الكاتب المغربي الطاهر بن جلون مع هولاند ومحمد السادس
الكاتب المغربي الطاهر بن جلون مع هولاند ومحمد السادس

عديدون هم الأدباء الذين تمردوا على "سلطة اللغة"، فهربوا إلى الفرشاة والألوان. ولأن "الرسم بالكلمات" لا يفي بالتعبير عما استعصى على اللغة المكتوبة، فلا مناص من البحث عما لا يتيحه "النص الكتابي". 

عربيا، نسوق أسماء أدباء زاوجوا ما بين الكتابة والرسم، في مقدمتهم جبران خليل جبران وغسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا ومظفر النواب وأدونيس وسليم بركات ومؤيد الراوي وصلاح فائق وعبد القادر الشاوي ومحمد خير الدين.  

كما نجد في المقابل رسامين جربوا كتابة الشعر والكتابة الأدبية، منهم في المغرب محمد القاسمي وعمر بوركبة وماحي بنبين.  

إن هؤلاء، وكثيرون غيرهم، سعوا إلى ردم الحدود الفاصلة بين الفنون والآداب، واعتبار الإبداع مساحة واحدة متداخلة. 

بهذه الكوكبة التحق أشهر الكتاب وأكثرهم حضورا، المغربي الطاهر بن جلون (78 سنة)، حيث يستعد "رواق 21" بالدار البيضاء لعرض آخر أعماله الفنية، في 10 ماي الحالي، تحت شعار: "لون الكلمات". 

لم يكن بنجلون بعيدا عن الفنون التشكيلية، إذ كتب نصوص "كتالوغات" خاصة بمعارض تشكيلين مختلفين، مثل فريد بلكاهية ومحمد شبعة وفؤاد بلامين والشعيبية طلال والجيلالي الغرباوي ومحمد القاسمي. كما كتب عن ماتيس، وجياكوميتي، وكلاوديو برافو، ميمو روتيلا. 

اشتهر الطاهر بن جلون كأستاذ فلسفة وروائي وكاتب مقالات باللغة الفرنسية. ويقول إن علاقته بالرسم قديمة، حتى قبل أن يكرس نفسه للكتابة، لكن مجيئه للرسم لم يحدث إلا في العقد الأخير، عندما منحه معهد العالم العربي بباريس سنة 2010 "تفويضًا مطلقًا" لتقديم إبداعاته في الرسم، لتوضع لوحاته بجانب أعمال تشكيليين كبار.  

يومها خرج بن جلون متحدثا عن معرضه بـأنه "كتابة خاصة عن آلام العالم". وأن "لوحاتي سعيدة وحيوية وملونة. كما هو الحال في كتبي، إنه ألم العالم، من خلال لوحاتي أحاول استعادة نور العالم". 

إلا أن لوحات بن جلون بألوانها الفاتحة تعبر أكثر عن فرحة، فلا دراما وراء رسوماته، بخلاف أعماله الأدبية المولودة من رحم المعاناة. 

يتدخل بن جلون ليوضح أنه "يخربش ويرسم دائمًا" لا أكثر. وبناءً على طلب أحد أصدقائه، بدأ يعمل على تلوين رسوماته المكبرة، ثم أخذ يدنو من القماش الأبيض، إلى أن أصبح الرسم وظيفة بالنسبة له مثل الكتابة. ثم اكتسب الثقة، وأصبح يسعد بمهاجمة القماش. 

*** 
لا شك أن أعماله التشكيلية حظيت باهتمام أكبر من كتاباته، من قبل أصحاب المجموعات الفنية والمؤسسات والمتاحف الكبرى العالمية. وإلى جانب أغنياء المغرب، نجد من بين أبرز مقتني لوحات بن جلون، الملك محمد السادس المعروف باهتمامه بالفن التشكيلي. وسبق للملك أن اشترى جميع لوحات معرض للفنان والكاتب الماحي بنبين، قبل عرضها على الجمهور.  

