مشادات عنيفة وقعت داخل البرلمان العراقي خلال جلسته التي انعقدت في التاسع من يناير الجاري
"المشكلة في العراق أكبر مِن مبادرات تطلقها أطراف سياسية هي أصل المشكلة وأساسها"

بعد خرق الدستور وتجاوز المدد المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية، وتجاهل قرارات المحكمة الاتحادية العليا، باتت الأبصارُ شاخصةً نحو المبادرات التي تطلقها زعامات أو قوى سياسية! لعلّها تحمل حَلاً لتجاوز عقبة الثلث المعطّل، والبدء بتشكيل حكومة جديدة بعد مضيّ سبعة أشهر على الانتخابات.  

ثلاث مبادرات أطلقت في أيام متقاربة، مبادرة أطلقها السيد عمار الحكيم، وهو المعروف بكثرة طرحه لِلمبادرات، لم تحمل شيئا جديدا، بل كانت تكراراً ودعوة لِضرورة الحفاظ على حق المكوّن الشيعي بتسمية رئيس مجلس الوزراء. ومبادرة أطلقها السيد مقتدى الصدر، وأخرى طرحتها قوى "الإطار التنسيقي"، والجديد في هاتين المبادرتَين هو محاولة استقطاب المستقلين مِن أعضاء مجلس النواب.  

المستقلون باتوا رهان قوى الثلث المعطّل لتعزيز موقفهم والضغط على خصومهم لحد اليأس من تمرير مرشحهم لرئاسة الجمهورية. وفي المقابل يراهن عليهم تحالف "إنقاذ وطن" لِلمضي في تشكيل حكومة الأغلبية. ولذلك كانت مبادرتا الإطار التنسيقي والسيد مقتدى الصدر محاولة لإغرائهم بأن يكونوا هم مَن يشكل الحكومة القادمة، وفق اشتراطات حددها الصدر بتنظيم صفوفهم والانضمام إلى تحالف الأغلبية وذلك خلال 15 يوماً. أما الإطار التنسيقي فاشترط أن يكون مرشح المستقلين لرئاسة الحكومة الجديدة ضمن استحقاق المكون الشيعي.  

وبعد أن اختلطت الأوراق وأصبح من الصعب التمييز بين النائب المستقل الحقيقي، وبين آخر عنوانه مستقل، لكنه ينتمي إلى هذا الحزب أو ذلك الكيان السياسي، يبدو أن الكثير مِن المواقف السياسية باتت هي الكاشفة لحقيقة استقلالية النائب من عدمها. ومن ثمَّ، أصبح عدد النواب المستقلين حقيقاً وليس وصفاً فقط، لا يتجاوز عدد أصابع اليد. أما البقية فيمكن وصفهم بالكثبان الرملية، إذ تجدهم يوماً هنا، وفي يوم آخر تجدهم هناك! ولذلك يبدو أن هذه الطبقة السياسية نجحت في تشويه كلّ العناوين التي يمكن المراهنة عليها لتصحيح مسار النظام السياسي، أو يمكن أن تشكّل بصيص أمل لإصلاحه. فبعد أن جرى تسقيط عنوان التكنوقراط بعد مشاركتهم في حكومات فاشلة وصفقات فساد، نشهد اليوم محاولة تسقيط تجربة النواب المستقلين، بعد أن كان الرهان عليهم لِكسر شوكة أحزاب السلطة التقليدية وإضعاف هيمنتها في انتخابات تشرين 2021.  

وبالعودة إلى مضمون المبادرات، فرغم تعددها، لا تقدّم حلاً! لأنها تراوح مكانها وتنطلق من مواقف متصلبة أكثر من كونها تعبّر عن مرونة تقودنا إلى تسويات سياسية قادرة على حل مأزق التجاوز على الدستور وعجز النظام السياسي عن احتواء التناقضات بين الفرقاء السياسيين. فمبادرة الإطار التنسيقي لا تتجاوز محاولة الردّ على دعوة مقتدى الصدر لتشكيل الحكومة مِن دون الصدريين! أما مبادرات الصدر فغايتها إحراج خصومه بالإطار التنسيقي وإثبات عجزهم عن تشكيل حكومة وعدم قدرتهم على تقديم خطوة للأمام أكثر مِن البقاء ضمن الثلث المعطّل.  

