برنامج بيغاسوس - تجسس- شركة "إن إس أو" غروب
"لا شك أنها عناوين ساطعة لوضع اجتماعي واقتصادي وسياسي مأزوم ومغبون"

بحلول تاريخ السبت 14 مايو 2022، تكون قد مرت ثلاث سنوات كاملة على كشف الغطاء كاملا عن أكبر عملية تجسس تكنولوجي تجري حاليا في العالم، بواسطة "برنامج لا مثيل له"، يعتبر من أكثر البرامج تطوراً وتعقيداً تم تطويره في المجال، وضع إسرائيل في ورطة عالمية، لكونها مصدره، من خلال إحدى شركاتها NSO (إن. إس. أو)، صاحبة هذا "الإنجاز" المظلم الذي يوصف بـ "ثورة في مجال التجسس". 

الحديث عن البرنامج التجسسي "بيغاسوس"، والمعلومات عن الشركة صاحبة المشروع، تفيد أن مقرها بشمال تل أبيب، أنشئت قبل 12 سنة بتمويل من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وأنها متخصصة في إنتاج التجهيزات المستخدمة في محاربة الجريمة والإرهاب.

لكن خبراء أمنيين أكدوا أنها "تاجر أسلحة الفضاء الافتراضي". وحسب ما أوردته تحقيقات منشورة بكبريات الصحف العالمية، فإن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع منتجات (إن. إس. أو) مثل شركة مصدّرة للسلاح، ويلزم تصريح من وزارة الدفاع لتصدير برامجها إلى الخارج.

لقد بات الرأي العام العالمي يعلم كيف يعمل برنامج "بيغاسوس"، الذي يجري تثبيته في الهواتف المحمولة التي تستعمل تطبيق "واتساب"، وبمجرد اتصال هاتفي، ودون الحاجة إلى الرد على المكالمة، ينطلق عمل البرنامج في التجسس على ما يقوم به صاحب الهاتف، والاطلاع على ملفاته وكل الصور والفيديوهات، مع الرسائل النصية والبريد الإلكتروني التي يحتفظ بها في جهازه، من ملفات وبيانات خصوصية، مخترقا ميكرفون الهاتف والكاميرا.

بل أن برنامج "بيغاسوس" تمكن من هزم معالجات تقنية قامت بها شركة "فيسبوك" المالكة لتطبيق "واتساب"، وتجاوز الإجراءات الأمنية التي أعدتها "آيفون" لحماية هواتفها. 

قصص كثيرة تناسلت ولا تزال، حول "إنجازات" برنامج "بيغاسوس" وانتهاكاته بعدد من البلدان، وقد فاق الرقم المتداول 50 ألف رقم هاتف "يعتني" بها قراصنة "إن. إس. أو"، من بينها أرقام هواتف تعود لأكثر من 600 مسؤول حكومي وسياسي من 34 دولة.

الأمر الذي أدى إلى رفع دعاوى ضد  الشركة الإسرائيلية في عدد من الدول، من طرف ضحايا التنصت والمراقبة بواسطة هذا "السلاح المتطور"، الذي أصبح موضوع مناشدات دولية تلح على إلغاء تسويقه، من بينها منظمة "مراسلون بلا حدود"، التي أوضحت في بيان لها تورط إسرائيل في برنامج "بيغاسوس"، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بفرض حظر على تصدير هذه التكنولوجيا التجسسية. 

وقد توصلت منظمة العفو الدولية بواسطة مختبرها الأمني في برلين، إلى أدلة لاختراق "بيغاسوس" لهواتف ذكية مدرجة في قائمة محددة، كما أكدت شبكة فوربدن ستوريز  "Forbidden Stories" أن العديد من هواتف الصحفيين والنشطاء والسياسيين في أكثر من بلد، تم اختراقها بالبرنامج ذاته. 

من بين الهواتف التي تم اختراقها بواسطة "بيغاسوس"، نجد أرقام هواتف شخصيات بارزة، مثل رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، ووزيرة دفاعه، مارغريتا روبليس، ورئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، والرئيس العراقي، برهم صالح، ورئيس الحكومة اللبنانية السابق، سعد الحريري.

وإلى اليوم، لا زالت تداعيات "بيغاسوس" تحتل الصفحات الأولى من الصحف والمجلات وتتصدر المواقع الإخبارية، مثيرة المزيد من الجدل والانتقاد في أكثر من بلد.

في سنة 2016، كانت المنطقة العربية سباقة في اكتشاف هذه البرمجية المتطورة. بعد استهداف ناشط في مجال حقوق الإنسان من دولة الإمارات.