وهنا يسوقنا الحديث إلى تحول علاقة الطاهر بن جلون مع النظام المغربي، بعد أن كان في شبابه محسوبا على اليسار، ولا يزال البعض يصنفه مثقفا ملتزما، كتب عن المعتقل السري الرهيب "تازمامارت"، وعن سنوات الرصاص، التي كان في مرحلته الطلابية من ضحاياها، حينما اقتيد إلى معسكر تجنيد تأديبي.  

*** 
في 1987 كان الطاهر بن جلون أول عربي يفوز بأرفع جائزة أدبية فرنسية "الغونكور"، فتم استقباله من طرف الملك الحسن الثاني وتوشيحه بوسام ملكي. وبدأت عملية تعميده كأبرز كاتب فرنكفوني من أصل مغاربي، وكخبير ومحلل مرموق. وصارت الصحف والمجلات الكبرى تتهافت على نشر مقالاته، والقنوات الإذاعية والتلفزيونية تتسابق لاستضافته ليتحدث عن الإسلام والحركات الإرهابية وثورات الربيع العربي.  

لكن صاحب "ليلة القدر" وقع غير ما مرة في ما يسميه البعض بـ "التعالي" و"احتقار" المغاربة، وهو يدلي للفرنسيين بمعلومات خاطئة عنهم، ويطلق أحكام قيمة مغلوطة عن المغرب.  

وتجاوزت الانتقادات كتاباته إلى شخصه، فأطلق عليه البعض لقب "الكاتب الفلكلوري" ولاحقته صفات "الانتهازي"، وقيل أنه ليس مستغربا أن تلقى كتبه نجاحا واسعا، فقد خبر الرجل الذهنية الفرنكفونية، وأتقن حرفته من خلال تقديمه عوالم عجائيبة، تشفي غائلة الجمهور الفرنسي، بما يشتهونه من صندوق الخرافة والسحر والشعوذة.  

وفي مستهل الألفية الجديدة أتت الفضيحة كاملة، لما تناول الإعلام الفرنسي قصته مع خادمته، وقيل للناس إنه ليس ذاك المثقف التقدمي الذي يتمثلونه، فلم يتردد في استعباد امرأة قروية جاء بها كخادمة من بلده الأصلي، ولم يحفظ لها حقوقها كعاملة مهاجرة، هو الذي لا يتوقف عن الانتصار للعمال المهاجرين. 

*** 
ضمن هذا السياق، نسترجع مضمون تحقيق شهير نشر في سبتمبر 2000، أعده الصحفي الأميركي ستيفن سميث، الذي كان يعمل بصحيفة "ليبراسيون" الباريسية، هو من سيقترن لاحقا بمليكة أوفقير ابنة الجنرال الذي تمت تصفيته إثر محاولة انقلاب ضد النظام الملكي. 

جاء التحقيق تحت عنوان مثير: "الكاتب والخادمة والملك". ويمكن استعادته اليوم كسيناريو ناجح مقتبس من إحدى كتب بن جلون، حيث ختم سميث تحقيقه بسخرية لاذعة، قائلا إن قراء بن جلون، ينتظرون منه التكفير عن ذنبه بتأليف كتاب جديد، على منوال مؤلفه: "العنصرية كما شرحتها لابنتي"، وليكن عنوانه: "العبودية كما شرحتها لخادمتي". 

*** 
يبين التحقيق أن الخادمة الشابة (فاطنة. س) كانت تعمل بشكل غير قانوني، ولا تنال الحد الأدنى من الأجور، رغم كونها تعتني بأطفال بن جلون الأربعة، بما في ذلك ابن كان يبلغ من العمر ثماني سنوات ونصف مصاب بمتلازمة داون، وكانت تطبخ "بشكل جيد" أثناء سهرات العشاء التي يقيمها الكاتب بمنزله.  

ادعى الكاتب أنه يدفع لخادمتة ألفين درهم شهريًا، وقال: "في رأيي، لم يكن راتبًا، بل مساعدة". إن أسرة فاطنة فقيرة، "فقراء يعيشون في حفرة... وقد توفيت الأم من فترة قريبة بنوبة قلبية، أما والدها فسكير مدمن".  

