لو أن الانتخابات في لبنان جرت بأقل من الضغوط والتزوير والرشاوى التي شهدتها، لكان التغييريون حصدوا ضعف عدد المقاعد التي حصدوها. هذه حقيقة يعرفها الجميع في لبنان، وجرى اختبارها في يوم الانتخاب وفي اليوم الذي أعقبه، والمقاعد التي جرى إنقاذها من محاولات التهامها من قبل قوى النظام هي بعض مما جرى السطو عليه في يوم فرز الأصوات.
لقد شهدنا ذلك بأم عيننا، فإيلي الفرزلي حاول السطو على مقعده عبر صندوق قادم من دمشق، وماكينة الثنائي الشيعي ضغطت لإلغاء صناديق قادمة من الاغتراب في مرجعيون، هذا ما استطعنا رصده، أما ما لم نرصده فمن المفترض أن يفوق ذلك.
ما سبق يوم الانتخاب من رشاوٍ وتهديدات وحشد وتصعيد في الخطاب المذهبي، يجب أن نضمه إلى النتيجة التي حققتها السلطة وأن نضم إليها قانون الانتخاب الذي فُصّل على مقاسها وعلى مقاس خصومها غير التغيريين، ممن تجمعهم بها المذاهب التي يمثلون.
لقد كان صعباً وخطراً منازلة حزب الله في مناطق نفوذه حيث السلاح والمال والخطاب المذهبي، وإذا كان متاحاً لسمير جعجع منافسة جبران باسيل في الجبل والشمال، على قاعدة النفوذ المالي والمذهبي، فلم يكن ذلك متاحاً للتغيريين، فلا مال ولا مذاهب تحميهم، وهم على رغم ذلك، تمكنوا من خرق لوائح الحزب والصهر، ولوائح منافسيهم على مذاهبهم وعلى مصادر الارتزاق الإقليمي.
في المرة القادمة يجب أن نواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين يخاطب اللبنانيين بأنهم هم من اختاروا قوى النظام الفاسد وعليهم القبول بما يختارونه من مصائر لهم، بأننا لم نخترهم، وبأنهم زوروا إرادة الناس بالمال والسلاح وأن عبارته هي اعتراف من قبله بما لا يقبل به في بلده.
لقد انتزعنا منهم ما نستطيع انتزاعه حين لاحت فرصة، وحُرمنا مما أجاد عليهم به النظام من سلطة ومال وسلاح، وجاءت النتيجة غير مخيبة لنا، على رغم أن الحصة الحقيقية للصوت التغييري تفوق ضعف عدد المقاعد التي حازها.
لا بأس، يمكننا أن نبدأ من هنا، وأن نقول إن أكثر من خمسة عشر نائباً وصلوا إلى البرلمان بأصوات لبنانيين اقترعوا من خارج طوائفهم وعلى رغم الضغوط والتهديدات التي تعرضوا لها. هذه مقاعد نظيفة وخالية من عفن الفساد والمحاصصة، وتنتظرها مهام شاقة في برلمان صادرته قوى نظام الفساد والسلاح والمذهبية لعقود طويلة.
النائب التغييري ليس نائب منطقته ولا طائفته، هو نائب اللبنانيين الـ300 ألف الذين اقترعوا له في كل المحافظات اللبنانية. لن يعبد طريق قريته، ولن يتولى إدخال أهل دائرته الانتخابية إلى دوائر الدولة. مهمته مختلفة هذه المرة، فالفساد يلف الكيان كله، والمصارف أكلت ودائع الناس من النهر إلى النهر، والسلاح ممتد على مساحة الجمهورية.
نعم، فالبيروتي الذي اقترع لإبراهيم منيمنة لم يكن في باله وظيفة في البلدية أو ساعة كهرباء إضافية في الطريق الجديدة، وهو يعرف أيضاً أن إبراهيم لا يريد هذه المهمة، ولا يستطيع أصلاً أن يقوم بها. لقد أوصله إلى البرلمان ليطيح بفؤاد السنيورة ولكي لا يُجري تسوية تقضي بتمرير السلاح في مقابل صفقة فساد.
ليس هذا التطلب طوباوياً، وهو يملك فرصة واقعية لا تفضي إلى "حرب أهلية" على ما يردد نخبويون باشروا تشاؤمهم فور إعلان النتائج.
فالكتلة التغييرية لن تكون شريكة قوى النظام في حكومة وفي رئيس. وصلت إلى المجلس بوصفها قوة اعتراض على النظام الذي ما زال يحتفظ بممثليه في البرلمان، وهم غالبية وأكثرية، ولهم السلطة ولهم النظام ولهم الانهيار، ولنا أن نمنعهم من تحميلنا خسائر فسادهم، وأن نعيق قوانينهم التي يستعدون عبرها لمواصلة النهب والسرقة ولتثبيت معادلة السلاح مقابل الفساد.
التغييريون القادمون إلى البرلمان في لبنان لن يكونوا شركاء النظام، إنهم خصومه الذين تسللوا من ساحات الاحتجاج إلى ذلك المبنى الذين أطلق حراسه الرصاص عليهم في أيام الاحتجاجات وأصابوهم في أعينهم وصدورهم.
هذا وصف دقيق لما جرى، فالنائب المنتخب فراس حمدان، الذي أطاح بمرشح المصارف مروان خير الدين، كان أصيب برصاصة في صدره أطلقها حراس مجلس النواب. وعلينا هنا ألا ننتشي بأن الحارس الذي أطلق الرصاصة عليه في يوم الجلسة أن يُقدم التحية لضحيته، فالجرح لن يندمل بتحية، ونحن لسنا حيال انتصار على النظام، بل حيال فرصة لمد المواجهة إلى حصنه الأول، أي البرلمان.

