سوريا - جماعات متشددة - تعبيرية
"المصادر التي يستقي منها الوهابيون والتكفيريون أفكارهم هي مصادر مشتركة"

تشهد المملكة العربية السعودية منذ أكثر من سبع سنوات تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية مسنودة بإصلاحات دينية غير مسبوقة شملت العديد من النواحي المرتبطة بعلاقة الدولة بجماعة الإخوان المسلمين والمذهب السلفي (الوهابي) بما يتضمنه من الكثير من المنطلقات وفي مقدمتها موقع الأحاديث النبوية في التشريع.

في حواره المطول مع صحيفة "أتلانتيك" الأميركية، قال ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان: "تلعب جماعة الإخوان المسلمين دورا كبيرا وضخما في خلق كل هذا التطرف، وبعضهم يعد كجسر يودي بك إلى التطرف، وعندما تتحدث إليهم لا يبدون وكأنهم متطرفين، ولكنهم يأخذونك إلى التطرف، فعلى سبيل المثال: أسامة بن لادن والظواهري كانا من الإخوان المسلمين، وقائد تنظيم داعش كان من الإخوان المسلمين، ولذلك تعد جماعة الإخوان المسلمين وسيلة وعنصرا قويا في صنع التطرف على مدى العقود الماضية".

حديث ولي العهد السعودي تؤكده أفكار الجماعة وأقوال قياداتها وأفعال التنظيم منذ نشأته في عام 1928، فعلى سبيل المثال، خاطب مؤسسها، حسن البنا، أعضاء جماعته قائلا : "أيها الإخوان أدعوكم للجهاد العملي بعد الدعوة القولية، سندعو كل الهيئات إلى الإسلام فإن أجابوا الدعوة آزرناهم، وإن لجؤوا إلى المراوغة والدوران فنحن حرب عليهم ولا هوادة معهم حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين". 

الهيئات المقصودة هنا هي التنظيمات والأحزاب والجماعات السياسية، والجهاد العملي يعني استخدام العنف ضد من يختلفون مع الجماعة، وهو الأمر الذي تمَّت ترجمته عملياً في أنشطة التنظيم الخاص الذي نفذ عمليات اغتيال أحمد ماهر والقاضي أحمد الخازندار ومحمود فهمي النقراشي وغيرهم.

هذه جماعة حربية بامتياز لا تتورع عن استخدام العنف ضد كل من لا يتفق معها، العنف موجود في شعارها الذي يزينه سيفان ومكتوب عليه واعدوا وليس وادعوا، وهو كذلك عنصر أساسي في بيعتها التي تتم على المصحف والمسدس، ومخطئ من يظن أنَّ هذا العنف يوجه لأعداء الأمة هو عنف موجه لكل من يختلف مع الجماعة. 

ليس هذا فحسب بل أن أبناء الجماعة قد تربوا على أفكار سيد قطب حول العنف وجاهلية المجتمع وتكفير المختلفين، وهي الأفكار المبثوثة في كتابه "في ظلال القرآن" الذي استل منه الكتيب الذي أضحى بمثابة المرجعية الأساسية للعنف وهو كتاب "معالم في الطريق".

قال النائب الأول السابق لمرشد الجماعة بمصر، الدكتور محمد حبيب، أن التنظيم الدولي كلّف في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم الدكتور يوسف القرضاوي بتنقيح كتاب "في ظلال القرآن" من كل ما يتعلق بالعنف والتكفير وأعطاه مدة ثلاثة أشهر لإنجاز المهمة، ولكن المهلة الزمنية انتهت دون أن يكمل القرضاوي عمله وعندما سأله عن سبب التأخير كان ردّه : "أنقّح ماذا؟ ده الظلال بيرشح تكفير".

هذا غيضٌ من فيض الأفكار العنيفة التي قامت عليها الجماعة وتاريخها المليء بعمليات التفجير والاغتيال ضد المخالفين.

وفي إجابته عن الأسباب الأخرى خلف ظاهرة التطرف، قال ولي العهد السعودي: "ولكنَّ الأمر لا يقتصر على جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل خليطا من الأمور والأحداث، ليس فقط من العالم الإسلامي، بل حتى من أميركا التي بخوضها حربا في العراق أعطت للمتطرفين فرصة سانحة، كما أن هناك بعض المتطرفين في السعودية ليسوا من جماعة الإخوان المسلمين قد لعبوا دورا في ذلك، خصوصا بعد قيام الثورة في إيران عام 1979م، ومحاولة الاستيلاء على المسجد الحرام بمكة المكرمة". 

