وصل عدد الضحايا إلى 10 قتلى وثلاثة جرحى 11 منهم من أصل أفريقي
وصل عدد الضحايا إلى 10 قتلى وثلاثة جرحى 11 منهم من أصل أفريقي

هجوم عنصري آخر، يقوم به شاب أبيض. هذه المرة مراهق عمره 18 سنة مدفوع بحقد عميق ضد الأميركيين من أصل أفريقي واليهود وغيرهم من المتحدرين من أصول غير أوروبية بيضاء، يرى أنهم يشكلون خطرا وجوديا على الجنس الأبيض ما يتطلب وفق منطقه المريض ردا عنيفا.

المتهم بارتكاب أكبر جريمة قتل جماعي في الولايات المتحدة هذه السنة، اسمه بايتون جيندرون، قاد سيارته لأكثر من 200 ميل لمهاجمة "سوبرماركت" أكثرية زبائنه من الأميركيين من أصل أفريقي في مدينة بافالو بولاية نيويورك.

جيندرون كان يرتدي بزة عسكرية فوق سترة مضادة للرصاص وخوذة واستخدم بندقية شبه رشاشة في هجومه الذي صوره وبثه حيا حين بدأ بحصد ضحاياه الأبرياء بدم بارد. حمام الدم الذي استمر لبضعة دقائق بدأ فور ترجل القاتل من سيارته في موقف السيارات مقابل السوبرماركت حيث قتل 3 ضحايا قبل أن يدخل إلى السوبرماركت لمواصلة جريمته حيث وصل عدد ضحاياه إلى 10 قتلى وثلاثة جرحى 11 منهم من أصل أفريقي.

جريمة القتل الجماعي في بافالو، أرغمت الأميركيين مرة أخرى على مواجهة الاستقطابات والأحقاد العنصرية ضد الأميركيين الأفارقة، وضد الأميركيين من أصل آسيوي والكراهية الموجهة ضد اليهود والمسلمين، والبيئة السياسية الحاضنة لهذه المشاعر التي أعطاها الرئيس السابق دونالد ترامب "شرعية" كانت تفتقر إليها، مع بروز أصوات متطرفة في الكونغرس تمثل القاعدة المتشددة في الحزب الجمهوري وفي بعض وسائل الإعلام وتحديدا شبكة التلفزيون "فوكس" التي تروج لطروحات عنصرية ونظريات المؤامرة في معركتهم للاستئثار بالسلطة السياسية والقضائية حتى ولو دعا الأمر إلى تقويض الدستور والقيم والمؤسسات الديمقراطية.

قبل ارتكابه لجريمته نشر جيندرون ما أسمته شرطة المدينة "مانيفستو" على شبكة الإنترنت من 180 صفحة تطرق فيه إلى أحقاده العنصرية واصفا نفسه بالفاشي، والعنصري المؤمن بتفوق العرق الأبيض.

أبرز ما في مانيفستو الكراهية الذي نشره هو إيمانه بنظرية مؤامرة عنصرية تعرف باسم "الاستبدال الكبير" وهي نظرية المؤامرة التي طغت في السنوات الماضية على الخطاب العنصري في الولايات المتحدة والتي آمن بها معظم الذين ارتكبوا جرائم القتل الجماعي من دعاة تفوق العنصر الأبيض.

ملخص هذه النظرية هو أن النخب السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة تستغل المهاجرين من أفريقيا والعالم الإسلامي ومن أميركا اللاتينية لإعادة هندسة الميزان الديموغرافي في البلاد من خلال زيادة عدد الأميركيين من أصول غير أوروبية وتخفيض عدد المواطنين البيض. ويدعي هؤلاء أن اليهود في العالم يلعبون دورا هاما في تطبيق هذه المؤامرة. ببساطة المؤمنون بهذه النظرية يعتقدون أن العرق الأبيض مهدد بالانقراض.

