Journalists from different nationalities carry posters bearing the portrait of veteran Al-Jazeera Palestinian journalist…
شيرين قتلت خلال تغطية عملية للقوات الإسرائيلية في جنين.

شيرين أبو عاقلة... كان يجب أن تقتلك إسرائيل لكي أعرف تفصيلا مهما من حياتك، لكنه تفصيل شخصي لا يفترَض أن يعنينا.  كان يجب أن تغتالك رصاصة غدر، استهدفتك بدم بارد مباشرة في الرأس وأنت تستعملين كل وسائل الوقاية التي يستعملها الصحفيون في تغطية مناطق الحروب... وأن تُرْديك قتيلة مدثرة بسترة الصحافة التي عرفناك بها، لكي أعرف أنك مسيحية.

كان يجب أن يغتالك جنود إسرائيليون كما اغتالوا الآلاف قبلك، لكي ينسى بعض الحقراء أنك شهيدة الواجب، وشهيدة الإنسانية، وشهيدة المهنة... وشهيدة الظلم والغدر أولا وقبل كل شيء!

شيرين أبو عاقلة... لم أعرف يوما ديانتك... ولم يخطر ببالي أن أسأل عنها. 

كما لم يخطر ببالي أن أسأل عن ديانة فيروز. ولا محمد الماغوط. ولا ناجي العلي. ولا مارسيل خليفة. ولا امرؤ القيس. ولا غسان كنفاني. ولا ميمونيدس. ولا إدمون عمران المالح. ولا جورج طرابيشي. ولا صادق جلال العظم، وغيرهم كثير. فنّهم وإبداعهم ومواقفهم وكتاباتهم وجمالهم يُعرفهم، خارج لغات الاعتقاد والإيمان والكفر. تماما كما أن التزامك وشجاعتك يعرفنا بك، خارج أي تفاصيل شخصية تتعلق بديانتك أو أسرتك أو باقي اختياراتك الحياتية. 

لم أشعر يوما إلا بالحب والصداقة اتجاه أصدقائي بشار وفادي وجيزيل وبيار؛ ولم أشعر أننا، في مشاعرنا وفي صداقتنا وفي اتفاقنا أو اختلافنا في هذا الموقف أو ذاك، نختلف في العلاقة مع ما قد أعيشه مع مروان أو أحمد أو هشام أو مريم أو محمد. لم تكن ديانة أي منهم (أو عدم تدينهم ربما) عنصرا محددا في العلاقة وفي المشاعر وفي الاختلاف أو الاتفاق في المواقف... تماما كما لم تكن ديانتك محددا في علاقتنا، كمتتبعين، بك... ولا حتى كان لها علاقة بقتلك! 

لذلك، فأنا أفقد كلماتي أمام أشخاص يعتقدون أنهم يملكون مفاتيح الجنة، وأنهم يستطيعون أن يقرروا في مصير شخص بعد الموت، بدعائهم أو رفضهم الدعاء له! يختزلون الشخص ومواقفه وقيمه وسلوكياته... في خانة الديانة!

فهل يُعَرّفنا سلوكنا ومواقفنا وإنجازاتنا وأخلاقيتنا (الأخلاقيات بمفهومها الإنساني الكوني) أم تعرفنا ديانتنا فقط؟ أليست هذه في النهاية تقسيمات داعش ومن شابهها من المتطرفين: الكافر والمؤمن؟ بلاد الكفر وبلاد الإيمان؟

ثم، أليست هي قمة الخسة والجبن أن تكون أمام جثة إنسان قُتِل وهو يؤدي واجبه المهني بشجاعة وصدق والتزام... وأن تجلس خلف حاسوب توزع أو تمنع الرحمة؟ أو لستَ حينها تُمَثِّل بالجثة التي أرْداها المحتل الإسرائيلي قتيلة، بدم بارد؟ ألست شريكا في جريمة قتل أخرى، معنوية هذه المرة؟  

الحقيقة أنه، بعد مقتل الصحافية شيرين أبو عاقلة على يد الاحتلال الإسرائيلي، فإن الشعور الوحيد الممكن هو الغضب.. هو الحزن والألم والوجع. 

شيرين أبو عاقلة كانت إنسانا خارج لغات التدين. كانت صحفية مهنية شجاعة جريئة. كانت، مثلنا جميعا، إنسانا بأحلام ومخاوف ومشاريع صغيرة، لنهاية الأسبوع وللصيف المقبل وللسنة القادمة. إنسانة قُتِلت بدم بارد وهي تؤدي مهامها المهنية بشجاعة لا يعرفها الجبناء ممن يختفون اليوم خلف هاتف أو حاسوب ليعلنوا، بكل لغات الكره الممكنة، أنهم لا يترحمون عليها لأنها ليست مسلمة! 

الحقيقة أن ديانة الشهيدة شيرين أبو عاقلة ليست موضوعا للنقاش ولا هي تُعَرِّفها... تحديدا اليوم وهي شهيدة لجريمة قتل بدم بارد من طرف دولة احتلال مارست وتمارس في حقها وفي حق الملايين أبشع أشكال العنف والقتل. 

أن تسأل اليوم عن ديانتها، فهذا يعني أنك لست أقل إجراما ولا أكثر إنسانية من القاتل نفسه!

ـــــــــــــــــــــــــــ

تنويه: لم يتم تحديد بعد الجهة التي أطلقت الرصاص على الصحفية شيرين أبو عاقلة، إذ تتهم السلطة الفلسطينية إسرائيل بمقتلها في حين تؤكد إسرائيل أنه في المرحلة الحالية يصعب تحديد مصدر إطلاق النيران. وتعمل السلطات الإسرائيلية والفلسطينية حاليا على تحقيقين منفصلين لتحديد ذلك، بعد أن رفضت السلطة الفلسطينية إجراء تحقيق مشترك مع الجانب الإسرائيلي.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.