Russian President Vladimir Putin delivers a speech during a military parade on Victory Day, which marks the 77th anniversary of…
موقف بوتين يحظى بدعم من حكومات عربية

لم يكن مستغربا وقوف العديد من الحكومات العربية، صراحة أو ضمنا، إلى جانب روسيا في الحرب التي تشنها ضد أوكرانيا، بل سيكون غريبا لو أنها فعلت العكس.

في الواقع أن ما يجمع هذه الحكومات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر بكثير مما يفرقها. فهي تشاطره نفس القيم تقريبا. فهو يقيم نظاما استبداديا، وفق صيغة "بلد واحد.. رئيس واحد"، وهي كذلك، وهو يجري انتخابات دورية، ولكن من دون ديمقراطية وبما يكفل له الإبقاء على الوضع السائد أطول فترة ممكنة، وهي تفعل الشيء نفسه. وهو يناصب العداء للقيم الغربية من ديمقراطية وحقوق إنسان وحريات عامة والاعتراف بالمثليين، وهي أيضا تناصب هذه القيم العداء. وهو يستخدم الدين والكنيسة لحشد الروس من خلفه، والحكومات العربية تفعل ذلك أيضا مع الإسلام وتوظف رجال الدين المسلمين من أجل السيطرة على شعوبها.. والقائمة تطول.

بعبارة أخرى فإنه من الطبيعي أن تقف معظم الحكومات العربية إلى جانب روسيا وليس إلى جانب أوكرانيا أو الغرب في هذه الحرب.

يقول ضاحي خلفان نائب رئيس شرطة دبي في سلسلة تغريدات "من يريد أن يهمش روسيا على الساحة الدولية مخطئ لأن الأمة الروسية أمة عظيمة… يا من لا يقرأ التاريخ"، ويضيف "هناك تعامل حاد ضد روسيا بسبب العملية العسكرية الخاصة التي تنفذها في أوكرانيا، بينما لم يكن هناك ذات الحدة في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال حرب العراق".

وما يقوله خلفان تردده معظم الحكومات العربية، ولكن بعيدا عن وسائل الإعلام. فهي الأخرى يزعجها إضعاف نظام بوتين، لأن ذلك يضعف نموذجها ويصيبها بالانكشاف. 

ورغم استمرار التحالف القديم بين واشنطن وبعض العواصم العربية ولا سيما في الخليج، إلا أنه لم يتمكن مع ذلك من إخفاء حجم المرارة من السياسات الأميركية الأخيرة. وتنظر هذه العواصم إلى إدارة بايدن بالكثير من التوجس والشكوك، ليس فقط لإصرارها على التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، وهو الأمر الذي تعارضه هذه العواصم بشدة، ولكن لأن هذه الإدارة أيضا ذهبت شوطا أبعد في التعامل الجاف مع شؤون المنطقة. فهي لم تكتف فقط بتفعيل ما تعتبره قيما أميركية في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإن كان على حساب سياسات بعض هذه الدول، ولكنها كذلك، وهذا باعتقادي الأهم، أظهرت حماسا فاترا للتدخل والانخراط في النزاعات الإقليمية، وكان الموقف من الحرب في اليمن أحد أكثر الأمثلة الصارخة على ذلك. 

فإدارة بايدن رفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب وضغطت لإنهاء الحرب من دون أخذ آراء السعوديين وهواجسهم بالاعتبار، وتركت الرياض تواجه لوحدها صواريخ الحوثيين ومسيراتهم، مكتفية بالتأكيد على الالتزام الأميركي بحماية المملكة من الاعتداء الخارجي، وهو ما لا ينطبق على النزاع مع الجماعة الحوثية. 

ورغم أن بعض المحللين السعوديين والخليجيين يعتقدون بأن المشكلة تكمن في الإدارات الديمقراطية، ولكن الحقيقة هي أن أي إدارة أميركية كانت لتتصرف على نحو مشابه. وبعيدا عن صخب التصريحات، فإن الواقع على الأرض يظهر أن الاستثمار السياسي والعسكري الأميركي في المنطقة هو اليوم في حده الأدنى. ويوضح الرفض السعودي العلني للمطلب الأميركي بزيادة إنتاج النفط للتخفيف من أثر غياب النفط الروسي جراء العقوبات، المدى الذي وصل إليه الخلاف بين البلدين. وهو خلاف يضرب في جذر العلاقة الممتدة لعشرات السنين والتي كانت السياسة النفطية للسعودية حجر الأساس فيها.

وهذا التطور رغم أنه يبدو ناتجا عن الملابسات والظروف الأخيرة، إلا أنه في جوهره يعكس التغير الذي طرأ على السياسة الأميركية في المنطقة، والتي لم تعد ترى في حماية منابع النفط وخطوط إمداده ركيزة لها كما كان الحال قبل عقود، إضافة إلى حماية أمن إسرائيل. 

لكن هذا الشقاق السعودي الأميركي النفطي من شأنه أن يقنع المزيد من الأميركيين بخفض الاستثمار السياسي والعسكري أكثر في شؤون المنطقة، ويزيد من تماهي حكومات هذه الدول مع النموذج الروسي، وهو تماه سوف يباعد أكثر بينها وبين واشنطن.  

هذه الديناميكيات الجديدة بالطبع لا تخدم مصالح الطرفين، لكنها تعطينا لمحة عن سيناريوهات المستقبل، وهي تذكرنا أيضا بأن التباين في القيم والمبادئ لا بد أن ينعكس بصورة أو بأخرى سلبا على العلاقات بين الدول.

صحيح أن هذه العلاقات تقوم بالأساس على المصالح، ولكن من الصحيح كذلك أن القيم هي جزء لا يتجزأ من المصالح في تعريفها الأوسع.   

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.