لم تترك روسيا خلال الفترة الماضية وسيلة تهديد لم تستخدمها ضد فنلندا لمنعها من الإنضمام إلى حلف شمال الأطلسي، بما فيها التلويح بالسلاح النووي.
وكان آخر هذه التهديدات ما قاله رئيس الوزراء السابق ميدفيديف بأنّه "لا يمكن الحديث عن وضع غير نووي في بحر البلطيق إذا إنضمت فنلندا لحلف الناتو، لأن روسيا ستنشر سفنا مسلّحة بصواريخ إسكندر وأسلحة فرط صوتيّة وأسلحة نووية".
وتأمل ميدفيديف أن يسود العقل وتقرّر فنلندا عدم الإنضمام للحلف، دون أن تستطيع هذه التهديدات ثني فنلندا عن عزمها بالإنضمام، بل ارتفعت نسبة مواطني فنلندا الراغبين بدخول الحلف إلى 76 في المائة، بعد أن كانت 20 في المائة فقط قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، وقد يساعد على معرفة سبب عدم الاكتراث بالتهديدات الروسية التذكير بواحدة من الحروب المنسيّة التي أطلق عليها اسم حرب الشتاء بين فنلندا وروسيا.
وفنلندا بلد صغير في شمال أوروبا، عدد سكانه 5.5 مليون فقط، وعندما اختار هذا البلد نظامًا ديمقراطيًا مختلفًا عن النظام الإستبدادي السوفييتي، هاجمها ستالين بطريقة تشبه إلى حد كبير غزو بوتين لأوكرانيا هذه الأيام، ففي 30 نوفمبر من عام 1939 هاجم 400 ألف جندي سوفييتي، مع أعداد كبيرة من الدبابات والطائرات هذا البلد الذي لم يكن يمتلك وقتها سوى 50 دبابة قديمة وليس لديه أي مدافع أو أجهزة لاسلكي، وحتى الذخيرة التي يمتلكها كانت محدودة.
ولذلك كان ستالين واثقا من تحقيق نصر سريع وتنصيب حكومة عميلة له هناك، وعبّر عن ذلك أحد العسكريين في مذكّراته: "كل ما علينا فعله أن نصرخ في وجه مقاتلي فنلندا فيستسلمون فورًا"، ولكن الفنلنديين لجأوا لأسلوب يعرفونه منذ القدم قوامه الحفاظ على الحياة والمقاومة بأبسط الوسائل المتاحة والروح المعنوية العالية، فكانت قنابل المولوتوف التي يلقونها على الدبابات الروسية وجذوع الأشجار التي يضعونها في جنزير الدبابة سلاحهم الرئيسى.
وبهذه الإمكانيات البسيطة، طالت المعركة التي أرادها ستالين لساعات معدودة، إلى عدة أسابيع وباءت كل محاولات الروس لإختراق دفاعات الفنلنديين بالفشل، بل أدّت الخطط الروسية التي تقوم على الهجوم بأعداد كبيرة، إلى مقتل الكثير من الجنود الروس بأسلحة الفنلنديين البسيطة، حتى أصبح تراكم جثث الروس مفزعا للفنلنديين أنفسهم، وكان غرور قادة ستالين يمنعهم من تغيير الخطط أو البحث عن وسائل أكثر ذكاء، حتى اضطرّت الدبابات الروسية أخيرًا للانسحاب مما أضعف الروح المعنوية للمشاة فانسحبوا خلفها.
وبعد أيام، عاود الروس الهجوم بدبابات وجنود أكثر، فلاقوا المصير نفسه، وفشلت خطة قادة الجيش السوفييتي باحتلال فنلندا في النصف الثاني من شهر ديسمبر وتقديمها هدية لستالين في عيد ميلاده، بل كانت هديتهم مئات الدبابات الروسية المدمّرة وحولها جثث آلاف الجنود.
وخلال إحدى المعارك، التي سمّيت حرب السجق، حاصر الروس الذين كان غذاءهم يقتصر على الخبز والشاي قوات فنلندية أثناء تناولها السجق الساخن، فعصى الجنود الذين يقاسون الجوع والبرد أوامر قادتهم وذهبوا للمطابخ للأكل فاستغل الفنلنديون الفرصة، وانتصروا عليهم مرة أخرى.
ثم بدأ اليأس بالتسرّب للجنود الروس فهربت أعداد كبيرة منهم ووقعت أعداد أخرى بالأسر، وغنم الفنلنديون بنادق السوفييت وآلياتهم فأصبحوا أكثر قوة، فقرر ستالين تعيين قيادة جديدة لهذه الحرب بعد أن قتلت شرطته السريّة القادة الذين أرادوا الانسحاب، ثم دفع 750 ألف جندي و3000 مدفع و2000 دبابة، وتمكّن هؤلاء من تحقيق بعض التقدّم على الأرض دون أن يؤدّي ذلك إلى نصر واضح.
لكن الوضع أرهق الطرفين فوقّعا في 13 مارس 1940 على هدنة أنهت الحرب، وخسرت فنلندا 9 في المائة من أراضيها، وخسرت روسيا مئات الآلاف من جنودها، ويفتخر الفنلنديون بهذه الحرب التي يعتبرونها انتصارا لهم.
