مستبعد جدا أن تبقى منطقة الشرق الأوسط بعيدة عن تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، بالرغم من الجهود التي تبذلها دول المنطقة الفاعلة لتبقى بعيدة عن الانخراط المباشر أو غير المباشر بالحرب، وتتجنب إعلان انحيازها وتحاول الحفاظ على مسافة واحدة من طرفي الأزمة.
إلا أن هذا الموقف المركب والمعقد غير قابل للاستمرار نظرا لنظام مصالح الدول المعنية بصراعات المنطقة، بحيث يرتبط الإقليمي بالدولي بعد سنوات من سياسة حافة الهاوية في الشرق الأوسط الكبير التي نجح فيها الفاعلون السياسيون في أقلمة السياسة الدولية لصالح استقرار قائم على قواعد اشتباك وضوابط حققت ربط نزاع بين القوى المتنافسة.
فتح الخلاف الروسي الإسرائيلي احتمالات لتداعيات جدية كفيلة في ضرب جزئي أو كلي للاستقرار خصوصا في المجالين السياسي والاقتصادي.
سياسيا في سوريا من الممكن أن تسحب تل أبيب جزءا من الضمانات التي أعطتها لموسكو حول نظام الأسد خصوصا أن الأخير قام بزيارة إلى طهران قضت على كافة الرهانات التي كانت تروج لفكرة ابتعاده عنها، بل أن الأسد في زيارته الأخيرة أظهر ارتباطا عميقا بالنظام الإيراني، إذ لا يمكن له أن يتخلى عن طهران مهما قُدمت له من إغراءات، فحتى الآن بقيت سياسات إبعاده عن إيران والانخراط العربي في سوريا محدودة التأثير على ثوابت الأسد الجيوسياسية وتحالفاته التاريخية الثابتة.
من هنا، فإن الضمانات التي أعطتها تل أبيب لموسكو حول الأسد ونظامه في تحييده عن الضربات الاسرائيلية في سوريا قد يتم تعديلها، وتتراجع تل أبيب عن ضماناتها الأمنية وهذا ما سوف يقلق طهران ودمشق معا، بالرغم من أن موقف موسكو من مفاوضات فيينا بات يناسب تل أبيب.
ولكن موسكو تدرك أن تل أبيب تتعامل تكتيكيا مع الموقف الروسي، لكنها استراتيجيا تتقاطع مع واشنطن بالرغم من خلافاتها التكتيكية معها.
لذلك فان الموقف الروسي من مفاوضات فيينا مصلحي وليس استراتيجيا، ما يجعل المجال الاقتصادي يدفع إلى مزيد من المواجهة المفتوحة في المنطقة.
حيث تراهن تل أبيب على إمكانية أن تقوم بتغطية جزء من حاجات السوق الأوروبية من الغاز حيث هناك أصوات روسية تحذر من مشروع أنابيب إسرائيلي أوروبي عبر المتوسط من أجل إيصال الغاز الإسرائيلي إلى الدول الأوروبية، وهذا ما قد يؤدي إلى مزيد من التنسيق الروسي الإيراني في المنطقة بعيد عن خلافاتهما التكتيكية في مفاوضات فيينا.
في المقابل تتمسك دول الخليج العربي بموقف الحياد في أوكرانيا، لكن هذا الحياد السياسي يأخذ طابعا اقتصاديا يعكر صفو العلاقة مع واشنطن التي تضغط على دول الخليج من أجل خفض أسعار الطاقة، وخصوصا في الخروج من اتفاق "أوبيك بلاس" الذي يمنح روسيا أسعارا مرتفعة لبرميل النفط، فهذه الدول المستاءة من موقف إدارة البيت الأبيض من تصرفات إيران في المنطقة ومن ميوعة المفاوضين الأميركيين في فيينا التي أدت إلى فتور كبير في العلاقات لكن لم تصل إلى حد إعادة التموضع.
في النهاية أدى سوء التقدير الأميركي للمصالح الخليجية في المنطقة إلى تباعد في المواقف وعدم انسجام إقليمي دفع بعض الدول الخليجية إلى إعادة علاقتها مع نظام الأسد من باب التقارب مع روسيا بالرغم من قناعتها باستحالة فصله عن إيران.
لا تبدو المنطقة بعيدة عن تداعيات أوكرانيا، فالخلاف الروسي الإسرائيلي وانحياز الأخيرة لصالح كييف سيترجم مباشرة في سوريا، كما أن زيارة بايدن المرتقبة إلى الخليج ستساعد على تصحيح مسار العلاقات ما بين واشنطن والعواصم الخليجية إضافة إلى أن الاتفاق النووي الإيراني أصبح رهينة الانتخابات النصفية الأميركية، ما يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على متغيرات كبيرة.

