صناديق الأصوات في انتظار الفرز
دعوات المقاطعة من الحريري لم تؤثر بشكل كبير في المشاركة السنية

يُنقل خبر عن مفكر ساهم بإتحاف العالم بنظرية الصحة العرقية، وهي التي تبني على نظرية النشوء والارتقاء وترى طالما أنه بفضل تقدّم الطب ووسائل الصحة العامة أمسى بإمكان المعتلين والمعتوهين  والبلداء البقاء على قيد الحياة والتكاثر، فلا بد للجنس البشري بأكمله من اتخاذ خطوات التشذيب والتهذيب لذاته عبر إقصاء البعض ومنع البعض من الإنجاب، وغيرها من الوسائل القسرية، وصولاً إلى الإفناء (الرحيم طبعاً).

على أي حال، خلال تجوال هذا المفكر المتطوّر في المناطق الريفية، صادف أن شاهد مهرجان ألعاب وترفيه. أحد التحديات التي تدافع المشاركون إلى خوضها كان تقدير وزن بقرة، فمن نجح بتخمين وزنها بكامل الدقة، فاز بها. وقف هذا المفكر مستهزئاً في سرّه من إمكانية أن يتمكن أحد هؤلاء الجهلة من استشفاف الوزن الفعلي. غير أنه لاحظ أمراً غريباً دفعه إلى تدوين تقديراتهم، وهو أن هذه التقديرات، وإن تباعد كل منها عمّا اعتبره هو، بذكائه المفرط، الوزن القريب من واقع البقرة، فإنها في مجموعها تكاد أن تنتج معدّلاً يجاور هذا الوزن المتوقع، بل يزداد اقتراباً منه كلّما ارتفعت أعداد المشاركات.

ربما كانت تلك بداية تداول الأفكار حول «ذكاء الجموع»، وهو القول بأنه لـ «رأي» المجموع صوابية متقدمة، وإن كانت دوافع الأفراد وتوجهاتهم منقطعة عن هذا الرأي. وربما أن الحديث بهذا الشأن لم يصل يوماً إلى مستوى العلم المحكم، على أنه غدا أحد المقومات التي تقوم عليها القراءات السياسية للانتخابات ولاستطلاعات الرأي العام.

أكثرية الناخبين اللبنانيين لم تدلِ بصوتها في الانتخابات النيابية التي جرت يوم الأحد الفائت، وهذا أمر يتطلب التوقف عنده، وإن أمعن كافة الفرقاء بإعادة صياغة النتائج، بما يبرز أنهم هم الفائزون بغضّ النظر عن الأرقام.

بالفعل «الثنائي الشيعي» يسترضي نفسه بأنه لا خرق لبيئته، وأن سقوط بعض المحسوبين عليه خارج هذه البيئة شأن عرضي، سيما وأن النتيجة الحتمية للنجاح في المحافظة على حصرية التمثيل الشيعي سوف تكون ضمان استمرار نبيه بري لعقد رابع في سدة الرئاسة الثانية، أي رئيساً لمجلس النواب، بل الأصح سلطاناً له، آمراً ناهياً لأعضائه، رابطاً حالاً لقواعده.

لم يوفّق التيار الوطني الحر في المحافظة على الموقع الذي كان تبوأه بالأمس بفضل لا يمكن أن ينكره لوزن «الثنائي»، فهو قد تراجع في أعداد النواب بالتأكيد، ولم يعد القوة الأولى التي تزعم تمثيل المسيحيين. ولكن لا بأس، على ما يظهر من كلام جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية الحالي، هذا الرئيس الذي كرماً لعيون الصهر جاهر بالإضرار بمصالح المواطنين مراراً وتكراراً، فيما يستكمل باسيل بمناوراته وخطابياته وسلوكياته، المنفّرة غالباً والمبتذلة أحياناً، في التحضير لرئاسة يعتبرها على ما يبدو حقّا موروثاً له، كما هو حق برّي بالسلطنة على المجلس النيابي.

باسيل استدعى هنا الولايات المتحدة وإسرائيل، وغيرها من الأطراف التي كان يسعى بأمسه أن يسترضيها بالخفية والعلن، ليتّهمها بخوض حرب كونية لهدف إلغائه. ولكنهم جميعاً خسئوا، فهو نجح بالمحافظة على التمثيل في كافة أنحاء الوطن.

