نساء أوكرانيات - الحرب على أوكرانيا - الغزو الروسي
"للأسف، لا تبدو احتمالات الهبوط الهادئ للمواجهة في أوكرانيا متوفّرة اليوم"

من المفارقات، عند متابعة الإعلام الروسي الناطق بالعربية، هي أن المنحى التحريري لهذا الإعلام، وإن كان صريحاً بطبيعة الحال بموالاته لموقف الرئيس فلاديمير بوتين، يبقى متحفظاً في قراءته للتطورات وفي استشفافه لأهداف الكرملين، إذ ينقل التصريحات بحرفيتها ولا يستفيض ببسطها.

بل أن الضيوف الروس لدى هذا الإعلام بدورهم، وإن نسبوا إلى الغرب شرّ النوايا، يميّزون على الغالب بين المعطيات الواضحة التي لا خلاف بشأنها والآراء الخاصة القابلة للتبدّل. قد يتهمون الغرب بتأجيج الصراع في أوكرانيا ويشيرون إلى مسؤوليته عن العملية العسكرية نتيجة توسيع حلف شمالي الأطلسي، غير أنهم ربما يتوقفون وحسب عند حد اتهام الغرب بتغليب مصالحه والاستهتار بغيره.

في المقابل، يترك هذا الإعلام المجال لبعض الضيوف الناطقين بالعربية للإبداع بالكشف المفترض عن المؤامرات الغربية والهلع المزعوم في واشنطن وغيرها من عواصم الغرب إزاء استفاقة المارد الأوراسي الجبار، وما يقابلها ويتصدى لها، أي عن أدق التفاصيل حول نوايا روسيا  لتبديل المعادلات العالمية وإقامة النظام الكوني الجديد القائم على أنقاض الانهيار النهائي للولايات المتحدة والحاصل لا محالة.

واقع الأمر هو أن الفضاء السياسي العربي يحفل بمزايدات تجعل من تحليلات ضيوف الإعلام الروسي هؤلاء، أفكاراً ساذجة عاجزة عن خدش سطح حقيقة الأمور، والتي على ما يبدو، يمكن الغوص بدقائقها باستعمال الأدوات العلمية العظيمة المتوفرة لهذه الثلّة المنتخبة من جهابذة الفكر، مثل حساب الجمل واستقصاء أدوار الصهيونية العالمية والماسونية من زمن الهيكل إلى اليوم في التحضير لملحمة أوكرانيا.

ومروراً طبعاً بالمتنورين وآل روتشيلد (اليهود) والثورات الفرنسية والروسية وصولاً إلى جورج سوروس  (اليهودي) وجورج دبليو بوش، وربما كذلك تلك الخارطة التي أعدّها موظف متقاعد مغمور في وزارة الدفاع في حماس منه لأفكار برنارد لويس (اليهودي)، والتي، مع سِفْر "البروتوكولات" العظيم وخطاب "الفوضى الخلاقة" لكوندوليزا رايس، تثري الترسانة الفكرية العربية القائمة على الاكتشاف المتجدد باستمرار لثالوث حضارات هانتنغتون ونهاية تاريخ فوكوياما وطروحاتٍ ما من بنات أفكار تشومسكي.

المنهك بكل هذا الخلط أنه يعاد طرحه بتبويب جديد عند كل منعطف، بمطلق الثقة التي توحي بالعلم اليقيني، والحبر لم يجفّ بعد عن تنميقه السابق والذي نقضته بالجملة والتفصيل وقائع المرحلة المنقضية، إذ تطوى صفحتها دون مراجعة أو اعتبار.

على أي حال، يبدو أنه لهذه النخبة الفكرية إذ تعزّز المخزون الأدبي للغة الضاد، طاقة ذهنية ونظرا ثاقبا يتجاوز بأشواط ما لدى مراكز القرار في الغرب، لأن حال هذه اليوم هو أنه لا يقين البتة حول مسار المواجهة في أوكرانيا.

الحرب في أوكرانيا قد تنتهي بعد تقدم قليل للقوات الروسية يتيح لبوتين إعلان النصر، وقد تستمر لمرحلة طويلة كواجهة لحرب استنزاف بين روسيا والغرب، يدفع ثمنها الجانبان بقدر والعالم أجمع بأقدار، وقد تنحدر إلى صدام عنيف تستعمل فيه الأسلحة الفتاكة بما يتعدى المعترك الأوكراني، بعواقب بعيدة المدى لا يجرؤ العديدون على تصوّر معالمها.

حسابات الحرب والسلم تجري على أساس تقييم المصالح وتوازن القوى، غير أن من يتّخذها هم أشخاص عرضة لأن يخطئوا أو أن يصيبوا بقراءاتهم للمعطيات. وفي حين أن الدول تقوم على منظومات هدفها موازنة القرارات ودراستها واعتبارها، فإن الاستفاضة بصلاحيات رأس هرم السلطة، في الأنظمة الاستبدادية بالتأكيد وحتى في الأنظمة القائمة على سيادة المواطن، قد تشكل عائقاً أمام ضبط القرارات بمطلق الصيغة الموضوعية العقلانية.