أول من صاغ هذه العبارة في 2012 كان الكاتب الفرنسي العنصري رينو كامو الذي حذر من أن العرق الأبيض يتعرض إلى حرب إبادة. ولكن نظريات الخطر الوجودي المحدق بالعرق الأبيض في الولايات المتحدة قديمة قدم نظام الرق والاستعباد. وهناك أكثر من منظّر عنصري حذر الأميركيين من خطر خسارة حضارتهم البيضاء إذا سمحوا بازدياد عدد الأميركيين من أصل أفريقي أو إذا سمحوا بالتزاوج المختلط بين الأميركيين البيض والسود.

(في يونيو 1967، أصدرت المحكمة العليا قرارا تاريخيا في دعوى تقدم بها ريتشارد لافينغ، أبيض، وزوجته ميلدريد، أفريقية الأصل ضد ولاية فيرجينيا التي كانت مع 15 ولاية أخرى تمنع الزواج المختلط. ريتشارد وزوجته ميلدريد تزوجا في واشنطن العاصمة، ولكنهما عندما عادا إلى ولايتهما فيرجينيا ألقي القبض عليهما لمخالفتهما قوانين الولاية. وبعد محاكم الاستئناف وصلت الدعوى إلى المحكمة العليا التي أصدرت قرارا بالإجماع أكدت فيه أن حظر الزواج المختلط في فيرجينيا وغيرها من الولايات هو انتهاك للدستور وللحقوق الشخصية التي يضمنها الدستور).

أحد أبرز المبشرين بالطهارة العرقية البيضاء كان سياسيا ديمقراطيا من ولاية ميسيسيبي اسمه ثيودور بيلبو، انتخب لحاكمية الولاية كما مثّل الولاية في مجلس الشيوخ بين سنتي 1935 و1947. بيلبو نشر كتابا دعا فيه إلى فصل العرقين، (وترحيل الأميركيين السود إلى أفريقيا) وإلا فإن البيض سوف يعرضون حضارتهم للانهيار.

ما سبق، يؤكد حقيقة جوهرية في التجربة التاريخية الأميركية، وهي مركزية المسألة العرقية في المجتمع الأميركي الذي تطلب إنهاء مؤسسة الرق زج البلاد في أسوأ وأخطر نزاع دموي في تاريخها: الحرب الأهلية التي بدأت في أبريل 1861 وانتهت في أبريل 1865 بعد سقوط 750 ألف جندي.

هذه الجريمة في مدينة بافالو التي هزت الولايات المتحدة، لم تكن مفاجئة كليا، لأنها تأتي في سياق أصبح مألوفا بفظاعته ودمويته للأميركيين في السنوات الماضية. المشاهد المروعة في بافالو بعد ظهر يوم السبت، كانت مشابهة لمشاهد أخرى، مثل رجل أبيض عنصري مسلح، يقتحم مكانا آمنا (كنيسة، سوبر ماركت، كنيس يهودي، دور سينما) ويطلق النار عشوائيا بغرض الترهيب وإظهار الكراهية، ونشر التبريرات في كتابات مبهمة وغريبة ولكن حاقدة في وسائل التواصل.

معظم هذه المشاهد رآها الأميركيون بصيغ مماثلة إلى حد كبير، في السنوات الماضية. وبعد كل هجوم مروع تأتي الإدانات، ويبدأ لطم الصدور، والحديث عن الحلول، وضرورة ضبط مبيعات الأسلحة والتحقق من الخلفية النفسية والاجتماعية والقانونية لمشتري الأسلحة ومعظم هذه الأسلحة، ومنها البندقية التي استخدمها بايتون جيندرون في جريمته في بافالو، يتم اقتناؤها بشكل شرعي.

ووفقا لإحصائيات رابطة مكافحة التشويه، اليهودية، التي ترصد الهجمات ضد المدنيين من يهود وغير يهود، فإن 56 في المئة من الجرائم التي ارتكبها المتطرفون في الولايات المتحدة خلال العقد الماضي، قام بها أفراد يؤمنون بأيديولوجية تفوق العرق الأبيض وبنظريات مثل "نظرية الاستبدال الكبير".

