حزب إردوغان خسر الحصول على منصب عمدة إسطنبول في 2019
يستعد الرئيس التركي للانتخابات المقبلة التي ستجري بعد نحو عام

منذ عدة شهور، لا يؤدي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أعماله كرئيس لدولة، ذو حزمة من السلطات المقيدة بعدد من الأطر الدستورية، بل يتصرف كمرشح جامح للانتخابات الرئاسية، التي ستجري في أوائل العام المقبل، حيث لا تعطيه استطلاعات الراي العام أية حظوظ للفوز بها. لأجل ذلك، فإن أردوغان يتصرف كمرشح رئاسي، وسيبقى، ودون أية قيود، لهدف واحد فحسب، هو قلب النتائج لصالحه. 

في هذا المقام، يبدو أردوغان مشدودا للبقاء في السلطة بأي ثمن، فنوعية وعيه وعقله الباطن تعتبر الظفر بالسلطة الدائمة جوهر الفاعلية والمعنى في عالم السياسة. إذ لا يشبه أردوغان نوعية القادة السياسيين العالميين، في البلدان الديمقراطية، ومن ضمنهم بعض الساسة والقادة الذين كانوا في تركيا نفسها، هؤلاء الذين يعتبرون نيل السُلطة أمر وهدف نسبي في عالم السياسة، يُستطاع الاستغناء عنها، لو تعارض الحصول عليها مع بعض المرتكزات السياسية والسلوكية، وهو أمر لا يمنحه أردوغان في وعيه أي اعتبار. 

فأردوغان وإن كان قد وصل للسلطة بأدوات الحداثة السياسية وضمن عالمها الكلي، عبر انتخابات برلمانية تملك الكثير من الملامح الديمقراطية، إلا أن كامل مسيرته السياسية، منذ عشرين عاما وحتى الآن، يمكن تكثيفها بالسعي الحثيث للانقلاب على تلك الأداة، للحصول على نوع من السلطة العارية، الأبدية والمطلقة. غير الدستور أكثر من مرة، بدل نوعية النظام السياسي، اعتقل عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين والمدنيين، استخدم المال والعائلة، وأرسل العصابات المسلحة إلى مختلف دول المنطقة، خاض الحروب وأجرى عشرات الصفقات من تحت الطاولة، فقط في سبيل ذلك.  

راهناً، يبدو أردوغان في واحدة من أكثر أوقاته حرجا، إذ لم يبقَ لموعد الانتخابات إلا قرابة عام، واستطلاعات الرأي العام تشير إلى تفوق لتحالف أحزاب المعارضة، فيما صحة أردوغان الجسدية في وضع لا يطمئن مؤيديه، ومختلف مؤشرات الأداء الاقتصادي تقول إنه لا انفراجات في الأفق المنظور للاقتصاد التركي، وحزب العدالة والتنمية منقسم على نفسه داخليا، بين مؤيدين وموالين لعائلة أردوغان والتحالف مع حزب الحركة القومية المتطرفة، وبين منجذبين للقادة التقليديين للحزب، ورؤيته الإصلاحية الأكثر فساحة. 

في هذا الوقت بالذات، ومما يمكن رصده يوميا من قرارات وتوجهات يتخذها أردوغان، فإن توجها ثلاثيا استراتيجيا سيأخذ كامل اهتمام أردوغان خلال الشهور المقبلة، وفي سبيل هدف واحد فحسب، الاحتفاظ بالسلطة.  

أولاً، سيسعى لتصفية أية شروخ وصراعات سياسية وخطابية وإيديولوجية كانت تغطي شكل علاقاته مع المحيط الإقليمي، تلك التي ظل طوال عقد كامل يستخدمها كأداة لزيادة وتيرة حضوره الشعبوي في المتن العام. 

فما أظهره أردوغان من إعادة للعلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل، قد تمتد عما قريب، لتشمل دولا وأنظمة مثل سوريا ومصر واليونان وأرمينيا. تلك التي كال لها أردوغان بحرا من الاتهامات وأشكال الوعيد، التي وصلت لحد التكفير، السياسي والديني والأمني والعسكري.

لأن الجذر البراغماتي في سلوك أردوغان يقول إن إعادة هيكلة تلك العلاقات، وإن عبر الكثير من التنازلات الشخصية والسياسية، قد تجلب بعض الاستثمارات والثقة بالاقتصاد التركي، وتمنع هذه الدول والأنظمة من دعم معارضي أردوغان بشكل أو آخر. لكن الجذر الآخر لذلك السلوك، أي الشعبوية الدائمة، تؤشر إلى أن هذا التواطؤ تكتيكي فحسب، وأنه سيعود لرفع وتيرة التصعيد الخطابي في وجه هذه الدول والأنظمة عما قريب، فيما لو ظفر بالسلطة مرة أخرى.  