فالاهتمام الغربي خاصة والعالمي عامة بما يدور في ذهن فلاديمير بوتين ليس من باب "النفسنة" أي زعم القدرة على التحليل النفسي السريري، بل نتيجة لإدراك واقع أن صياغة القرار في موسكو، وإن كانت لا تنحصر بشخص بوتين على كافة الأصعدة، تختزل بالتأكيد به في المسائل المصيرية، وحرب أوكرانيا هي إحدى هذه المسائل.

ليس مهمّاً في هذا الصدد ما كانت نوايا بوتين يوم أوفد جيوشه لاجتياح الدولة الجارة الشقيقة، بل المهم، بعد قرابة ثلاثة أشهر، كيف يمكنه تأطير الفعل على أنه نجاح. ذلك أن بوتين، "الرجل" في ثقافة سياسية تثمّن الرجولة والنجاح وتذل الأمّعة والفشل، لا يسعه أن يفشل.

حسناً، الاستعراض العسكري للاحتفال بالنصر وبهزيمة أتباع الغرب في ميدان كیيف لم يحدث. والدعوات الموجهة إلى القوات المسلحة الأوكرانية للانتهاء من مهرّج الغرب الذي ألبس ثوب الرئاسة الفضفاض، لم تلقَ الاستجابة. والمد المفاجئ للطوفان العسكري الروسي على طول الشمال الأوكراني انحسر جزراً غير محسوب، وإن جرت إعادة تصويره على أنه قد "حقّق أهدافه" بنزع السلاح الأوكراني. هو زعم صادق إذا جرى التسليم بأن "السلاح" هو المنشآت المدنية. وأرواح الناس وأعراضها.

بل الكلام عن "المرحلة التالية" من "العملية العسكرية الخاصة" والتي كان من شأنها أن تشهد التركيز على شرقي أوكرانيا، حيث "الجمهوريتين" الانفصاليتين، لم يترجم إنجازات ميدانية تتيح التفاخر، بل تقدما قليلا بطيئا لا يتناسب مع التفاوت بالأحجام العسكرية بين روسيا وأوكرانيا.

المواجهة اليوم هي كالتالي: روسيا قد تورّطت بحرب لا تستطيع أن تخرج منها خاسرة، ولكن الربح فيها صعب وغير متحقق. أوكرانيا مصرّة على المقاومة وعلى مواجهة روسيا في كل شبر من أراضيها. والغرب عازم على الاستمرار بكل الوسائل عدا التورط المباشر بالحرب، بدعم أوكرانيا طالما أنها مصمّمة على الصمود، وذلك لتحقيق مصلحة ردع روسيا عن تكرار مغامرة مماثلة في مرحلة تالية.

الرؤية "المتفائلة" للخروج من المأزق هي التي تعتبر أن الحل الأقرب إلى الصواب قد يكون أن تتقدم "الجمهوريتين" الانفصاليتين، على غرار ما فعلت القرم بطلب الانضمام إلى الاتحاد الروسي، ليقبل مجلس الدوما الطلب، وتعلن روسيا انتهاء "العملية الخاصة" وترفع أعلامها في الأراضي التي تسيطر عليها في منطقة الدونباس الأوكرانية، مع استمرار المطالبة بكامل أراضي "الجمهوريتين"، ما يجعل "انتصار" يوتين مدوياً، أي أنه من فرط رجوليته قد اقتطع جزءاً من أوكرانيا وما زال مصرّاً على المطالبة بالمزيد.

بالمقابل، ترفض أوكرانيا التعدي الروسي على سيادتها، وتطالب بإعادة كامل أراضيها المحتلة، القرم والدونباس، إنما تمتنع عملياً عن مسعى تحرير هذه الأراضي بالقوة، وتعمد إلى تضميد جراحها. وتستمر المواجهة الحادة بين الغرب وأوكرانيا من جهة وروسيا من جهة أخرى، بشكل عقوبات وتضييق وصراع اقتصادي، إنما دون الحرب الميدانية القاتلة.

هذا حل لا يرضي أحدا بالكامل، فالكرملين ابتدأ الحرب بشهية تشمل أوكرانيا بكاملها ودفع في سبيل وجبته المرتقبة هذه ثمناً مرتفعاً من أرواح الجنود الروس، فمن الصعب أن يرضى بلقمة ترضية. ولكنه قد يكون السبيل الوحيد المتوفر ليحفظ لبوتين ماء الوجه، إزاء تكرر الفشل، دون المزيد من التصعيد.

وفي المقابل، فإن قدرة أوكرانيا على النجاة اقتصادياً، بعد اقتطاع معظم سواحلها على بحري آزوف والأسود، تكون قد تراجعت إلى مستويات دنيا. ولكن التوقف عند خطوط التماس الحالية يبقي على مرفأ أوديسا بيد أوكرانيا، في حين أن استمرار المعارك من شأنه تدمير المدينة كما فعل بماريوبول ومرفئها، أو سقوطها تحت الاحتلال الروسي، بما يُفقد أوكرانيا كل منفذ إلى المياه الدولية.

