الإسلام أباح تعدد الزوجات ضمن شروط.
الإسلام أباح تعدد الزوجات ضمن شروط.

لا يا صديقي.. أعداد النساء في العالم لا تعادل ضعفي أعداد الرجال. لذلك، فلا تبحث عن حجج واهية تبرر بها تعدد الزوجات.

في عدد من النقاشات الشخصية، أو حتى في ندوات حوارية، وفي فيديوهات على الأنترنت، يقدم البعض مغالطة متعمدة مفادها أن حكمة تشريع الإسلام للتعدد هو أن أعداد النساء تعادل ضعفي أعداد الرجال في العالم. وبالتالي، فتعدد الزوجات، الذي هو ظلم صريح للنساء، هو، حسب هذا التبرير، في صالحهن لأنه، في النهاية، ينقذهن من "العنوسة". 

المغالطة الأولى أن التعدد يتم تقديمه كـ"خدمة" للنساء لإنقاذهن مما يسمى بالعنوسة (ماذا يا ترى نسمي الرجل الذي لم يتزوج؟)، وكأن حياة هؤلاء النساء لا تكتمل إلا بالزواج؛ كيفما كانت صيغة ذلك الزواج! وبالتالي، فقبولها بنص أو ثلث أو ربع زوج (حسب سخاء العريس وهل سينقذ عانسا واحدة أو أربعة) أفضل من بقائها دون زوج!

المغالطة الثانية، وهي عظيمة، تتعلق بالمعطى الرقمي نفسه، والذي يتم تقديمه كحقيقة علمية: أعداد النساء في العالم تتجاوز بالنصف أو بالضعفين (حسب الروايات) أعداد الرجال. وبما أن الكسل قدرُ أغلب المتابعين، فلا أحد يبحث عن التحقق من هذه الأرقام؛ علما أن المعلومة متوفرة ببحث بسيط على الأنترنت: في العالم، هناك 102 رجل لكل 100 امرأة (إحصائيات 2019، الأمم المتحدة). بمعنى أن الأعداد شبه متساوية بين النساء والرجال، أو لعل رجلين من كل 102 رجلا في العالم يحتاجان لأن تنقذهما امرأة ما من "العنوسة". 

الحقيقة أن بعض الرجال يريدون أن يبرروا، بأي وسيلة، حتى بالمغالطات الديمغرافية، رغبتهم في تعدد العلاقات الجنسية، بشكل "حلال" و"شرعي". لذلك، فهم يلوون ذراع المعطيات الإحصائية نفسها. طيب، ماذا نفعل في الصين والهند مثلا، حيث عدد الرجال يتحاوز بحوالي 80 مليون نسمة عدد النساء، حسب تقرير لـ "هيومن رايتس ووتش" سنة 2019؛ حيث كانت بعض العائلات الهندية تعمد للوقف الإرادي للحمل حين يكون جنس الجنين أنثى بسبب تفضيلها، ثقافيا، للذكور؛ بينما قامت العديد من الأسر الصينية بنفس الشيء حين تم إقرار سياسة الطفل الوحيد لمدة 37 سنة في البلاد. 

نتحدث هنا عن 80 مليون رجلا "إضافيا"، "فائضا"!  فهل سنقبل، شرعا، بزواج النساء برجلين أو ثلاث، لإنقاذ هؤلاء الرجال من العنوسة في الصين والهند (علما أن بينهم مسلمون)؟ حتى سؤال إثبات البنوة في حالة الزواج المتعدد للنساء لم يعد مطروحا بفضل التطور العلمي وإمكانية إجراء اختبارات الحمض النووي (DNA). فماذا يقول محللونا الأفاضل؟ 

الذي يجب أن يدركه الجميع أن الملل في العلاقة الزوجية أمر وارد جدا. لكنه وارد بالنسبة للرجال كما هو وارد بالنسبة للنساء. هنا، يكون على الزوجين أن يفكرا جيدا في طبيعة العلاقة: هل هناك ما يمكن تعديله وإصلاحه وتطويره من أجل إذكاء شعلة الحب والرغبة والشوق؟ أما حين تصل الرتابة لمستويات لا تحتمل، فهنا، قد يكون الانفصال هو الحل. لكن التفكير بمنطق ذكوري يبرر الرتابة والملل أو الرغبة في التغيير للرجال، وينسى أو يتناسى أنه إحساس قد تعيشه النساء أيضا وبنفس الشكل والحدة؛ فهذا منطق لا يترجم إلا تنظيرا ذكوريا للعلاقات الزوجية غير المثلية، أو محاولة شرعية دينية لتبرير الخيانة.. حتى وإن كان ذلك بلي عنق المنطق والمشاعر والأرقام!

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.