ومن وقتها وضعت شركة "إن. إس. أو" في قفص الاتهام، بكونها تعمل في خدمة الحكومات والأنظمة الاستبدادية بغاية التجسس على المعارضين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان والمحامين، وشخصيات أخرى بمجالات مختلفة، على عكس زعمها "المساعدة على مكافحة الإرهاب والجريمة".

ورغم أن الشركة الإسرائيلية تتحفظ عن ذكر أسماء عملائها، فإن صحيفة "هآرتس" كانت قد كشفت عن لائحة بعض الدول التي أبرمت صفقات مع "إن. إس. أو" لتزويدها ببرنامج "بيغاسوس". ونشرت الصحيفة الإسرائيلية في يناير 2022، تقريرا أكدت فيه حصولها على لائحة موثقة تشمل أسماء ضحايا استهدفهم برنامج "بيغاسوس" التجسسي. من بينهم عشرات الصحفيين العاملين بشبكة "الجزيرة" القطرية، ومن المغرب ومصر والإمارات والبحرين والسعودية.

ومن المعلوم أن المملكة العربية السعودية لجأت إلى الاستفادة من برنامج "بيغاسوس" للتجسس على هاتف الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، وتتبع اتصالاته قبل اغتياله في 2018. 

كما أن تقارير إعلامية وجهت أصابع الاتهام إلى المملكة المغربية، بتورطها في التجسس بواسطة "بيغاسوس" على هواتف عدد من الصحفيين والمناضلين الحقوقيين، بل طال الاتهام المخابرات المغربية باستهداف هواتف شخصيات بارزة من مسؤولي الجارة الشرقية الجزائر ، وهاتف الرئيس الفرنسي، وأيضا هواتف شخصيات سياسية من الجارة الشمالية اسبانيا. 

يذهب الصحفي المغربي، علي المرابط، بعيدا، عندما يقول إن محاولة اقتحام الهاتف المحمول للرئيس الفرنسي "تتطلب ضوءا أخضر من القصر الملكي المغربي"، وأنه لا يمكن لأجهزة المخابرات المغربية أن تتصرف من دون موافقة الملك".

لكن السلطات المغربية التي اتهمت من منظمة العفو الدولية في هذا الصدد، أبدت استغرابها من "ادعاءات منظمة العفو الدولية وإحجامها عن الإدلاء بالأدلة المادية التي تثبت مزاعمها"، وظلت متمسكة بنفي اتهامها باستخدام برنامج "بيغاسوس" التجسسي ضد هواتف صحفيين ونشطاء. وبعدما عادت المنظمة الحقوقية الدولية في مارس الماضي، إلى اتهام الرباط بالتجسس ضد ناشطة صحراوية.

وعادت السلطات المغربية من جديد لتحتج على ما وصفته بـ "مواصلة (أمنيستي) الترويج لادعاءاتها التعسفية بشأن حيازة وإساءة استغلال المغرب لبرنامج "بيغاسوس"، باستهداف نشطاء من المجتمع المدني".

وكانت السلطات المغربية رفعت دعوى قضائية، في شهر يوليو 2021، ضد "فوربيدن ستوريز" و"أمنيستي"، بتهمة "نشر معلومات افترائية وكاذبة"، وقدمت دعاوى مماثلة ضد يومية "لوموند" وموقع "ميديابار" وراديو فرنسا، من بين منابر إعلامية أخرى أجمعت على اتهام المغرب بالتجسس بواسطة "بيغاسوس" على هواتف شخصيات عامة وأجنبية.

لم يتوقف تسليط الضوء على انتهاكات "بيغاسوس" في المغرب تجاه صحفيين ونشطاء حقوقيين من ضحايا التجسس، من بينهم الصحفي، أبو بكر الجامعي، والأستاذ المعطي منجب، والمحامي عبد الصادق البوشتاوي، والحقوقي فؤاد عبد المومني، والصحفي هشام المنصوري، وحسن بناجح، ومحمد حمداوي، وعبد الواحد متوكل، وأبو الشتاء مساعف، والأربعة الأخيرين قياديون من "جماعة العدل والإحسان" الإسلامية.

وأيضا تعرّض هاتف الصحفي، عمر الراضي، لاختراق "بيغاسوس"، وتم التحقيق مع الراضي ومتابعته أمام المحاكم بتهمة "التخابر" ثم تهمة "الاغتصاب"، وحكم عليه في يوليو 2022 بست سنوات سجنا.

وعمر الراضي هو صحفي استقصائي فضح ملفات فساد تورطت بها شخصيات نافذة.