المسعى الآخر لأردوغان سيكون عبر خوضه حربا عسكرية ضد المناطق والجهات الكردية، سواء في سوريا والعراق، أو حتى ضد البنية المدنية الكردية داخل تركيا نفسها.

سيستعيد أردوغان عبر ذلك بما فعله قبل سبعة سنوات. فحينما لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على نصف مقاعد البرلمان، في الانتخابات البرلمانية الأولى التي جرت في العام 2015، وتاليا فشل في إمكانية تشكيل الحكومة لوحده. خاض حربا ضروسا ضد ثلاثة مدن كردية في تركيا، دياربكر نصيبين وسلوبي، بحجة وجود مقاتلين لحزب العمال الكردستاني. دمر أكثر من نصف تلك المدن الثلاث وقتل آلاف المدنيين، ومن ثم عاد وأعلن عن انتخابات جديدة، جندت لصالحه أصوات القوميين الأتراك (وما أكثرهم)، وأحدثت رعبا في أوساط الناخبين الأكراد، المناهضين لأردوغان تقليديا. 

أغلب الظن، سيعيد أردوغان فعل ذلك، لتحقيق الأمرين السابقين، ولزيادة اللحمة ضمن تحالفه الحاكم، ولدفع أحزاب المعارضة لتأييديه رغما عنهم، فالأكراد هم الحجة المثالية لأية سلطة تركيا لتكريس السكون السلطوي. 

أخيرا، فإن حساسية واهتمام أردوغان بالعلاقة الوثيقة بين نوعية السلطة والحاكمين في تركيا وما يناظرها من توازنات دولية تبدو عالية للغاية في هذا الوقت. تلك العلاقة التي يعرفها أردوغان أكثر من غيره بكثير، وهو أساسا وصل للسلطة خلال العام 2002، وحافظ عليها حتى الآن، بناء على نوعية تلك التوازنات. 

فالقوى الدولية، بالذات الولايات المتحدة وكتلة الاتحاد الأوربي، ذات تأثير حيوي على الاقتصاد التركي ونخب رجال الأعمال، وإلى حد بعيد على قادة الجيش والأجهزة الأمنية والشركات والمؤسسات الاقتصادية، الصناعية والتجارية منها بالذات، وتاليا ذات وزن وقدرة على التأثير في العالم السياسي التركي. 

لأجل ذلك، فإن أردوغان يبدو متلهفا لتنفيذ كل ما يُطلب منه في العلاقات الدولية راهنا. من خلال خلق وساطات للحوار بين روسيا وأوكرانيا، أو الالتزام المؤقت بما قد تتوصل إليه القوى السياسية الليبية من تفاهمات، الأمر نفسه ينطبق على مختلف البؤر التي تنشط بها تركيا. فالهدف الأهم بالنسبة له هو إثبات الالتزام بقوس المصالح العليا للدول الغربية. 

في ظلال هذا القوس السياسي/السلوكي الذي قد يتخذه أردوغان، من تنازلات للدول والأنظمة الإقليمية، وصولا لحرب أو حروب متوقعة ضد الأكراد، وليس انتهاء بما قد يتصرف به كمساعد لتيسير استراتيجيات الدول الكبرى، فأنه يبدو كشمولي شعبوي تقليدي، يتلهف للبقاء في السلطة بكل ثمة، وأولا على حساب الالتزام الأخلاقي والوجداني والسياسي المفترض أن يكون خاضعا له، ألا وهو تحسين شروط وظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأبناء بلده، تقليل مستويات الاستقطاب الخطابي والسياسي والهوياتي بين مكوناته، زيادة مستويات التنمية الإنسانية المستدامة. 

فعل كل ذلك، وإن كان على حسابه مصالحه الشخصية والسياسية الأكثر ضيقا، المتمثل بديمومة البقاء في السلطة. حيث أن الأمر هذا، هو الفارق البسيط، لكن الأكثر عمقا ودورا، في تكوين وسلوك القادة الديمقراطيين جذريا، وآخرين يستخدمون الديمقراطية حسب حاجاتهم المباشرة، كما يستخدمون ويبدلون أزرار قمصانهم.   

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.