الاعتلال في الرؤية المتفائلة هو أن أي إيماء برغبة أوكرانية بالتسليم بالمكاسب الروسية هو تحفيز لموسكو للاستمرار بغزوها، وأي إشارة من موسكو إلى استعداد للانكفاء هو تعزيز للرغبة الأوكرانية بدحر المحتل.

في مقابل الرؤية المتفائلة ثمة رؤية أخرى "متشائمة" تقول، روسياً، بما أن الإمكانية قائمة بالفعل لاجتياح كامل الساحل الأوكراني والاتصال بجمهورية ترانسنيستريا الانفصالية المؤيدة لروسيا في مولدوفا، فلا بأس بالبطء بالتقدم والاستنزاف، إذ هو لصالح روسيا على مدى البعيد. وفي حال تعثّر هذا الجهد، أو في حال نجاح الأوكرانيين ببعض هجماتهم المضادة، يمكن التوقف عندها بعد إيذاء شديد لهم بسلاح مهيب.

رغم اتهام جهابذة التحليل للولايات المتحدة على أنها تسعى إلى نشر الفوضى والحروب في كل مكان، فإن موسكو على بيّنة من واقع أن واشنطن تثمّن التهدئة أولاً، صوناً لمصالحها التي تتطلب الاستقرار.

بل إن موسكو قد اختبرت واشنطن في سوريا، حيث تلاشت تحذيرات الولايات المتحدة حول عواقب استعمال السلاح الكيماوي، واستحالت خطابيات ساقطة من الرئيس الأسبق، باراك أوباما.

واختبرتها أيضاً في عهد دونالد ترامب، والذي مارس أقبح أشكال الخنوع والرضوخ في حضور "الرجل" بوتين، والأهم أن احتلال روسيا لكل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا وإن بالتمويه، ثم استيلائها جهاراً على شبه جزيرة القرم في أوكرانيا، لم يعرّض روسيا سوى لبعض الانتقادات الكلامية غير ذات المغزى أو التأثير.

فهل أن كلام "الصقور" في واشنطن حول تحميل موسكو ثمن الهجوم على أوكرانيا بإنهاك قدراتها العسكرية لتصبح عاجزة عن فعل مشابه، هو فعلاً تبدّل في النهج، أم هل هو مبالغة هادفة إلى التيئيس؟

ينسجم كلام صقور واشنطن شكلاً مع مسعى موسكو أن تصوّر الحرب في أوكرانيا على أنها لا بين روسيا وأوكرانيا، بل بين روسيا والولايات المتحدة، وإن بدماء أوكرانية.

وبغضّ النظر عن شطحات من يعتبر أن الولايات المتحدة قد استنفدت قوتها وقدرتها فإن موسكو تدرك أن الولايات المتحدة لا تخسر الحروب لأنها تفتقد للقوة الضاربة كي تكسبها، بل هي تخسرها لغياب الرؤية والقرار السياسي، وبسبب الاختلاف الداخلي حول طبيعة كل مواجهة وأهدافها وصحة استعمال مقادير القوة فيها. هكذا كان الحال في فيتنام، وفي العراق، وفي أفغانستان.

رهان موسكو اليوم هو أن هذه العوامل سوف تؤدي إلى ضعضعة الرغبة الأميركية خاصة والغربية عامة للاستمرار بدعم أوكرانيا في الحرب، وأنه سوف يجري التخلي عن أوكرانيا آجلاً إن لم يكن عاجلاً. إنما النصر صبر ساعة.

غير أن هذا الصبر ليس مبنياً على عزيمة روسية واضحة المعالم حول الحرب في أوكرانيا. وهج القائد، والرغبة باستعادة أمجاد الأمس، والتعبئة الفئوية، كلها قد ساهم بمناخ عام في روسيا تأييداً للحرب. غير أنه من شأن ارتفاع عدد القتلى الروس وتعاظم الضائقة الاقتصادية وانعدام الوضوح تبديل المعادلة.

أي أن حاجة الكرملين لإنهاء الحرب ليست قصراً على إنهاك أوكرانيا أو تشتيت الإرادة الغربية، بل هي أيضاً رهن اعتبارات داخلية روسية، قد تدفع الكرملين إلى وضع الخطة الاستدراكية موضع التنفيذ، أي تصعيد موضعي عنيف ومؤلم تحضيراً لتوقّف العمليات. شرط ألا يخرج هذا التصعيد عن السيطرة ويفتح الأبواب لغير المحسوب.

ومهما كان غير المحسوب هذا، يمكن التعويل على خروج بعض أساطين الفكر في المحيط العربي بمقالاتهم السابقة التي كانت تحسبه وتترقبه بالتواريخ والأرقام.

للأسف، لا تبدو احتمالات الهبوط الهادئ للمواجهة في أوكرانيا متوفّرة اليوم. وفي حين أن احتمالات انحدار الأوضاع إلى مطلق الكوارثية لا تزال ضئيلة، فإنها، على ضآلتها الشديدة، تستوجب فائق الاعتبار والترقب والحذر والتحضير، بانتظار أن ترسو الأمور ربما على ما يدفع المواجهة باتجاه الهبوط الهادئ المرتجى.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.