دخل الطراد "موسكفا" الخدمة في 1983 خلال عهد الاتحاد السوفييتي
تقارير صحفية قالت إن المخابرات الأميركية ساهمت في إغراق موسكفا

انشغلت الأوساط الاعلامية والسياسية في واشنطن في الأسبوع الماضي بالتسريبات الاستخباراتية التي نشرتها كبريات الصحف الاميركية حول دور أجهزة الاستخبارات الاميركية في تزويد أوكرانيا بمعلومات دقيقة ساعدتها في تعقب وقتل عدد من الجنرالات الروس، وكيف أن المعلومات الاستخباراتية الاميركية حول موقع السفينة الحربية الروسية موسكفا في البحر الأسود ساهمت في إغراقها بعد أن دمّرها صاروخين أوكرانيين في الشهر الماضي.

أثارت هذه التقارير جدلا واسعا في العاصمة الاميركية وخاصة بعد أن سارع المسؤولون في البيت الابيض ووزارتي الخارجية والدفاع إلى التقليل من دور المعلومات الاستخباراتية الاميركية في هذه العمليات العسكرية، والقول بأن التقارير الصحفية إما "غير دقيقة" او مبالغ فيها، وأن واشنطن توفر معلومات استخباراتية عامة ولا تشارك السلطات الاوكرانية في قراراتها أو في ما تفعله أو لا تفعله بهذه المعلومات.

هذه التسريبات، بغض النظر عما اذا كان مبالغا فيها أم لا، تمثل تطورا مفاجئا، رآه بعض المسؤولين السابقين من أميركيين وأوروبيين، إضافة الى محللين مستقلين، تطورا خطيرا أيضا، لأنه يقرّب الولايات المتحدة أكثر من المشاركة في الحرب، أو على الأقل يساهم في تعزيز سردية الرئيس بوتين للحرب على أنها حرب بين روسيا ودول حلف الناتو فوق الأراضي الأوكرانية. 

خلال المرحلة الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا، تعاملت حكومة الرئيس بايدن بحزم ولكن بحكمة وروية مع أول وأخطر غزو من هذا النوع تشهده القارة الاوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. الرئيس بايدن وغيره من المسؤولين البارزين أوضحوا ان واشنطن سوف تزود أوكرانيا بالأسلحة الدفاعية وسوف تفرض مع الحلفاء عقوبات اقتصادية ومالية وتقنية لم تفرض في السابق ضد دولة كبيرة مثل روسيا بل فقط ضد دول تعتبرها واشنطن مارقة مثل إيران وسوريا وكوريا الشمالية وفنزويلا. المسؤولون في واشنطن سارعوا للتأكيد ان الولايات المتحدة لن تساهم في القتال، ولن تتخذ اجراءات يمكن أن تعتبرها موسكو استفزازية مثل فرض حظر على الطيران الروسي في الأجواء الاوكرانية، أو حتى المساهمة في نقل طائرات عسكرية سوفياتية الصنع تملكها بولندا الى أوكرانيا. 

ولكن مع مرور الوقت، وبعد الكشف عن الفظائع التي ارتكبتها القوات الغازية ضد المدنيين الاوكرانيين بما في ذلك الإعدامات والقتل الجماعي، بدأت لهجة المسؤولين الاميركيين وفي طليعتهم الرئيس بايدن تتغير مع مرور كل يوم، وبدأ معها تغيير ملحوظ في نوعية وطبيعة الأسلحة الى أوكرانيا. الرئيس بايدن وصف نظيره الروسي بوتين "مجرم حرب" وبأنه يرتكب "إبادة جماعية" بحق الأوكرانيين، ولذلك رأى بايدن في خطاب القاه في بولندا أنه "يجب ان لا يبقى في السلطة".

لاحقا قال وزير الدفاع لويد أوستن ان هدف الولايات المتحدة في الحرب هو "إضعاف" روسيا الى حد تصبح فيه عاجزة عن تهديد أي من جيرانها. وتزامن مع هذا التصعيد السياسي واللفظي تصعيد في الطبيعة الهجومية للأسلحة الاميركية لأوكرانيا وتزويدها بطائرات مسيرة من طراز  switchblade  "الانتحارية" التي تستخدم كسلاح هجومي  لتدمير الدبابات ومرابض المدفعية، إضافة الى مدافع الهاوتزر الثقيلة مع عشرات الآلاف من القذائف.  