بعد أن ساءت العلاقة بين الخادمة ومشغلها، طردها بحجة أنها تضرب أطفاله. ولطي الموضوع، اقتنى الكاتب تذكرة سفر من أجل عودة فاطنة إلى المغرب، لكنها رفضت.  

وعشية مغادرتها، تركت فاطنة رسالة وداع. بعد عبارة البسملة، كتبت بدارجة عربية متلعثمة: "وداعا وشكرا جزيلا، غادرتُ مع امرأة لا أعرفها.. ولا أعرف إلى أين"...  

يتحدث التحقيق الذي أنجزته لجنة مناهضة العبودية الحديثة، عن فاطنة: "لقد كانت مجرد دمية تم التلاعب بها"، "لقد رفضت أي تعاون"، "ما هو أكثر من ذلك، إن الكاتب يكذب أحيانًا، على سبيل المثال حول الرعاية الطبية، التي أكدت إنها حُرمت منها". تتذكر الخبيرة القانونية: "لقد أرادت فاطنة أن تحصل فقط على أوراق  الإقامة وأن تبقى في فرنسا، إن هذا كل ما يثير اهتمامها". ومع ذلك، ظل جواز سفر فاطنة في درج الطاهر بن جلون. الذي احتج قائلاً: "لم نحتجزه". 

بعدها تولت اللجنة مسؤولية فاطنة، وقامت بإيوائها مؤقتًا. واستنتجت أنها لم تكن "عبدة"، لكنها حُرمت من حقوقها كعاملة منزلية جلبتها عائلة بن جلون إلى فرنسا بتأشيرة سياحية. وحسب القانون، فإنه في حالة عدم وجود سوء معاملة، يقع النزاع ضمن اختصاص المحكمة الصناعية. 

 في 26 مايو، اقترح محامي اللجنة "اتفاقًا وديًا"، وهو دفع تعويض. لكن عائلة بن جلون اتهموا فاطنة بسرقة "الكثير من الأشياء" قبل مغادرتها، دون تحديد أي منها، وزعمت العائلة أنها قدمت شكوى في القضية. "قمنا بتمشيط حقائبها، التي بقيت مع اللجنة، لكننا لم نجد شيئًا ذا قيمة". 

 في 8 يونيو، تم تنظيم اجتماع توفيقي. أصيبت فاطنة بحالة هستيرية، لأنها لا تريد العودة إلى المغرب، ولا الرجوع إلى بن جلون. لدرجة أن أعضاء اللجنة فكروا في الاتصال بالأمن للتهدئة. عندها، وبحسب شهود عيان، على الفور اقترحت زوجة الطاهر بن جلون "توقيع إبراء ذمة". 

يشرح عضو من اللجنة: "لم نرغب في مواصلة الإصرار أو نشر القضية، لأن المشغل كان شخصية معروفة". 

اختفى المغربي "الطاهر" في باريس لمدة أسبوعين. بعدها صرح: "اتصل بنا أحدهم قائلا: الآن علينا أن ندفع". وبحسب ما ورد طُلب منه مبلغ 250 ألف فرنك فرنسي. عند الوصول، سيدفع أقل من ذلك بكثير.   

في يوليوز تمكنت امرأة من معارف فاطنة، من إعادتها بسيارتها إلى المغرب، ولما كان الكاتب في إجازة بطنجة، في منتصف أغسطس، التقت به المرأة بحضور والد فاطنة، حيث قدم الكاتب للأخير مبلغ 16 ألف درهم، وبذلك تمت التسوية التي وقعت عليها فاطنة، عندها قال مؤلف "أقصى درجات العزلة" (عزلة المهاجرين): "لقد كتبتْ فاطنة رسالة الشكر هذه دون إكراه". 

*** 
رد الكاتب، أن القضية هي مؤامرة مدبرة من أعداء شخصيين، ومن مجهولين في المغرب، يريدون "تشويه سمعته"، وربما حتى "تصفيته". 

