لبنان - احتجاجات 2019 - منزل حسان دياب
"فالكتلة التغييرية لن تكون شريكة قوى النظام في حكومة وفي رئيس"

لو أن الانتخابات في لبنان جرت بأقل من الضغوط والتزوير والرشاوى التي شهدتها، لكان التغييريون حصدوا ضعف عدد المقاعد التي حصدوها. هذه حقيقة يعرفها الجميع في لبنان، وجرى اختبارها في يوم الانتخاب وفي اليوم الذي أعقبه، والمقاعد التي جرى إنقاذها من محاولات التهامها من قبل قوى النظام هي بعض مما جرى السطو عليه في يوم فرز الأصوات.

لقد شهدنا ذلك بأم عيننا، فإيلي الفرزلي حاول السطو على مقعده عبر صندوق قادم من دمشق، وماكينة الثنائي الشيعي ضغطت لإلغاء صناديق قادمة من الاغتراب في مرجعيون، هذا ما استطعنا رصده، أما ما لم نرصده فمن المفترض أن يفوق ذلك.

ما سبق يوم الانتخاب من رشاوٍ وتهديدات وحشد وتصعيد في الخطاب المذهبي، يجب أن نضمه إلى النتيجة التي حققتها السلطة وأن نضم إليها قانون الانتخاب الذي فُصّل على مقاسها وعلى مقاس خصومها غير التغيريين، ممن تجمعهم بها المذاهب التي يمثلون.

لقد كان صعباً وخطراً منازلة حزب الله في مناطق نفوذه حيث السلاح والمال والخطاب المذهبي، وإذا كان متاحاً لسمير جعجع منافسة جبران باسيل في الجبل والشمال، على قاعدة النفوذ المالي والمذهبي، فلم يكن ذلك متاحاً للتغيريين، فلا مال ولا مذاهب تحميهم، وهم على رغم ذلك، تمكنوا من خرق لوائح الحزب والصهر، ولوائح منافسيهم على مذاهبهم وعلى مصادر الارتزاق الإقليمي.

في المرة القادمة يجب أن نواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين يخاطب اللبنانيين بأنهم هم من اختاروا قوى النظام الفاسد وعليهم القبول بما يختارونه من مصائر لهم، بأننا لم نخترهم، وبأنهم زوروا إرادة الناس بالمال والسلاح وأن عبارته هي اعتراف من قبله بما لا يقبل به في بلده.

لقد انتزعنا منهم ما نستطيع انتزاعه حين لاحت فرصة، وحُرمنا مما أجاد عليهم به النظام من سلطة ومال وسلاح، وجاءت النتيجة غير مخيبة لنا، على رغم أن الحصة الحقيقية للصوت التغييري تفوق ضعف عدد المقاعد التي حازها.

لا بأس، يمكننا أن نبدأ من هنا، وأن نقول إن أكثر من خمسة عشر نائباً وصلوا إلى البرلمان بأصوات لبنانيين اقترعوا من خارج طوائفهم وعلى رغم الضغوط والتهديدات التي تعرضوا لها. هذه مقاعد نظيفة وخالية من عفن الفساد والمحاصصة، وتنتظرها مهام شاقة في برلمان صادرته قوى نظام الفساد والسلاح والمذهبية لعقود طويلة.

النائب التغييري ليس نائب منطقته ولا طائفته، هو نائب اللبنانيين الـ300 ألف الذين اقترعوا له في كل المحافظات اللبنانية. لن يعبد طريق قريته، ولن يتولى إدخال أهل دائرته الانتخابية إلى دوائر الدولة. مهمته مختلفة هذه المرة، فالفساد يلف الكيان كله، والمصارف أكلت ودائع الناس من النهر إلى النهر، والسلاح ممتد على مساحة الجمهورية.

نعم، فالبيروتي الذي اقترع لإبراهيم منيمنة لم يكن في باله وظيفة في البلدية أو ساعة كهرباء إضافية في الطريق الجديدة، وهو يعرف أيضاً أن إبراهيم لا يريد هذه المهمة، ولا يستطيع أصلاً أن يقوم بها. لقد أوصله إلى البرلمان ليطيح بفؤاد السنيورة ولكي لا يُجري تسوية تقضي بتمرير السلاح في مقابل صفقة فساد.

ليس هذا التطلب طوباوياً، وهو يملك فرصة واقعية لا تفضي إلى "حرب أهلية" على ما يردد نخبويون باشروا تشاؤمهم فور إعلان النتائج.

فالكتلة التغييرية لن تكون شريكة قوى النظام في حكومة وفي رئيس. وصلت إلى المجلس بوصفها قوة اعتراض على النظام الذي ما زال يحتفظ بممثليه في البرلمان، وهم غالبية وأكثرية، ولهم السلطة ولهم النظام ولهم الانهيار، ولنا أن نمنعهم من تحميلنا خسائر فسادهم، وأن نعيق قوانينهم التي يستعدون عبرها لمواصلة النهب والسرقة ولتثبيت معادلة السلاح مقابل الفساد.

التغييريون القادمون إلى البرلمان في لبنان لن يكونوا شركاء النظام، إنهم خصومه الذين تسللوا من ساحات الاحتجاج إلى ذلك المبنى الذين أطلق حراسه الرصاص عليهم في أيام الاحتجاجات وأصابوهم في أعينهم وصدورهم.

هذا وصف دقيق لما جرى، فالنائب المنتخب فراس حمدان، الذي أطاح بمرشح المصارف مروان خير الدين، كان أصيب برصاصة في صدره أطلقها حراس مجلس النواب. وعلينا هنا ألا ننتشي بأن الحارس الذي أطلق الرصاصة عليه في يوم الجلسة أن يُقدم التحية لضحيته، فالجرح لن يندمل بتحية، ونحن لسنا حيال انتصار على النظام، بل حيال فرصة لمد المواجهة إلى حصنه الأول، أي البرلمان.     

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.