 وبعد الاخفاقات العسكرية الروسية في الاسابيع الاولى للغزو، وخاصة اخفاق الهجوم الرئيسي ضد العاصمة كييف، بدأت موسكو من جهتها بتصعيد لهجتها السياسية وتصعيد هجماتها ضد الولايات المتحدة وحلف "الناتو". الغزو الذي وصفه بوتين في البداية "عملية عسكرية" خاصة ، تحول إلى حرب "لتحرير" مناطق من أوكرانيا، واعتبارها "روسية" من خلال فرض استخدام العملة الروسية فيها، لا بل رفع الاعلام والرموز السوفياتية فيها لتذكير سكانها بانها كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من ثلاثين سنة. الاحباط العسكري الروسي الذي تسبب بإحراج كبير للرئيس بوتين، دفعه لاتهام واشنطن والحلفاء بمحاولة "تدمير روسيا من الداخل"، ومن هنا تهديداته الضمنية لأكثر من مرة بعدم استبعاد استخدام اسلحة الدمار الشامل اذا دعت الضرورة.  

الحرب المستمرة منذ أكثر من سبعين يوما، غيّرت مسلمات كثيرة، من أبرزها الضعف المفترض لدول حلف الناتو في اوروبا في ضوء التردد التقليدي لألمانيا في التصدي لروسيا او لتحرير نفسها من الاعتماد على الغاز والنفط الروسيين. كما كشفت الحرب هشاشة القوة العسكرية الروسية التي كان يفترض ان بوتين قد اعاد بنائها خلال حقبته المستمرة منذ 22 سنة. وفي الايام والاسابيع الاولى للغزو ساهمت المقاومة الأوكرانية الباسلة، وقيادة الولايات المتحدة القوية لحلف الناتو والدول الصناعية الاخرى في فرض عقوبات موجعة للغاية ضد روسيا والتسليح السريع لأوكرانيا، ساهمت في تقويض جميع حسابات بوتين الاولية. أوكرانيا لم تستسلم خلال أيام، ولم تنجح القوات الروسية في احتلال العاصمة كييف او أي من المدن الرئيسية القريبة من الحدود الروسية مثل خاركيف وغيرها. وبدلا من ان يواجه بوتين قارة أوروبية ضعيفة او مترددة، وجد ان غزوه لأوكرانيا أدى الى توحيد أوروبا ضده، واعلان دول محايدة مثل السويد وفنلندة عن رغبتها بالانضمام الى حلف الناتو، على الرغم من ادراكها لمعارضة موسكو التاريخية لمثل هذه الخطوة. 

كل هذه التطورات الميدانية والسياسية وضعت الرئيس بوتين وروسيا في موقع دفاعي ومحرج للغاية عشية الذكرى السنوية لاحتفال روسيا بإنجازات قواتها العسكرية في الحرب العالمية الثانية ضد المانيا النازية خلال عرض عسكري في موسكو في التاسع من شهر مايو. وهذا يعيدنا الى التسريبات الاستخباراتية التي نشرتها الصحف الاميركية في الايام القليلة الماضية. التفسير المتعاطف مع ادارة بايدن يقول ان التسريبات لا تمثل موقفا رسميا او مركزيا يسعى الى التبجح العلني بالدور الاميركي في الانتصارات الأوكرانية، بل انها من مسؤولين افراد يريدون ابراز مركزية واشنطن في احراج وربما اذلال الرئيس الروسي قبل احتفال التاسع من مايو.    

في الأسابيع الماضية تركز الاهتمام على التاسع من مايو في ضوء التسريبات والتقارير الصحفية الاميركية –التي نفتها موسكو – بان الرئيس بوتين سوف يستخدم خطابه في هذه المناسبة ليعلن الحرب رسميا ضد اوكرانيا، الامر الذي سيسمح له قانونيا بتجنيد مقاتلين جدد وتخصيص موارد مادية أكبر للمجهود الحربي، او للإعلان عن قرارات سياسية او ميدانية نوعية او خطيرة مثل الاعلان عن ضم اراضي أوكرانية جديدة لروسيا. 

التسريبات الاستخباراتية هذه لا تخدم اهداف السياسة الاميركية في الحرب، بل على العكس يمكن ان تساعد الرئيس بوتين في ادعاءاته بان واشنطن تحارب روسيا بالوكالة في أوكرانيا، كما يمكن ان تساعد الرئيس الاوكراني فلودومير زيلينسكي في محاولاته لتعزيز وتكثيف الدور الاميركي العسكري والاستخباراتي الى جانب اوكرانيا في مواجهة روسيا. واذا كانت واشنطن بالفعل تزود اوكرانيا بالمعلومات الدقيقة والسريعة حول التحركات الميدانية للجنرالات الروس على جبهات القتال، لماذا التبجح العلني بذلك والايحاء بان الولايات المتحدة شاركت وان بشكل غير مباشر في قتلهم؟ واذا كانت المعلومات الاستخباراتية الاميركية جوهرية في قرار اغراق السفينة موسكفا، هل من مصلحة الولايات المتحدة ان يقول المسؤولون الروس لأهالي البحارة الذين غرقوا مع سفينتهم ان الاستخبارات الاميركية ساهمت وان بشكل غير مباشر في قتلهم؟ 