 لكن من هم يا ترى هؤلاء الأعداء المجهولين والقتلة؟  

ألم يكتب بن جلون رواية مستوحاة من المعتقل السري "تازمامارت"، حيث حكم الحسن الثاني على انقلابيين بالموت البطيء؟ 

في الواقع، الوحيد الذي تورط بالحالتين (مشكلة الخادمة وكتاب تازمامات) هو نائب القنصل المغربي في باريس نجيب بنبين، الأخ غير الشقيق لعزيز بنبين أحد الناجين من تازمامارت، من تسرد فصول الرواية مأساته. لما أرسل الطاهر بن جلون إلى صديقه الديبلوماسي جواز سفر فاطنة، ليغطي نفسه ضد أي اتهام بالاختطاف. وقد رافق نجيب زوجة الكاتب إلى اللجنة، لإنهاء المشكلة بلا فضيحة. 

في الديوان الملكي بالرباط، ساد شعور بالغضب من "ثرثرة الطاهر التي انتشرت في كل مكان، من خلال نسب أزماته إلى المخابرات المغربية". كما يقر الكاتب بأنه في يوليو في طنجة، سأله الناطق الرسمي باسم البلاط، حسن أوريد، ببساطة عما إذا كان بإمكانه تأجيل نشر روايته "تلك العتمة المبهرة"، دون إصرار. كما يؤكد أن فؤاد علي الهمة، أقرب معاوني الملك، اتصل به هاتفيا للحصول على ضوء أخضر لا لبس فيه. قال له: "نحن مستعدون حتى لمساعدتك على نشره في المغرب". 

إذاً أين تكمن المشكلة؟  

بشكل أساسي كانت توجد برأس الطاهر بن جلون، الذي لم يعارض سلطات بلاده، ولم يقل أي كلمة عن استبداد الملك الحسن الثاني.  

في عام 1997 تم حظر برنامج بنجلون على إذاعة طنجة "ميدي 1"، لأنه تحدث عن قوانين الهجرة وعنصرية الجبهة الوطنية. فتم إنهاء تعاونه مع المحطة التي كان يديره الكورسيكي بيير كازالتا.  

ولكن، إذا كان قد أعلن على الهواء اسم "تازمامارت"، السجن السري الذي نددت به منذ بداية الثمانينيات صديقته كريستين دور، زوجة زعيم المنظمة الماركسية السرية "إلى الأمام" أبراهام السرفاتي، لكان قد مُنع من قضاء العطلات ومن الشرف في بلده الأصلي. ولهذا وبخ الناجون من جحيم الموت الكاتب، وفكر البعض في رفع دعوى قضائية ضد روايته، لاستغلاله لوقائع حياتهم المدمرة خلال 18 عامًا".  

لم يصمت الطاهر بن جلون: "إنهم يريدونني تمامًا أن أتوقف عن الكتابة والنشر والتواجد". 

*** 
بعد أكثر من عقدين على الواقعة، لا يزال الكاتب الكبير يكتب وينشر ومتواجدا بقوة، بل فتحت له أبواب الإشعاع ونوافذه، وشوهد إلى جانب الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ثم خلفه الرئيس فرنسوا هولاند، أثناء استقبال كل منها للعاهل محمد السادس، ودخل مرات إلى القصر الملكي، وظل مرحبا به في قنوات تلفزيون المغرب، كما أنه ينشر بشكل دائم بموقع إلكتروني يملكه منير الماجدي سكرتير الملك الخاص. 

وها هو القصر يقتني اليوم أكثر من لوحة للرسام الطاهر بن جلون، الذي أعلن: "لقد بدأت الرسم لأجعل الناس ينسون الجزء المظلم من العالم الذي كنت أكتب عنه". 

 فهل يمكن اعتبار حكاية فاطنة جزءا من ذلك العالم، الذي لم يجرؤ قط على الكتابة عن ظلامه، وهل تستطيع ألوان الفرح في لوحاته تبديد "تلك العتمة المبهرة"؟! 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.