حتى مساء الخامس عشر من مايو الجاري، سوف تتواصل حلقات مسلسل الانتخابات النيابية اللبنانية التي بدأت صباح اليوم بتوجّه الناخبين المسجّلين في الدول الاسلامية الى أقلام الاقتراع، على أن تنتقل الكلمة إلى اللبنانيين المنتشرين في سائر دول العالم، بعد غد الأحد.
وعلى الرغم من انطلاق العمليات الانتخابية، فإنّ سؤالاً إشكالياً سبقها ويواكبها: هل سوف تسمح هذه الانتخابات، في حال حصلت "المعجزة"، وخسر الائتلاف الذي كوّنه "حزب الله"، أمام قوى متباينة ومشرذمة ومقاطعة، بإحداث التغيير المنشود، أو أنّ ما يمكن أن يخسره "حزب الله" في الانتخابات سوف يستعيده بالبندقية والعبوة الناسفة؟
ولا ينطلق هذا السؤال من فراغ، بل يؤسّس نفسه على تجربة امتدت منذ العام 2005 الذي شهد أوّل دورة انتخابات نيابية بعد تحريره من الوصاية السورية، حتى العام 2018 الذي شهد انتقال الأكثرية من عهدة "قوى 14 آذار" التي تُسمّي نفسها "سيادية" إلى عهدة ائتلاف "حزب الله"، وذلك نتيجة تغييرات عدة في السياسة اللبنانية ناجمة عن انفراط عقد "القوى السيادية"، وإقرار قانون انتخاب يدفع الحلفاء دفعاً إلى الغدر ببعضهم البعض، واستفحال سيطرة "حزب الله" على لبنان.
وقد تدهورت الحالة السيادية اللبنانية، في ظل سيطرة "قوى 14 آذار" على الأكثرية النيابية، اذ إنّها رضخت، بعد تعطيل طويل جداً للنصاب الدستوري، لإرادة "حزب الله" وانتخبت مرشحه الوحيد ميشال عون، وأقرّت، في ظل تمدّد هيمنة سلاح هذا الحزب، قانوناً انتخابياً يفتّت كلّ المكوّنات الوطنية من دون أن يؤثّر سلباً على تماسك مكوّناته المؤمنة به أو الخائفة منه أو العاجزة عن مواجهة ترسانته الترهيبية بالعملية الديموقراطية.
وإذا كانت غالبية لبنانية ترى تورّطاً ل"حزب الله"، في فترة تحكّمه بالأكثرية النيابية (2018- 2022)، في انفجار مرفأ بيروت أو أقلّه في تعطيل التحقيقات المرتبطة به، وفي اغتيال المفكّر والمناضل لقمان سليم، وفي إجهاض عنفي لـ"ثورة 17 أكتوبر" 2019، فإنّ هذه الغالبية تعتبر أنّ "حزب الله"، في فترة تحكّم قوى 14 آذار بالأغلبية (2005-2018) حكم البلاد بطريقة غير شرعية، بافتعال حرب تدميرية مع إسرائيل، وبعمليات عسكرية استهدفت معارضيه في السابع من مايو 2008، وبمحاولة تعطيل التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري فالمحكمة الخاصة بلبنان وبحماية المتّهمين بهذه الجريمة -وجميعهم ينتسبون إليه- وبضلوعه بمجموعة اغتيالات استهدفت وزراء ونوابا وقيادات عسكرية وأمنية وشخصيات سياسية.
وقد أدّت هذه الأعمال المنسوبة إلى "حزب الله" إلى افقاد لبنان عافيته السياسية، فاستشرس الفساد وخافت القيادات وهرب المستثمرون وتدهورت علاقات لبنان مع أكثر الدول التي كانت تدعمه وترعاه وتمنع انهياره.
ولهذا، فإنّ السؤال الإشكالي الذي يطرحه اللبنانيون، اليوم ينطلق من تجارب مؤلمة كثيرة جداً، الأمر الذي يُبرّد همم كثيرين ويحول دون اقتناعهم بجدوى التوجّه إلى صناديق الاقتراع، على قاعدة أنْ لا شيء سوف يتغيّر في لبنان، سواء أخسر "حزب الله" الأكثرية النيابية أم احتفظ بها.
هل يقع هذا اليأس، في مكانه الصحيح؟
قد يصح هذا الاستشراف الأسود لمستقبل لبنان القريب، لأنّ "حزب الله" لن يتخلّى، مهما كانت نتائج الانتخابات، عن نهجه التسلّطي، على اعتبار أنّ وظيفته الأساسية تكمن في إبقاء لبنان جبهة مفتوحة لمصلحة "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الايراني"، كما أنْ لا ضمانة تحول دون إقدام القوى التي ترفع شعارات مواجهة "حزب الله" في مرحلة الانتخابات النيابية على تكرار النهج الذي سبق أن اتّبعته في الفترة الممتدة بين العامين 2005 و2018.