اذا استمرت الاخفاقات العسكرية في اوكرانيا – وهي اخفاقات بنيوية وتتعلق بعقيدة الجيش الروسي وتركيبته وقيادته، وبالتالي ليس من المتوقع حدوث تغييرات جذرية في تكتيكاته – سوف يكون من السهل على الرئيس بوتين ان يقول لشعبه ان هذه الاخفاقات او أي تراجع للقوات الروسية هي في وجه حلف الناتو وليس في وجه الجيش الأوكراني. وهذا يعني ان التبجح بالدور الاميركي العسكري في اوكرانيا، والتركيز على أهمية المعلومات الاستخباراتية الاميركية في الانتصارات الاوكرانية، سوف يساهم في سردية بوتين للحرب. وهذا يمكن ان يدفع بوتين للادعاء ان هذه الهجمة الغربية التي تقودها واشنطن ضد روسيا لتدميرها من الداخل او لإذلالها، تتطلب التفكير بإجراءات كان يفترض ان يكون التفكير فيها مستحيلا، مثل استخدام اسلحة الدمار الشامل لإنقاذ روسيا من خطر يدعي بوتين انه خطر وجودي. 

ان يقول المسؤولون الاميركيون ان هدفهم في اوكرانيا هو هزيمة الغزو الذي أمر به الرئيس بوتين، وانهم يريدون مساعدة اوكرانيا على استعادة سيادتها وسيطرتها على اراضيها، فهذه اهداف ومواقف يمكن الدفاع عنها سياسيا وقانونيا واخلاقيا. ولكن هناك فارق كبير بين هزيمة بوتين في أوكرانيا، واحباط او اجهاض طموحاته التوسعية في اوروبا، وبين اذلال روسيا كدولة كبيرة لا تستطيع الولايات المتحدة وأوروبا تجاهلها في المستقبل في مرحلة ما بعد بوتين، خاصة وان الرئيس الروسي  سيصل الى سن السبعين في اكتوبر المقبل. الحرب في اوكرانيا مرجحة للاستمرار لأسابيع وربما لأشهر عديدة، وهذا يمكن ان يخلق ظروف ومعطيات جديدة داخل روسيا وفي داخل المؤسسة العسكرية الروسية لا يمكن التنبؤ بها في الوقت الراهن. وهذا يعني ان الحرب يمكن ان تخلق معطيات تهدد من مكانة بوتين وقدرته على الاستمرار في قيادة روسيا أو ارغام القيادة العسكرية على اعادة النظر في حرب مكلفة ومحرجة ارادها رئيس يحتكر القرار السياسي، ومن الواضح ان القيادة العسكرية لم تكن مستعدة لها. ربما يكون بوتين هو المسؤول الروسي الوحيد الذي يرفض تخيل مستقبل روسيا دون ان يكون هو قائدها الاوحد والمطلق. ولا يمكن ان يصدق أي مراقب للأوضاع الروسية الراهنة :اخفاقات عسكرية محرجة، وعقوبات اقتصادية مدمرة، ان سياسيين او جنرالات روس عديدين لا يفكرون الان بمستقبلهم ومستقبل بلادهم القريب؟ أو لا يفكرون بحقبة ما بعد بوتين؟ 

 في هذا السياق، من الضروري للمسؤولين الاميركيين والغربيين ان يتحدثوا دائما عن الاف المواطنين الروس الذين عارضوا الغزو وعرّضوا انفسهم للسجن.  خلال زيارته لبولندا في شهر مارس الماضي خاطب الرئيس بايدن الشعب الروسي قائلا " انتم لستم عدونا". هذا ما يجب ان يؤكده بايدن دائما، وان يعززه بالقول بان الرئيس بوتين هو الذي أوصل روسيا والولايات المتحدة الى أحلك اللحظات السياسية بينهما منذ أزمة الصواريخ الروسية في كوبا في أكتوبر 1962. 

  ولذلك ليس من الحكمة إذلال روسيا او شعبها، وإن كان من الحكمة تركيز الهجمات على بوتين وزمرته والأوليغارشيين المتآمرين معه على نهب ثروات الشعب الروسي ومواصلة لومهم وتحميلهم مسؤولية الحرب ضد أوكرانيا والدمار البشري والمادي الذي جلبته لأوكرانيا ولروسيا معا .  

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.