هناك من يحمّل الإسلام السياسي وجماعاته جانبا من المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف
هناك من يحمّل الإسلام السياسي وجماعاته جانبا من المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف

بروز أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا ليس خبرا جديدا بطبيعة الحال، لكن اكتساب خطاب اليمين زخما شعبيا متزايدا في كل مرة تحدث فيها انتخابات رئاسية أو تشريعية في هذا البلد الأوروبي أو ذاك هو أمر يجب أن يثير التساؤل وربما القلق من أن عددا متزايدا من البلدان الأوروبية يتجه في الواقع نحو اليمين، إن بفعل المزاج العام أو نتيجة التدافع والمزايدات بين الأحزاب السياسية.

ولعل آخر دليل على ذلك النتائج التي أفرزتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا، وتحديدا حصول زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان على حوالي 42 في المئة من الأصوات، صعودا من 37 في المئة عام 2017 و18 في المئة عام 2012.

والكثيرون يتساءلون عن السبب في ذلك، هل هو بسبب الجاذبية التي يكتسبها خطاب هذه الأحزاب لدى الناخبين، أم لقدرتها على استغلال الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها بعض هذه البلدان، أم يعود إلى فشل السياسات الحكومية وعدم قدرة الأحزاب التقليدية على تقديم بدائل مقنعة في عالم يتميز بالسرعة والتقلبات؟

وفي حين يصعب التعميم، حيث أن لكل بلد أوروبي ظروفه وتفاصيله المختلفة، فإن القضايا التي توحد أحزاب اليمين المتطرف تظل هي نفسها تقريبا. وإذا استبعدنا القضايا المتصلة بالاقتصاد والوحدة الأوروبية، فإن الخطاب الشعبوي وملف اللاجئين والموقف من الإسلام والمسلمين عموما يشكل القاسم المشترك في هذا الخطاب.

لذلك هناك من يحمّل الإسلام السياسي وجماعاته والتشدد الإسلامي عموما جانبا من المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف. وبالنسبة لهؤلاء فقد اجتمعت عدة ظروف كانت بمثابة وقود لا ينقطع لخطب وبرامج زعماء هذا اليمين.

فمن جهة هناك سجل حافل من العمليات الإرهابية وترويع السكان في أوروبا منذ قرابة العقدين من الزمان وهي مستمرة، وهناك حروب أهلية ودول فاشلة في الشرق الأوسط تقذف بالمزيد من اللاجئين إلى بعض الدول الأوروبية وبأعداد تفوق أحيانا طاقة هذه الدول على استيعابها، وثالثا هناك خطاب إسلامي ينشر الكراهية ويحرض على العنف ويشجع المهاجرين المسلمين على مقاومة الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، الأمر الذي يخلق مشكلات حقيقية لهم ولتلك المجتمعات.

وهذه العوامل مجتمعة كفيلة بأن تشكل خطابا يمكن تسويقه لقطاعات متزايدة من الأوروبيين، كما شهدنا في السنوات الأخيرة.

صحيح أن الساسة في كل مكان يستغلون مشاعر الخوف والقلق لدى الناخبين ويضخمون الأخطار ويجيرونها في كثير من الأحيان لمصلحتهم الشخصية. وفرنسا أو أوروبا ليست استثناء في ذلك.

وصحيح أيضا أن معظم المسلمين في أوروبا لا يشاطرون بالضرورة الإسلاميين آراءهم وأفكارهم وتشددهم. وهؤلاء يعتبرون أقلية في هذه المجتمعات، بينما غالبية المسلمين هم مجرد مواطنين عاديين لهم نفس الاهتمامات والمطالب والحاجات التي لغيرهم في هذه البلدان. وبالتالي فإن إشاعة مشاعر الخوف غير المبرر من جميع المسلمين تبدو كما لو أنها مجرد استغلال سياسي فج.

مع ذلك يبقى من الصحيح القول إن مشاعر الخوف والقلق لدى الكثير من الأوروبيين لم تأت من فراغ. وأن هناك بالفعل مخاطر حقيقية يشكلها الخطاب الإسلامي في شقه المتطرف على الأقل، سواء كانت مخاطر أمنية أو سياسية أو اجتماعية.

وكون أن أحزاب اليمين المتطرف تستغل ذلك لا يعني أنها قد خلقته من العدم. لهذا من الصعب أن يغفل الإنسان السياق الذي تجري فيه الأحداث وخاصة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وحتى اليوم.

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق برأيي هو أن نجاح أحزاب اليمين المتطرف في جذب قاعدة شعبية أكبر، إنما يهدد بجر الأحزاب الأخرى إلى نفس الحلبة عبر المزايدة في السياسات والمواقف المتشددة أملا في تقاسم تلك القاعدة الشعبية أو حرمان اليمين المتطرف منها.

وبحيث قد لا يمضي وقت طويل قبل أن يكون فيه من الصعب التمييز بين الخطاب اليميني والخطاب اليميني المتطرف وهو أمر نشهد بوادره في عدد من الدول الأوروبية. وهذا سوف يترجم في سياسات وإجراءات وقوانين أكثر تشددا خاصة فيما يتعلق بقضايا اللجوء والهجرة وعلاقة الدين بالدولة.

خلاصة القول إذن هي أن ظاهرة صعود اليمين المتطرف في أوروبا إذ تعكس من جهة تطورا سياسيا مقلقا، فإنها تعكس من الجهة الأخرى نجاحا للإسلام السياسي في محاولته جر بعض البلدان الأوروبية إلى حلبته، أي جعلها أقل تحضرا وأكثر ميلا للعنف والتشدد والشعبوية.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.