من فاز على باسيل وتياره هو سمير جعجع وقواته. أعلنه حملاً ثقيلاً، فيما آفاق الرئاسة، وإن كثرت العراقيل على دربها، أصبحت مرئية. إذا جرى تطبيق المعايير التي اعتمدت لإيصال ميشال عون إلى الرئاسة، فإن حظوظ جعجع جيدة، ولكن اختيار المعايير هو وليد المصالح لا المبادئ. على أنه لا بد من التذكير بأن المعايير التي فرضت ميشال عون على لبنان لم تكن قائمة على المبادئ كما كانت بعيدة كل البعد عن المصالح الوطنية. جاءت لتخدم إيران، بالإضافة إلى الأفق الضيق لعون وتياره.

من شأن سعد الحريري أن يهنئ نفسه بسرّه بأنه قد تمكّن من ضعضعة الصوت السنّي. ويا له من إنجاز. غير أن سعادته بإبراز قدراته تصطدم بحقيقة أن المشاركة السنية في الانتخابات لم تختلف نوعاً في نسبها عمّا لدى سائر الطوائف. أي أن الضعضعة هي في تمثيل السنة، لا في مشاركتهم. والحقيقة حسناً فعل سعد الحريري، إذ كشف للناخبين، بغضّ النظر عن تصنيفاتهم الطائفية، عن أن عجزه السياسي لم يكن عرضياً.

من المفارقات هنا هي أن والد سعد الحريري، الراحل رفيق الحريري، والذي يمكن وضعه بموضوعية في طليعة الوجوه السياسية على مدى التاريخ اللبناني، كان قد ارتكب بدوره خطأً فادحاً شاء ابنه سعد أن يكرره هنا، وإن جاء ارتكابه للخطأ فاشلاً لحسن الحظ.

فالحريري الأب دمّر التعددية في زعامات المجتمعات السنيّة في لبنان، من عكار وطرابس وسائر الشمال، إلى صيدا والجنوب والشوف والبقاع، وصولاً طبعاً إلى بيروت. خلافاً للرواية التبريرية الاعتذارية، رفيق الحريري لم «يوحّد السنّة»، إذ ليس لـ «السنة» في لبنان مجموعة مصالح واحدة كانوا على تباعد بشأنها وجاء هو ومن خلفه السعودية لتصحيح رؤيتها، بل أن مصالح مجتمعاتهم المشتركة والمتداخلة في معظمها مع انتماءات طائفية أخرى، كانت مرتبطة بأوجه طبقية ومناطقية ومعيشية وثقافية مختلفة، فرض رفيق الحريري عليها اختزالاً تسطيحياً أضرّ بها، وألغى أشكال التعبير عن خصوصياتها وعمومياتها... ثم قُتل ليتركها كافة دون قيادات واضحة.

أي أن سعد الحريري، إذ ورث فراغاً، في انتقاله إلى صفة «الشيخ» الوراثية المستحدثة، ربما توهّم أنه نال منصب زعامة «الطائفة السنية»، كحقيقة ثابتة، دون أن يدعم هذه القناعة تاريخ الحضور السني في لبنان، فيما هو في حقيقة لم تكن خفية على أحد، جاء لاستكمال رؤية والده بتوحيد المرجعية السعودية لـ «الطائفة» بعد توحيدها تحت قيادته. فشل سعد الحريري بالمهمة، وعسى أن تفشل كل محاولات التطييف والتبعية في لبنان.

بدورها قوى التغيير تتحدث عن تحول مفصلي في السياسة اللبنانية، وتهنئ نفسها بانتصارات عديدة في مختلف الدوائر. بما أنها ابتدأت من لا شيء، فإن أي مكسب هو بالفعل إنجاز. ولكن هل هي فعلاً ابتدأت من العدم؟ الجواب لا، ذلك أن رصيد ثورة 17 تشرين الثاني 2019 كان من شأنه رفع قوى التغيير إلى مقام القوة الأولى في السلطة التشريعية لو أن هذه القوى أحسنت التصرّف. هي لم تنجح في الانتخابات، لأن الثنائي الشيعي خبير وذوكفاءة عالية بالترهيب والتخوين والتهديد والتعدي طبعاً، ولكن لأنها بدورها عجزت عن توحيد الصف واللوائح.