ويتكرّر اليوم السيناريو نفسه تقريبا في هجوم بوتين على أوكرانيا، إن كان من ناحية الفشل الروسي، أو من ناحية المقاومة الإستثنائية للشعب الأوكراني، وكشفت هذه الحرب أن الجيش الروسي الحالي لا يختلف كثيرا عن الجيش السوفييتي في ثلاثينيات القرن الماضي، وأن التقديرات الدولية التي كانت تصنّفه كثاني أقوى جيش في العالم اعتمادا على أعداد الدبابات والطائرات والصواريخ لم تكن دقيقة، كما بيّنت أن صناعة الأسلحة الروسية ليست أفضل حالًا من بقية صناعات هذا البلد التي تعتبر متخّلفة عند مقارنتها مع الكثير من دول العالم.
ولذلك خسرت روسيا حتى الآن أعدادا كبيرة من الجنود بين قتلى وجرحى وأسرى، مع نسبة غير قليلة من ما تملكه من الدبابات والعربات المدرّعة التي لن يكون من السهل تعويضها.
وحتّى الصواريخ فرط صوتية، التي كان بوتين يجري استعراضات إعلامية كبيرة لها، ويعرضها خلفه على شاشات كبيرة بإعتبارها أسلحة لا تقهر، فقد تحدّثت مصادر عدة عن استخدام أكثر من عشرة منها في أوكرانيا دون أثرٍ يذكر، وتعليقا على ذلك صرّح لويد أوستن وزير الدفاع الأميركي بأن هذه الصواريخ لم تحدث فرقًا على الأرض في مواجهة الجيش الأوكراني الذي يقاتل ببسالة، بما يوحي أن استعراضات هذه الصواريخ لم تكن سوى جزءا من البروباغندا الروسية.
ولذلك تغيّرت مع الوقت التوقّعات بشأن كيفية نهاية الحرب، فبعد أن كان أقصى ما يطلبه الغرب صمود الأوكرانيين لأطول فترة ممكنة تدفع بوتين إلى توقيع إتفاق سلام معقول، أصبح هناك من يتحدث عن انتصار أوكرانيا، حتى أن أحد القادة الأوكرانيين حدّد نهاية العام الحالي موعدًا لهزيمة روسيا، ونتيجة لهذا الإحباط تكرّرت التهديدات الروسية باستخدام أسلحة دمار شامل، بما فيها الأسلحة النووية على لسان بوتين أو بقية أركان نظامه، مع أن لهذا الموضوع مخاطره العالمية الاستثنائية، ومحاذير كثيرة أوّلها أنه من المرجّح أن الأسلحة النووية الروسية متخلّفة مثل بقية صنوف الأسلحة مقارنة مع ما يمتلكه الغرب، إن كان من حيث مفعولها أو دقّتها، والخطأ أو سوء التقدير عند التعامل مع هذا النوع من الأسلحة كارثي إلى درجة من الصعب التنبّؤ بما سيترتب عليه.
كما أن الكثير من الخبراء يقولون إن استخدام السلاح النووي، حتى لو كان تكتيكيا، قد يؤدي إلى رد نووي شامل واستراتيجي، وفي حالة إستخدام هذا النوع من الأسلحة فإن علاقة روسيا مع دول الغرب وأغلب دول العالم لن يعود بالإمكان إصلاحها أبدا، وستستمر العقوبات على روسيا حتى ظهور نظام جديد في موسكو، لأن نظام بوتين، الذي تحوّل إلى نظام منبوذ بعد غزو أوكرانيا سيصبح نظام مارق في حال استخدامه أسلحة دمار شامل.
وفي النهاية، لم يترك غزو بوتين لأوكرانيا أمام فنلندا، المصنفة للسنة الخامسة على التوالي كأسعد مكان للحياة على الأرض، من خيار سوى الانضمام إلى حلف الناتو، حتى تحمي شعبها من نظام شمولي توسعي لا يأبه لحياة أبنائه حتى يأبه لحياة أبناء الشعوب الأخرى، وانضمام فنلندا إلى الناتو سيزيد من قوة هذا الحلف، لأن لديها جيشا قويا مدربا وحديث التسليح، وهي من الدول القليلة في أوروبا التي تعتمد التجنيد الإجباري، والأهم أن لديها 1300 كلم من الحدود المشتركة مع روسيا وانضمامها يعتبر ضربة استراتيجية لروسيا خصوصًا إذا رافقتها السويد.
ولخص وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر ما حدث بالقول، "أعتقد أن بوتين أخطأ في تقدير الموقف الذي واجهه دوليًا، ومن الواضح أنه أخطأ في تقدير قدرات روسيا، دون أن نعرف إلى متى سيستمر هذا التصعيد وإلى أين يتجه، لكن الوضع الجيوسياسي على مستوى العالم سيشهد بعد هذه الحرب تحولات كبيرة"، وقد يكون أول هذه التحولات أن روسيا بوتين التي كانت قوة عظمى مرهوبة الجانب ويؤخذ رأيها في كافة القضايا الدولية قبل غزوها أوكرانيا لن تعود كذلك بعد هذه الحرب.

