سعد الحريري أعلن عدم ترشحه للانتخابات المقبلة
سعد الحريري طالب بمقاطعة التصويت

كنا لنشكر سعد الحريري على خطوته الكريمة المتمثلة بإعلانه الانكفاء وعدم الترشح للانتخابات اللبنانية، وكنا لنقول إن أحد أركان نظام الفساد في لبنان خَجِل مما أصاب اللبنانيين وقرر الانسحاب، إلا أن الرجل قرر أن يتبع خطوته بصغارة استأنف عبرها تورطه حتى عنقه بموبقات النظام، وأبدى قدراً من الأنانية لا يمكن صرفه وتفسيره إلا بوصفه شعوراً بالتملك عادة ما يصيب الأطفال والفتية في المراحل العمرية المبكرة. فسعد لا يريد لمن بقي من جمهوره وناخبيه أن يشاركوا في الانتخابات اللبنانية! قال لهم لا تشاركوا، ولم يقدم لهم بديلاً في حال إحجامهم عن الاقتراع. وبغض النظر عما أحدثته الخطوة من ذهول في أوساط ساسة الطائفة السنية لجهة اعتبارها هدية من سعد لحزب الله، فهي تؤشر إلى فهم للسياسة بوصفها حقاً وإرثاً مكتسباً على نحو ما تكتسب وتورث الثروات. وسعد بدد الإرثين، إرث الثروة وإرث السياسة، وها هو يسعى ليواصل التبديد عبر مسعاه لإثبات أن الموقع له، وهو لـ"الشيطان" من بعده. 

لكن سعداً ليس وحده في هذه الدوامة، فمن المرجح أن يكون قرار الانكفاء قد تم بطلب سعودي، وبهذا المعنى كنا لنخطئ لو شعرنا بالامتنان، ومثلما سبق أن طلبت منه المملكة أن يزور قصر المهاجرين ويلتقي بشار الأسد في العام 2009، ولبى الطلب، ثم عادت واستدعته في العام 2017، وطلبت منه تقديم استقالته من أرضها وأعقبت الطلب باحتجاز في منزله في الرياض لا تفاصيل موثقة عن الوقائع التي جرت خلاله، ها هو اليوم يلبى طلب جلاده ويريد منا أن نشاركه بالأثمان. والنتيجة أن الرجل لم ينكفء لأنه فشل أو لأنه هُزم، بل لأن طلباً سعودياً اقتضى منه أن يغادر البلاد، وها هو من منفاه يسعى لمشاركة سلبية في الحدث اللبناني! 

وسعداً قرر أن يستأنف، من منفاه، السياسة بوصفها ضغائن شخصية. خصمه الأول في الانتخابات هو سمير جعجع، والأخير هو خصم شخصي لا خصم سياسي، ومن المرجح أن يكون جعجع قد لعب أدواراً غير نزيهة في قصة احتجاز سعد في السعودية، لكن توجيه الخصومة على مشارك بدورٍ هامشي في قصة الاحتجاز، وإعفاء من أقدم على هذه الخطوة، أي الأمير محمد بن سلمان، من الخصومة، لا بل الاستجابة لكل مطالبه، معادلة لا تنطوي على مروءة، ناهيك عن أنها لا تصرف إلا بوصفها "حرد" أطفال يلهون في غابة وحوش!    

ومن مفارقات انكفاء سعد التي تضاعف من تراجيدية هذه الخطوة تولي السفير السعودي في لبنان وليد البخاري الحد من قدرة خطوة المقاطعة. وهنا عدنا إلى معادلة أن السعودية تريد من السنة أن يشاركوا في الانتخابات، مثلما تريد إيران من الشيعة أن يشاركوا. الدولتان تشعران أن جماعتيهما في لبنان لا يغريان شرائح واسعة من الناخبين بالمشاركة، فغرقنا جراء ذلك باحتساب معنى المشاركة والمقاطعة في مقاصة مذهبية ستتولى بدورها إعادة انتاج النظام، وستمهد لاستئناف الفساد ولصوغ معادلات تتيح للسلاح أن يواصل وظيفته في حربنا الأهلية "الباردة".  

أما دعوة سعد لعدم المشاركة في الانتخابات فيمكن وضعها في هذا المشهد، ذاك أن عليه أن يثبت لسادته في الرياض، وليس لنا طبعاً، أن مشهد لبنان من دونه سينعقد على تصدع الموقع السني وعلى تصدر حزب الله. وعلينا نحن أن ندفع ثمن رغبته في أن يثبت للمملكة ما يريد أن يثبته، وهو مصيب طالما أن السياسة بالنسبة إليه هي استجابة متواصلة لرغباتها، وهو إذا أراد أن يحفظ موقعه عليه أن يسعى لإنتاج حالة تدفعها على الاقتناع به. 

وبهذا المعنى اللبنانيون عالقون بين أن يشارك السنة فتتصدر السعودية وبين أن يقاطعوا فتتصدر ايران، لكن بينهما ثمة مؤشر ثالث حظوظه ضعيفة إلا أن التعويل عليه يبقى خياراً لا بديل عنه، ويتمثل في أن اقتراع المغتربين كشف عن ارتفاع في نسبة مشاركة المسيحيين، وكانت مشاركة من خارج قوة دفع الماكينات الحزبية. اذاً ثمة لبنانيون يمكن السير خلفهم، هم أعقل اللبنانيين، وهم أكثرهم رغبة بالتغيير، وأبعدهم عن ايران وعن السعودية، واقترع كثيرون منهم خارج رغبات أحزاب الطائفة. سنكون معهم أقلية في المجلس النيابي، إلا أننا إذا ما كانوا نموذجنا يوم الانتخابات سنحجز عبرهم مكاناً سيشكل أفقاً لمسار من التغيير يجب ان لا نتوهم بأنه سيثمر قريباً. علينا أن نبدأ طالما أن فرصة، وان كانت بعيدة وصعبة، تلوح.     

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.