المشكلة في العراق أكبر مِن مبادرات تطلقها أطراف سياسية هي أصل المشكلة وأساسها. ولذلك لا يمكن أن نتوقع حلاً لِلمأزق السياسي الذي يتكرر مع كل انتخابات، وربما يكون ما بعد انتخابات 2021 هو الأكثر تعقيداً، من القوى التي لا تريد التفكير خارج معادلتَي: الاستئثار بالحكم، والمشاركة في مغانم السلطة مِن دون تحمل مسؤوليتها. 

البقاء ضمن دوائر التفكير السياسي بالمصالح الخاصة وكيفية ضمانها وتوسيع مكاسبها، لا يمكن أن ينتج حلاً لانسداد سياسي يعد نتيجة حتمية لِفشل النخب الحاكمة في إنتاج حكومات قادرة على إدارة الدولة، وليس منظومة حكم تخضع لمزاجات الزعامات السياسية، وتنحصر مهمتها في إدارة الصفقات السياسية والمحافظة على مكاسب السلطة والنفوذ.  

ومبادرات تحمل شعارات رنانة، وعناوين مستهلَكة تتحدّث بلغةٍ بعيدة عن مطالب الجمهور، قطعاً لا يمكنها أن تحمل بصيص أمل نحو حلّ الأزمة السياسية. فالمأزق السياسي الراهن لا يمكن اختزاله من قبل أطراف سياسية بالحفاظ على حق المكون أو الإبقاء على التوافقية؛ لأنها باتت عرفاً سياسياً لا يمكن تجاوزه الآن! وإنما هو نتيجة لعقليةٍ سياسية عاجزة عن التعلّم مِن الأخطاء، ولا تعرف معنى المراجعة والمحاسبة، وتتعامل مع الجمهور كزبائن سياسيين يخضعون لإرادة الزعيم السياسي.  

ويخطئ مَن يظن أن مبادرة سياسية يمكن لها أن تحل الأزمة الراهنة، وهي تنطلق من رؤيةٍ قاصرة عن تشخيص مكامن الخلل في العملية السياسية، وتحمل في طياتها رغبة في كسر الإرادات، أو الإبقاء على معادلة الحكم كما كانت قبل انتخابات تشرين 2021.  

الفرقاء السياسيون اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على تعلّم التسويات السياسية، فالأزمة السياسية لم تعد تنحصر بين مَن يريد تشكيل حكومة على أساس الأغلبية، ومَن يريد الإبقاء على التوافقية في تشكيلها. وإنّما هي أزمة البحث عن حلول قادرة على تجاوز الفشل والعجز والفساد في منظومة الحكم. ولذلك فالتفكير بمبادرات لِلحل، يجب أن تبدأ من إدراك الحل الذي يبدأ مِن استئصال الأورام الخبيثة في جسد النظام السياسي وليس معالجتها بمهدئات ومسكنات لِلألم.  

وما يتوقَّع مِن المبادرات السياسية الناجعة هو أن تكون منطلِقة مِن أفق سياسي يحاول ترسيخ مبدأ التسويات في حل الأزمات، ومن ثمَّ يجب تشخيص مكامن الخلل الرئيس وليس التجاوز عليها والحديث مباشرة عن النتائج من دون تحديد الأسباب الرئيسة للأزمة. ولذلك لا حلول في الأفق السياسي من دون أن يكون هناك اتفاق على أن المشكلة في الحكومات تتشكل من أجل تقاسم مغانم السلطة، ودستور لا أحد يلتزم بتوقيتاته، وانتخابات تعجز في إبعاد زعامات سياسية فشلت في إدارة الحكم. 

والمبادرة التي يمكن التعويل عليها لِلحل، يجب أن تقوم على ثلاث ركائز رئيسة، أولها الاتفاق على تشكيل حكومة قوية تراعي الاستحقاقات الانتخابية وليس المجاملات السياسية لمن خسر مقاعدَه ويتبجّح بنفوذه السياسي، وحكومة لا تكون شخصياتها تشابه شخصيات مسرح الدّمى، خيوطها بيد زعماء الأحزاب والكتل السياسية. وثانيها، الاتفاق على تعديل الدستور بتوقيتات زمنية محددة تكون أولياته تجاوز عقبات تشكيل الحكومة. وثالثها، تعديل نظام الحكم إلى نظام شبه رئاسي، وهذا بات واجباً وليس مستحبّاً. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.