ولكنّ هذا التصوّر هو جزء يسير من الجواب، لأنّ الانتخابات النيابية، مهما كانت أهميتها في مسار الشرعية اللبنانية، لا تختصر بذاتها كلّ أدوات الإنقاذ المنشود، بل هي أداة مهمة وضرورية وملزمة، في إطار مروحة واسعة من الأدوات، فتطبيق القرارات الدولية التي يقف في وجهها "حزب الله"، مثل القرارين 1559 و 1680، يستحيل من خلال معادلة الأكثرية والأقلية، لأنّ ذلك يحتاج الى ضغط إقليمي ودولي كبيرين، وهذا ينسحب، بطبيعة الحال، على مصير سلاح "حزب الله" وعلى الأدوار العسكرية والأمنية والسياسية التي يؤدّيها، وفق الأجندة الإيرانية، داخل لبنان وخارجه.
ما هي وظيفة الانتخابات النيابية، في هذه الحالة، إذن؟ على مدى السنوات الصعبة الأخيرة، خاطب اللبنانيون الدول العربية والغربية التي انسحبت من رعاية الوضع اللبناني، من منطلق أنّ "حزب الله" الذي يُضرّ بأمنها الإستراتيجي، لا يُمثّلهم، وبناء عليه، دعوها إلى إعادة النظر بقراراتها التي تُلحق أضراراً فادحة بهم، كما أنّ هؤلاء استاؤوا من الانفتاح الفرنسي على "حزب الله" بحجّة أنّه ممثّل لشريحة واسعة من اللبنانيين، ودعوا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الإقلاع عن هذه المنهجية، على اعتبار أنّ "حزب الله" إنّما يفرض نفسه فرضاً على اللبنانيين، وتمثيله ليس وليد عملية ديموقراطية سليمة.
وإذا كان "العرب والعجم" قد سلّموا بأنّ هناك إشكالية ديموقراطية حقيقية في قياس التمثيل الحقيقي لـ"حزب الله" في المناطق التي يسيطر عليها، بقوة السلاح، إلّا أنّهم ردّوا سائليهم، على قاعدة أنّ "حزب الله" يتحكّم بأكثرية متأتية عن تحالفاته مع قوى جرى انتخابها في مناطق متحرّرة من سلاحه. وهذا يعني أنّ إعطاء المصداقية اللازمة للأصوات التي ترفض المزج بين لبنان و"حزب الله" يفترض نزع الأكثرية النيابية من هذا الحزب. وهنا بالتحديد تكمن أهميّة هذه الانتخابات النيابية، إذ إنّها تُحرّر العجز عن وضع حدّ لسلوكيات "حزب الله" من الغطاء الذي وفّرته له الأكثرية الحالية ويمكن أن توفّرها له الأكثرية المقبلة. ولم يسبق أن حقّق فريق متّهم بأنّه إرهابي فوزاً كبيراً في الانتخابات النيابية إلّا وجرّ على دولته وشعبه الويلات، وثمّة أمثلة كثيرة على ذلك.
وعلى الرغم من المآسي التي عرفها لبنان بين العامين 2005 و2018، حين لم يكن ائتلاف "حزب الله" يحظى بالأكثرية النيابية، لم تتخلّ دولة صديقة عن دعم لبنان ومساعدته، لأنّها كانت تعتبر أنّ اللبنانيين مغلوب على أمرهم، فهم عندما ذهبوا إلى صناديق الاقتراع برّأوا أنفسهم من هذا الحزب، ولكنّ الأمور اختلفت اختلافاً كبيراً، بعد العام 2018، أي منذ انتقلت الأكثرية النيابية إلى عهدة ائتلاف "حزب الله".
وهنا بالتحديد تكسب الانتخابات النيابية اللبنانية أهميتها، إذ إنّ نزع الأكثرية من ائتلاف "حزب الله" يعين اللبنانيين على الحدّ من الخسائر التي يمكنها، في حال لم يحصل ذلك، أن تتزايد أكثر بكثير من تلك التي عانوا منها حتى الآن.
وهذا الإنجاز المطلوب من اللبنانيين، على الرغم من أنّه صعب، إلّا أنّه ليس مستحيلاً، إذ يرى الخبراء أنّه كلّما ارتفعت نسبة الاقتراع تضاءلت قوّة ائتلاف "حزب الله"، لأنّ هوى مجموعات كبيرة جدّاً من اللبنانيين، كما ظهر في السنوات الأخيرة في أكثر من مناسبة وفي أكثر من منطقة، ليس لمصلحة "حزب الله". وعليه، فإنّ الاستشراف الأسود لمستقبل لبنان، وإن صحّ، إلّا أنّه، في حال جدّد "حزب الله" أكثريته، سوف يكون أكثر اسوداداً.