جريمة بافالو تأتي بعد هجوم ارتكبه شاب أبيض في مدينة إلباسو، بولاية تكساس في 2019 ضد أميركيين من أصول أميركية-لاتينية وقتل 20 منهم احتجاجا على ما اسماه "غزوهم" لولاية تكساس. (الرئيس السابق ترامب كان دائما يتحدث عن "غزو" المهاجرين لأميركا). كما تأتي بعد جريمة كنيس في مدينة بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا في 2018 حين هاجم عنصري أبيض المصلين اليهود وقتل 11 منهم، لاعتقاده أن اليهود يسهلون الهجرة غير الشرعية للبلاد. كما تأتي بعد جريمة قتل تسعة مصلين من أصل أفريقي في كنيسة بمدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولينا على يد شاب عنصري في 2015.

نظرية "الاستبدال الكبير" كانت في جوهر الهجوم العنصري الذي شنه مواطن أسترالي ضد مسجدين في مدينة كرايستشيرش في نيوزيلاند ما أدى إلى قتل 51 مصل، خلال مذبحة قام ببث حي لجزء منها. مرتكب جريمة نيوزيلاند، مثل مرتكب جريمة بافالو نشر "مانيفستو" تضمن مواقفه حول تفوق العنصر الأبيض والخوف من المسلمين.

خلال مسيرة نظمها متطرفون وعنصريون يؤمنون بتفوق الجنس الأبيض في مدينة تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا في 2017 هتف المتظاهرون بعبارة "اليهود لن يستبدلوننا". المتطرفون قتلوا امرأة  كانت تتظاهر ضدهم. خلال تعليقه على المسيرة العنصرية، وتظاهرة الديمقراطيين والليبراليين المضادة لها، ادعى الرئيس ترامب آنذاك أن التظاهرتين تضمنتا عناصر إيجابية.

في السابق كان العنصريون الأميركيون يتبجحون بتفوق العنصر الأبيض وتخلف الأعراق والإثنيات الأخرى. الآن العنصريون ودعاة تفوق العرق الأبيض يقومون بصياغة الأخطار التي تواجههم بصورة سوداوية أكثر، حيث يدعون بوجود مؤامرة بين النخب السياسية والثقافية البيضاء التي تسيطر على القرار السياسي برأيهم مع قوى اليسار ومؤيدي الهجرة لتقويض مقومات الحضارة التي بنت الولايات المتحدة، أي الحضارة الغربية البيضاء والمسيحية التي تواجه الإلغاء أو الاستبدال، أو الخطر الأسوأ، وهو "الانقراض". وحين يتم رسم المواجهة بمثل هذه السوداوية، ليس من المستغرب لجوء أولئك الذين نصّبوا أنفسهم كمدافعين عن الحضارة الغربية البيضاء والمسيحية إلى العنف لحماية ما يعتبرونه إرثهم.

وبعد كل هجوم عنصري من هذا النوع، يسارع اليمين الأميركي إلى الحديث عن أن الفاعلين يعانون من أمراض نفسية، أو انهم بأسوأ الحالات يمثلون "ذئاب فردية"، أو حتى الإشارة إلى أعمارهم الصغيرة لإيجاد الأسباب التي تخفف من عقوباتهم. ولكن الواقع يظهر أن هؤلاء، حتى عندما ينفذون جرائمهم بمفردهم ليسوا لوحدهم، وليسوا قطعا ذئاب فردية معزولة، لأنهم ينتمون عمليا، إن لم يكن رسميا إلى الجماعات العنصرية المتطرفة، التي تعيش في عالمها الافتراضي في وسائل التواصل، حيث يصول ويجول هؤلاء ويتعلمون كيفية شراء الأسلحة وتحويلها إلى أدوات فتاكة أكثر، وكيف يطلعون في هذا العالم الافتراضي على "أدبيات" القتل الجماعي والأحقاد العنصرية، وكيفية معالجتها.