إن حديث ولي العهد عن وجود بعض المتطرفين في السعودية ليسوا من جماعة الإخوان المسلمين يشير بجلاء إلى تأثير المدرسة السلفية (الوهابية) في خلق الأرضية التي يقوم عليها الفكر العنيف، ولا يستطيع باحث جاد النظر في المنهج وطرائق التفكير والمصادر التي تقوم عليها المدرسة الوهابية، دون أن يجد رابطاً وثيقاً بينها وبين السلوك الإقصائي والعنف و التكفير الذي تتصف به الحركات المتطرفة.

ومن ناحية أخرى، فقد سأل محرر "أتلانتيك" ولي العهد السعودي السؤال التالي: "لقد سمعتك تتحدث عن أهمية الحديث المتواتر، على سبيل المثال، وهذا المستوى من مناقشة الشريعة الإسلامية ليس أمراً نسمعه عادة من ولي عهد أو ملك؟"، وقد جاءت الإجابة من طرف ولي العهد كالتالي :
"هذا هو المصدر الأساسي للانقسام في العالم الإسلامي، بين المسلمين المتطرفين وبقية المسلمين، فهنالك عشرات الآلاف من الأحاديث، والغالبية العظمى منها لم تُثبت، ويستخدمها العديد من الناس كوسيلة لتبرير أفعالهم، فعلى سبيل المثال، تنظيما القاعدة وداعش يستخدمان الأحاديث النبوية الضعيفة جدا، والتي لم تثبت صحتها، لإثبات وجهة نظرهم".

الإجابة أعلاه تنفذ إلى صميم المأزق الذي تعاني منه المدرسة السلفية على وجه العموم وليس التنظيمات المتطرفة فحسب، حيث تم الإعلاء من شأن السنة في أمور التشريع ووضعها في مرتبة تكاد تساوي النص الأصلي، القرآن الكريم، بل تتفوق عليه في أحيان كثيرة.

بسطت المدرسة السلفية رؤيتها على المشهد الحضاري الإسلامي في إثر التحالف الذي وقع بين الخليفة العباسي المتوكل والفقيه، أحمد بن حنبل، ثم تعززت هذه السيطرة في موجتها الثانية مع الفقيه، تقي الدين بن تيمية، في القرن الثاني عشر,،وأخيراً برزت في التحالف الذي تم تدشينه بين قاضي الدرعية، محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود في منتصف القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية.

السلفية أيديولوجيا نصوصية، لأنها تقول إن النصوص المقدسة ينبغي ألا تُمس وأن تُفهم فهماً حرفياً أو لفظياً، وهي كذلك أيديولوجيا إقصائية، لأنها ترفض بشدة مناقشة مبادئها وتتعصب تجاه أي وجهة نظر مخالفة.

وهي أيضا ماضوية، لأنها تعتبر أن النموذج الأكمل للأفكار قد تم تطبيقه في زمن سابق، زمن السلف، وأن الخلف ليس أمامهم سوى العمل على استعادة ذلك النموذج، وعدم الخروج عليه، وبالتالي فإنها تنشد المستقبل في الماضي، ولا يمثل التاريخ بالنسبة لها سوى مسيرة للتراجع و الانحدار، وليس أفقاً للتقدم والتطور.

وعندما يقول البعض إن المجرى العام للدعوة السلفية يرفض التكفير، ويُناهض استخدام العنف ضد غير المسلمين,،فإنهم إنما ينظرون للواقع بنصف عين، إذ أن المصادر التي يستقي منها الوهابيون والتكفيريون أفكارهم هي مصادر مشتركة، وهم كذلك يتفقون في الكيفية التي تتم بها قراءة النصوص (الفهم الحرفي)، وبذلك يصبح الاختلاف بينهم اختلافا في الدرجة وليس في النوع.

إن الناظر إلى الخلفية الفكرية لغالبية المنضوين تحت لواء الحركات العنيفة والشيوخ الذين يقفون خلفهم يجدهم قد نهلوا من فتاوى بن تيمية وكتابات تلميذه ابن القيم، إضافة لتعاليم محمد بن عبد الوهاب، وأن الكثيرين منهم قد درسوا بالكليات أو الجامعات التي تدرس العلوم الشرعية من وجهة النظر السلفية.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.