الانتخابية.

فالرجلان سيستعينا بما حصلا عليه في الانتخابات، على تفاوته، لعقد الصفقة التي تتيح لهما استئناف الوظيفة التي انتدبهما إليها سيد ما زال إلى اليوم يقيم في مصرف لبنان، وهو لطالما احترف لعبة بناء مواقع نفوذ له في الماكينات الحزبية والسياسية والطائفية المختلفة. فرياض سلامة بنى عبر كرمه المفرط مع أهل النظام نفوذاً لطالما استعان به في ضائقاته الكثيرة، وهو ما يفسر تولى متخاصمون مثل نبيه بري وبشارة الراعي دفاعاً مستميتاً عنه.

لكن نفوذ المصارف في موسم الانتخابات اللبنانية لا يقتصر على اللوائح الانتخابية، فوسائل الإعلام تلعب دوراً مركزياً في الانتخابات، وللمصارف النفوذ الأول فيها، في ظل إفلاس المؤسسات الإعلانية ونضوب المال السياسي.

أبرز البرامج السياسية ترعاها مصارف، وهذا مثبت بإعلان يذيل الشاشات، كما أن نجوماً بارزين هم ضيوف دائمين على موائد حاكم مصرف لبنان، وهم يتولون على نحو علني معارك الدفاع عنه. ومن أغرب ما نعيشه على هذا الصعيد الصداقة التي تربط من يفترض أنهما خصمين، ونعني مروان خير الدين وأنطون صحناوي، بشاشة لطالما حل الأول ضيفاً دائماً على برامجها، وارتبط الثاني بعلاقة إعلانية معها!

ونفوذ المصارف في وسائل الإعلام موظف لمصلحة اللوائح التي ستتولى لاحقاً في مجلس النواب توزيع الخسائر، وللمصارف على هذا الصعيد طموحات واضحة تتمثل في أن تكون حصة الدولة هي الأكبر في هذه الخسائر، ويليها حصة المودعين، ثم المصارف التي يخطط أصحابها للنجاة بحصتهم من المنهبة.

وهذا النفوذ يملي إعلاء صوت الدفاع عن القطاع المصرفي في السجالات الانتخابية، والتلميح إلى أن استهدافها يصيب النظام الاقتصادي الحر، واتهام خصوم المصارف بـ"يسارية" لطالما سعت للحط من دور القطاع الخاص. وبينما يجد هذا الخطاب أصداء في أوساط مسيحية، ها هو يحجز مكاناً في برامج حزب الله عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري. وعلى هذا النحو يعيد النظام التقاط أنفاسه استعداداً لاستئناف وظيفته التي أفضت إلى الكارثة التي نعيشها اليوم.  

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.