أشخاص يسيرون بالقرب من مبنى سكني مدمر في ماريوبول
"إطالة أمد الحرب الروسية على أوكرانيا، قد يحمل في الأيام المقبلة مخاطر واحتمالية توسيع رقعة هذه الحرب ضد جيران أوروبيين آخرين"

بعد رحلة شاقة دامت أكثر من عشرين عاما في أروقة المحاكم، بشرني أحد الأصدقاء قبل أيام أنه تمكن من كسب الدعوى القضائية لصالح العقار الذي يمتلكه في بيروت،  وأردف أنه اضطر بعد فوزه إلى استئجار منزل آخر بعيد في إحدى المناطق اللبنانية كخطوة احترازية بررها بأن القانون الذي أنصفه في جانب، قد لا يتمكن من حمايته وأسرته من رد فعل خصمه الانتقامي اللاحق، وحيث لاضمانات مؤكدة في هذا الصدد. 

تفهمت دوافع ومقصد الصديق بمزيج من الأسف والسرور بسبب مواكبتي لحيثيات قضيته مع جاره الذي أذاقه طوال تلك السنوات جميع أصناف الكراهية ومارس ضده وضد أفراد أسرته كافة أساليب التنمر والابتزاز الممنهجة.

وتتلخص القضية التي جرب الصديق بداية حلها بالتفاهم الودي وفشل، بعقارين جارين متلاصقين متشابكين لوجستيا في ما يخص أحقية التشارك بالهواء والضوء والتي تعرف قانونيا بحقوق الارتفاق.  

مساحة عقار الجار الذي قام بمخالفات وتجاوزات قانونية بهدف توسيع عقاره على حساب حقوق جاره تبلغ ضعف المساحة. لكن نهمه لم يتوقف عند هذا الحد، بل مارس كافة أساليب الترغيب والترهيب للضغط على الصديق و"تطفيشه" وبيع بيته له، مستغلا نفوذه المالي والعائلي والطائفي وبعض الفاسدين في الدوائر المختصة لشراء الذمم، والتعامل ضده بتعال ووصاية وسلطوية وجبروت.  

قضية قد تبدو اعتيادية ومكررة وتتشابه مع آلاف القضايا التي تحفل بها ملفات القضاء أو خارجه لنزاعات لاتتوقف بين الجيران. لكن مهما اختلفت أسبابها، تبقى قضية مؤثرة توصف "بالمنغضة" للعيش، تلقي بظلالها  الثقيلة على أصحابها وتعكر صفو حياتهم ضمن أجواء مشحونة مستمرة من الاستفزاز والتهديد. 

وترتفع نسبة احتمالية النزاعات بين الجيران للعديد من الأسباب، مع ماتشهده الحياة من ازدياد في نسبة الاكتظاظ السكاني، الذي فرض أنماطا معمارية غير صحية أو صائبة من التجاور تصل إلى حد التلاصق الحاد والاحتكاك المباشر الذي يوفر جميع أسباب التشابك والعنف. 

وتزداد مثل هذه النزاعات باختلاف أسبابها في المجتمعات المحافظة التي تستمد قوة شرعيتها من الأعراف والتقاليد، وتمنح بعض الجيران سلطة مجتمعية "واهية" للتعدي على جيرانهم والتدخل في شؤونهم وخصوصياتهم لأسباب تتعلق بالمحرمات وغيرها، بحيث تندرج في مجملها في خانة الجبروت الذي يمارس ضد بعض الأفراد، وعدم تفعيل القوانين الصارمة التي تحد من مثل هذه التجاوزات. 

من مساوىء حظ الفرد في الحياة أن يكون له "جار مزعج". وإلى اليوم يتبادل المشرقيون المثل المتوارث "الجار قبل الدار" لشدة حساسية هذا الأمر وتأثيره المصيري. لكن الأمور مهما ساءت بين الأفراد، يمكنهم بتوفر بعض الإمكانيات من تغيير أماكن سكنهم والتخلص من مثل هذا الكرب، فيما يستحيل على مستوى الدول أن تغير جغرافياتها الطبيعية وأقدراها التي تضعها على احتكاك مستمر إما مع دول جارة راقية المعشر أحيانا، أو مزعجة ومستفزة ونهمة ومتغطرسة، وهي الأغلب. 

