ثلاثة أشهر والصين تخوض مواجهة ضارية اجتماعيا واقتصادياً وطبياً ضد متحور أوميكرون الذي شل 12 مقاطعة وفرض طوقاً مخيفاً على شانغهاي ذات تداعيات جمة على الاقتصاد العالمي.
اليوم، الصين المغلقة أمام العالم منذ بداية تفشي كورونا أواخر 2019، والتي لم يغادر رئيسها شي جينبينغ البلاد منذ بداية الوباء، تواجه معضلة صعبة في التصدي لكورونا. فمن جهة تريد الحكومة فرض نهج "صفر إصابات بفيروس كورونا" فيما لا لقاحها "سيتوفر" ولا نوع الوباء ولا الثقافة الشعبية تتيح ذلك.
بكين اليوم تريد تفادي مصير شنغهاي فيما هونغ كونغ تعج مستشفياتها بالمرضى. وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالصين تكتظ بفيديوهات وصور حول انقطاع الأغذية، تململ اجتماعي من الحجر، تكسير القيود الحديدية التي وضعها الأمن وفي بعض الأحيان مواجهات مع الشرطة.
نهج "صفر إصابات" تضعضع أمام سرعة انتشار الوباء ووضع الصين كما نيوزيلندا قبلها في موقع لا يحسد عليه. فما من عزلة وما من قيود كافية على وقف انتشار كورونا، ومن دون لقاح فعال، لا يمكن الحديث عن مخرج عملي من الوباء. فها هي رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن تتراجع عن سياسات أغلقت حدودها وأخرت لقاحاتها، وتسارع في الأشهر الاخيرة لتلقيح ما يزيد عن 70 بالمئة من السكان، وبفترة قياسية بمساعدة جارتها أستراليا ولقاحات فايزر.
في المقابل، نرى الصين في موقع معاكس، فرغم تطوير بكين لقاحها الخاص في المراحل الأولى من الوباء، فاليوم هناك 41 بالمئة من سكان الصين غير ملقحين بعد، ومعظمهم من المسنين وبشكل زاد من إصرار الحكومة على إغلاق 12 مقاطعة وبعد ارتفاع حاد في عدد الإصابات.
تدابير الصين بالإغلاق السريع وفرض قيود مشددة على السفر وحجر صحي في مراكز معزولة، نجح في بداية الجائحة وقبل تطوير اللقاح باحتواء الأزمة، إنما بدأ يظهر هشاشته اليوم بسبب سرعة انتشار الفيروس والحاجة الى مناعة جماعية في التصدي له.
الواقع الحالي يطرح أسئلة أيضا عن مدى فعالية اللقاح الصيني سينوفاك، وفي حال عدم جدواه فلماذا لا تستورد الصين لقاحات فايزر أو مودرنا؟ فهل استمرار النزيف أفضل من العض على الجرح والإقرار بالحاجة للمساعدة من الغرب؟
المخيف أكثر اليوم هو التداعيات العالمية لأزمة الصين مع الوباء. فانقطاع حركة أهم الموانئ العالمية مثل شنغهاي سيزيد من الشلل الاقتصادي العالمي، ومن حالة التضخم وسيفاقم من بطئ سلسلة الاستيراد والتصدير.
هناك أيضا خطر التململ الداخلي في الصين. فمواقع التواصل الاجتماعي مثل "ويبو" مليئة بفيديوهات حركة "أصوات أبريل" المعارضة لهذه القيود، وتصور معاناة سكان المدن يوميا لتحصيل دواء وغذاء أو منع الشرطة الصحية من إجبارهم على العزل. وصول هذه المقاطع إلى الخارج رغم قيود الحكومة الصينية يعكس حجم المشكلة.
العملاق الصيني في مأزق مؤقت، أبعاده سياسية واجتماعية واقتصادية فجره كوفيد، وهو بتداعياته ورد فعل بكين يعكس هشاشة بعض جوانب القوة الصينية ويطرح تساؤلات حول الإفراط بالاعتماد عليها.
هناك مصلحة دولية تقتضي اليوم خروج الصين وبأسرع وقت من أزمة كوفيد لتفادي ركود اقتصادي، إنما هذا سيتطلب أولاً مراجعة صينية تتخلى عن سياسة "صفر إصابات" وتستبدلها بموجة لقاحات فاعلة و"صفر إغلاق" يليق بقوة عالمية.

