الرئيس الروسي - فلاديمير بوتين - اجتماع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي
"موسكو تدرك أن تل أبيب تتعامل تكتيكيا مع الموقف الروسي"

مستبعد جدا أن تبقى منطقة الشرق الأوسط بعيدة عن تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، بالرغم من الجهود التي تبذلها دول المنطقة الفاعلة لتبقى بعيدة عن الانخراط المباشر أو غير المباشر بالحرب، وتتجنب إعلان انحيازها وتحاول الحفاظ على مسافة واحدة من  طرفي الأزمة.

إلا أن هذا الموقف المركب والمعقد غير قابل للاستمرار نظرا لنظام مصالح الدول المعنية بصراعات المنطقة، بحيث يرتبط الإقليمي بالدولي بعد سنوات من سياسة حافة الهاوية في الشرق الأوسط الكبير التي نجح فيها الفاعلون السياسيون في أقلمة السياسة الدولية لصالح استقرار قائم على قواعد اشتباك وضوابط حققت ربط نزاع بين القوى المتنافسة.

فتح الخلاف الروسي الإسرائيلي احتمالات لتداعيات جدية كفيلة في ضرب جزئي أو كلي للاستقرار خصوصا في المجالين السياسي والاقتصادي.

سياسيا في سوريا من الممكن أن تسحب تل أبيب جزءا من الضمانات التي أعطتها لموسكو حول نظام الأسد خصوصا أن الأخير  قام بزيارة إلى طهران قضت على كافة الرهانات التي كانت تروج لفكرة ابتعاده عنها، بل أن الأسد في زيارته الأخيرة أظهر ارتباطا عميقا بالنظام الإيراني، إذ لا يمكن له أن يتخلى عن طهران مهما قُدمت له من إغراءات، فحتى الآن بقيت سياسات إبعاده عن إيران والانخراط العربي في سوريا محدودة التأثير  على ثوابت الأسد الجيوسياسية وتحالفاته التاريخية الثابتة.

من هنا، فإن الضمانات التي أعطتها تل أبيب لموسكو حول الأسد ونظامه في تحييده عن الضربات الاسرائيلية في سوريا قد يتم تعديلها، وتتراجع تل أبيب عن ضماناتها الأمنية وهذا ما سوف يقلق طهران ودمشق معا، بالرغم من أن موقف موسكو من مفاوضات فيينا بات يناسب تل أبيب.

ولكن موسكو تدرك أن تل أبيب تتعامل تكتيكيا مع الموقف الروسي، لكنها استراتيجيا تتقاطع مع واشنطن بالرغم من خلافاتها التكتيكية معها. 

لذلك فان الموقف الروسي من مفاوضات فيينا مصلحي وليس استراتيجيا، ما يجعل المجال الاقتصادي يدفع إلى مزيد من المواجهة المفتوحة في المنطقة.

حيث تراهن تل أبيب على إمكانية أن تقوم بتغطية جزء من حاجات السوق الأوروبية من الغاز حيث هناك أصوات روسية تحذر من مشروع أنابيب إسرائيلي أوروبي عبر المتوسط من أجل إيصال  الغاز الإسرائيلي إلى الدول الأوروبية، وهذا ما قد يؤدي إلى مزيد من التنسيق الروسي الإيراني في المنطقة بعيد عن خلافاتهما التكتيكية في مفاوضات فيينا.

في المقابل تتمسك دول الخليج العربي بموقف الحياد في أوكرانيا، لكن هذا الحياد السياسي يأخذ طابعا اقتصاديا يعكر صفو العلاقة مع واشنطن التي تضغط على دول الخليج من أجل خفض أسعار الطاقة، وخصوصا في الخروج من اتفاق "أوبيك بلاس" الذي يمنح روسيا أسعارا مرتفعة لبرميل النفط، فهذه الدول المستاءة من موقف إدارة  البيت الأبيض من تصرفات إيران  في المنطقة ومن ميوعة المفاوضين الأميركيين في فيينا التي أدت إلى فتور كبير في العلاقات لكن لم تصل إلى حد إعادة التموضع. 

في النهاية أدى سوء التقدير الأميركي للمصالح الخليجية في المنطقة إلى تباعد في المواقف وعدم انسجام إقليمي دفع بعض الدول الخليجية إلى إعادة علاقتها مع نظام الأسد من باب التقارب مع روسيا بالرغم من قناعتها باستحالة فصله عن إيران.

لا تبدو المنطقة بعيدة عن تداعيات أوكرانيا، فالخلاف الروسي الإسرائيلي وانحياز الأخيرة لصالح كييف سيترجم مباشرة في سوريا، كما أن زيارة بايدن المرتقبة إلى الخليج ستساعد على تصحيح مسار العلاقات ما بين واشنطن والعواصم الخليجية إضافة إلى أن الاتفاق النووي الإيراني أصبح رهينة الانتخابات النصفية الأميركية، ما يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على متغيرات كبيرة. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.