إن نظرة عامة للعديد من كبرى النزاعات بين الدول الجارة في العالم تؤكد مدى وخطورة انتهاكات مبدأ حسن الجوار الذي أقرته المواثيق والقانون الدولي منذ أكثر من خمسة وسبعين عاما، والممتدة في أخطر تجلياتها بين الصين وجيرانها، وكوريا الشمالية وكل من حولها، وبين الهند وباكستان، والتهديدات المستمرة من إيران لجيرانها، والانتهاكات التركية وقطع الموارد المائية عن دول الجوار من حين إلى آخر، وآخرها حرب روسيا الجارية على جارتها أوكرانيا كأحدث الأمثلة السافرة. 

وهي حرب ساقت لها روسيا عشرات المبررات التي كان يمكن تفاديها بالحلول السياسية والدبلوماسية، ولم تشفع كل وشائج القربى بين الشعبين والعلاقات التاريخية والدينية والثقافية والاقتصادية والمصالح والموارد الطبيعية المشتركة، في إيقاف حدوثها الذي يكمن في واقع الأمر بالنظرة الاستعلائية والوصائية والمتغطرسة اتجاه أوكرانيا. 

فقد أظهرت روسيا خلال الأسابيع الفائتة من بدء هذه الحرب، ليس فقط أنها خولت لنفسها -كقوة عظمى- حق التعدي على سيادة دولة جارة والتحكم في سياساتها وتقرير مصيرها وتدمير ممتلكاتها وقضم أراضيها ومواردها، بل الإصرار في الوقت ذاته على منع الجار" الخصم" الأوكراني من حق الدفاع عن نفسه، وتدمير كل أشكال المساعدات الدولية التي تقدم له. 

سلوك يؤكد الرؤية التي تحمل الكثير من تغول "الجبروت" الذي يعاقب الضحية إن دافعت عن نفسها ويغضب من صراخها بسبب الألم، ويغضب من محاولتها النجاة، ويغضب من كل من يساعدها أو يؤيدها، كمثل مانشهده من آراء ومواقف تعسفية وغير أخلاقية على مستوى الأفراد في ما يتعلق بالضحايا (النساء المعنفات مثلا)، وتحميل المجتمع لهن مسؤولية التعدي أو العنف ضدهن تحت ذرائع هندامهن أو رغباتهن في التعلم أو الانعتاق. 

إطالة أمد الحرب الروسية على أوكرانيا، قد يحمل في الأيام المقبلة مخاطر واحتمالية توسيع رقعة هذه الحرب ضد جيران أوروبيين آخرين، وإيقافها ليس مطلبا ملحا للأمن والسلم العالمي فقط، بل للانطلاق منها والقياس عليها لتفعيل وتشديد المواثيق الدولية التي تحفظ مبدأ حسن الجوار برؤية صارمة أكثر تركيزا تحرص على تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية لحل النزاعات بين الدول الجارة بديلا عن سيل الدماء الذي لايتوقف. ليس فقط حل مثل هذه النزاعات، بل مايليها من العمل على تحرير العقول ورؤى الساسة وقادة الحروب وبعض الأفراد من طغيان "الجبروت" وتغوله في أنفسهم، والذي يجييرونه لاستضعاف الآخرين والتعدي عليهم. 

هو"الجبروت" ذاته الذي أجبر الصديق إلى الابتعاد عن منزله إلى منزل آخر، رغم ربح الدعوى القضائية لصالحه، لأن مخاوفه من احتمالات انتقام خصمه ما زالت مشروعة وقائمة، والمتعلقة بطبيعة" الجبروت" الذي قد يكمن إلى حين، لكنه لايزول من نفوس من يصاب به مثل لعنة أبدية. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.