ثلاثة ناخبين من أصل كل خمسة ارتأوا البقاء في منازلهم، أو الانشغال بما يعنيهم، فيما كان الاستحقاق الانتخابي متاحاً. ربما أن البعض تلكّأ، والبعض الآخر كان يائساً ابتداءاً. بل ربما أن قلة، أو أكثر قليلاً، قد استجابت للدعوة الارتجالية العبثية للاعتكاف.

ولكن مسؤولية الفشل المتراكم هنا، وإن انضوى هذا الفشل على بعض ارهاصات النجاح في مراحل مقبلة، ليست على عاتق المواطن الناخب. بل ثمة رسالة صادحة على الجميع الإصغاء إليها.

رغم احتدام التحفيز، الإصلاحي المطلبي كما الحزبي والطائفي، ورغم أن المواطن اللبناني قد عانى طوال هذا العهد البائس من الويلات المتتابعة، من تبديد لثروته وطعن في حياته واستهتار بسلامته، وخوض حروب كونية على حسابه، ورغم أنه كان عليه تحمّل صبيانية السياسيين على أصنافهم، فإنه لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع بنسبة ساحقة ولا بنسبة أكثرية، ولا حتى بنسبة تحاكي الانتخابات الماضية.

إذا صحّت التقديرات الأولية، يقترب مسعى فريق إيران أن ينال الأكثرية النيابية والأكثرية الشعبية، من الفشل، وبغضّ النظر هو لم يتمكن من الحصول على أكثرية في بيئته، بما أن الأقلية وحسب هي التي صوّتت. ولكن بالمقابل، ليس من شأن التوجهات السيادية، قديمها وجديدها، ولا قوى الإصلاح والتغيير أن تتحدث عن مدّ عارم لصالحها، طالما أن هذا المدّ لم يبلغ طبعاً عتبة نصف المؤهلين لأن يشاركوا بالانتخابات، ولا حتى نسبة حاسمة من الذين شاركوا.

هذه الانتخابات هي خطوة مهمة لأن يسير لبنان باتجاه تحقيق الوعد الذي قام على أساسه، أن يكون وطناً لمواطنيه. ولكنها تنقل لبنان من مرحلة مرتبكة إلى مرحلة مرتبكة أخرى. الأوان ليس للاحتفال بإنجازات واهية، ولكن بالسعي الفاعل إلى الاستفادة من النتيجة الخطيرة التي أوصلها الجمهور الناخب اللبناني إلى عموم الأطراف، الموالين لإيران، والتابعين للموالين لإيران، والمستتبعين للخارج من غير إيران، والسياديين الصادقين والأقل صدقاً، والإصلاحيين الصادقين والأقل صدقاً: جميعكم لستم مقنعين.

والإقناع لا يكون بالترهيب والسلاح، ولا بالزعم والترويج، والذي من شأنه استلطاف البعض أو استقطابه أو استغبائه، ولا بالمال الانتخابي وإن كان قادراً على توظيف البعض الآخر لوهلة، فتلك مناوشات عرضية وحسب.

المواطن اللبناني، كغيره، منه الفطن ومنه الأقل فطناً، منه النزيه ومنه الأقل نزاهة، ومنه المندفع ومنه البليد. 

ولكن، صحّت مقولة «ذكاء الجموع» أو فسدت، فإن لبنان الجامع قد تكلّم، وكلامه إدانة صريحة لمجموع الساحة السياسية في لبنان، قديمها لفسادها وتبعيتها، وجديدها لترددها وتناكفها. النتيجة الأولى لهذه العملية الانتخابية هي مطالبة بالمزيد من التغيير، أي طروحات سياسية واقتصادية واجتماعية، ورؤية طويلة المدى لإنقاذ هذا الوطن من الخراب والزوال، مدعومة بتنظيم قائم لا على الأفراد وما يعانون منه حتماً من أنانيات بل على النظم والمؤسسات، داخل الدولة بالتأكيد، إنما على مستوى الأحزاب والجمعيات.

أداء لبنان، الدولة والجمهور، في هذه الانتخابات والتي حافظت على الرقي خارج مناطق السلاح الإيراني، دليل على رغبة وطنية بالنهوض. المشاركة الحاسمة للمغتربين في القرار شاهدة على أن المآسي غير المسبوقة التي ألمّت بلبنان خلال الأعوام القليلة الماضية لم تكن بداية النهاية له. عسى أن تكون هذه الانتخابات بداية فصل جديد أكثر إشراقاً، لما لبنان أهل له.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.