عندما قام المتطرف اليميني تيموثي ماكفي بتفجير المبنى الفدرالي في أوكلاهوما سيتي عام 1995 وقتل 168 مدنيا، في أبشع هجوم إرهابي ضد المدنيين في الولايات المتحدة قبل هجمات سبتمبر 2001، لم تكن الاستقطابات السياسية في البلاد عميقة وخطيرة كما هي اليوم، ولذلك لم يؤد الهجوم إلى هجمات مماثلة في السنوات التالية. الهجمات العنصرية في العقد الماضي، جرت فوق أرضية سياسية تسكنها جماعات كبيرة تتعاطف عمليا أو ضمنيا إن لم يكن مع الهجمات بحد ذاتها، ولكن مع الأسباب أو المعطيات التي تدفع بالفاعلين والقتلة لارتكاب جرائمهم.

الرئيس السابق ترامب، هاجم المهاجرين من الدول الأفريقية التي وصفها بأنها مكان للقاذورات، والرئيس السابق لم يتردد في فرض حظر على سفر رعايا عدد من الدول ذات الأكثريات المسلمة إلى الولايات المتحدة، وهو الذي تساءل لماذا لا تجذب الولايات المتحدة مهاجرين من دول شمال أوروبا. هناك مقدمون لبرامج حوارية تحظى بشعبية كبيرة تبثها يوميا شبكة فوكس يتم خلالها ترويج طروحات نظرية "الاستبدال الكبير" وغيرها من الأكاذيب والتضليلات التي يرددها الرئيس السابق حول "سرقة" الانتخابات منه، وحول سيطرة اليسار المتطرف برأيهم على الحزب الديمقراطي. في هذا الجو يصبح من المستحيل الحديث الهادئ عن سبل اتخاذ إجراءات للحد من بيع الأسلحة النارية.

جريمة القتل الجماعي في بافالو تأتي على خلفية ارتفاع كبير في معدلات جرائم القتل بنسبة غير معهودة منذ ستين سنة. في سنة 2020 اشترى الأميركيون 21 مليون قطعة سلاح. كما أن التظاهرات والاحتجاجات الدموية التي شهدتها البلاد في السنتين الماضيتين غير معهودة منذ التظاهرات الدموية التي شهدتها شوارع المدن الأميركية في ستينيات القرن الماضي احتجاجا على الحرب في فيتنام ولدعم حركة الحقوق المدنية.

ويمكن القول إن الاستقطابات السياسية والحروب الثقافية إن كان حول شرعية الانتخابات وكيفية إجرائها وحماية نتائجها في المستقبل، أو حق المرأة بالإجهاض، وهو حق أقرته المحكمة العليا في 1973، وصوتت ضده سرا قبل أسابيع أكثرية من أعضاء المحكمة العليا كما تبين مؤخرا، كلها خلقت حالة من الخلل السياسي بين الحزبين، وبين البيت الأبيض والكونغرس، ما يعني أن جرائم مثل جريمة بافالو، على الرغم من بشاعتها ودمويتها، لن تؤدي بالضرورة إلى توحيد الأميركيين، لوقف مثل هذه الفظاعات في أي وقت قريب.

هناك بيئة اجتماعية وسياسية حاضنة لظاهرة العنف اليميني والعنصري التي أصبحت في السنوات الأخيرة تشكل وباء سياسيا خطيرا للغاية. وإذا لم تتم مواجهة ومعالجة هذا الوباء بصراحة وبوضوح ومسؤولية وبسرعة، فإن البلاد مرشحة لاهتزازات مماثلة وهي تسير بإرهاق على طريق الانتخابات النصفية في نوفمبر 2022، والانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2024.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.