قضية "بيغاسوس" أدت ببعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن حصول المغرب على معلومة وصول زعيم البوليساريو سرا، بهوية مزورة إلى اسبانيا من أجل العلاج، ليس من المستبعد أن تكون المعلومة السرية قد التقطتها المخابرات المغربية من هاتف جزائري مصاب ببرنامج "بيغاسوس".

وعلى إثرها تأزمت العلاقات المغربية مع اسبانيا، وتحولت إلى خلاف دبلوماسي عالي التوتر. وقطعت الجزائر علاقتها الدبلوماسية مع المغرب، واتهمته بجلب العدو الصهيوني إلى حدودها.

ثم أتى الخبر الأكثر إثارة، وهو أن الهاتف الخاص للملك محمد السادس نفسه تم اختراقه من طرف المخابرات المغربية بواسطة "بيغاسوس". 

بهذا الصدد، يرى الصحفي، علي المرابط، أنه قد تكون محاولة لتبرئة ساحة القصر الملكي وبقية النظام من أفعال شبكة التجسس الواسعة، إذ "لا يمكن للملك أن يعلم بهذا، لأنه هو نفسه كان جرى التجسس عليه".

كما رجح احتمال أن يكون الأمر ضمن "متابعة الأجهزة الأمنية مكان الملك عن كثب من أجل حمايته والحفاظ على صورته، التي تضررت بشدة من الإشاعات الدنيئة المتصلة بالإخوة الثلاثة زعيتر المقربين من العاهل المغربي، خصوصا وأن الرأي العام يتابع منذ فترة حملة إعلامية ضدهم من منابر مقربة من الأجهزة". 

في فرنسا وغيرها من بلدان الاتحاد الأوروبي، يتداول اتهام المغرب، خصوصا من طرف جهات إعلامية، بالوقوف خلف استهداف أرقام لسياسيين فرنسيين وبلجيكيين وإسبانيين.

ففي غضون هذا الأسبوع، تمت يوم الثلاثاء الأخير، إقالة رئيسة الاستخبارات، باز إستيبان، بسبب واقعة اختراق هواتف سياسيين إسبان، من بينها هاتف رئيس الوزراء، وهواتف شخصيات من الانفصاليين الكتالونيين.

بهذا الصدد، يثير جوزيه باوتيستا، صحفي استقصائي إسباني، شكوكا حول تورط المغرب، قائلا إن "هناك دلائل على أن هذا قد يكون مرتبطا بتوتر طويل الأمد مع المغرب حول منطقة متنازع عليها في شمال أفريقيا".

وذكّر أنه في العام الماضي، نشرت شبكة الصحفيين "Forbidden Stories" تحقيقا أظهر أن المغرب تجسس على أكثر من عشرة آلاف جهاز وهاتف باستخدام "بيغاسوس". مائتان منها تعود لأرقام هواتف إسبانية، وأصحابها من السياسيين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان. 

حدث هذا في لحظة كانت فيه إسبانيا والمغرب تمران في أسوأ أزمة في علاقاتهما الدبلوماسية.

ولم يصدر أي تأكيد رسمي إسباني حول قصة التجسس هذه، التي من شأنها أن تشكل أزمة خطيرة، قد تعكر صفو العلاقات الثنائية، بل قد تؤدي إلى زعزعة التوافق الحالي بين الرباط ومدريد.

عموما، فإن المتتبعين للأوضاع في المغرب، يسطرون على ما يوصف بـ"العودة إلى سنوات الرصاص"، كما يؤكد ناشط حقوقي أنه "منذ "حراك الريف" في 2016، أصبح المغرب يسير بسرعة لافتة لم تكن متوقعة باتجاه العودة إلى "سنوات الرصاص"، يتجلى هذا في تزايد حدة قمع الاحتجاجات السلمية، واستشراء الفساد، وتدجين الصحافة، وإيداع المعارضين من الصحفيين والمدونين والنشطاء السجون.

لا شك أنها عناوين ساطعة لوضع اجتماعي واقتصادي وسياسي مأزوم ومغبون، ومن الصعب إبعاد بلد ما تتصدره مثل هذه العناوين، عن دائرة الاتهام باستخدامه "بيغاسوس" باعتباره من الأسلحة التي تلجأ إلى الأنظمة القمعية والمستبدة.

إن ما نراه الآن هو حقا مهزلة. فتكرار المآسي والجرائم الجسيمة لانتهاكات حقوق الإنسان هو عودة إلى "سنوات الرصاص"، وهذا يصنف في إطار "التاريخ لما يعيد نفسه"، الذي تكلم عنه المفكر الألماني، كارل ماركس، فحتما ستكون الإعادة على شكل مهزلة". 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.