A woman dips her finger in ink while voting in the parliamentary election at a polling station in Lebanon's capital Beirut, on…
يبدأ هذا التزوير بسطوة "أبطاله" على يوميات الناس - الصورة تعبيرية

أما آن لكذبة إجراء الانتخابات في ظل وجود السلاح أن تنتهي (الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله 18 مايو 2022) 

لم يحصل فريق واحد في أيّ دولة في العالم، في انتخابات تعتمد التمثيل النسبي على معدّل مئة بالمائة، كما فعل كلّ من "حزب الله" و"حركة أمل" في الانتخابات النيابية التي خاضاها معاً، كما درجت عليه العادة، في الدوائر الشيعية في لبنان، يوم الأحد الماضي، حيث حصد هذا الثنائي المقاعد السبعة والعشرين المخصّصة للطائفة الشيعية، في المجلس النيابي.

ولم يستطع أيّ من المرشحين الشيعة المنافسين لهذا "الثنائي"، على قلّتهم نسبياً، أن يدخل إلى المجلس النيابي، فجميعهم فشلوا فشلاً ذريعاً، في ظاهرة أقلّ ما يمكن أن يقال فيها إنّها استثنائية... فائضة!

ثمّة من يريد أن يقنعك في الداخل والخارج بأنّ مردّ هذا النصر الكاسح والماحق الذي لا مثيل له حتى في أعتى الأنظمة ديكتاتورية، كما هي عليه حال سوريا في ظلّ آل الأسد، يعود إلى الشعبية التي يتمتّع بها هذان التنظيمان، ويدعوك إلى التعامل معه على أنّه حصاد ديموقراطي لا بدّ من الخضوع لنتائجه.

ويرفض كثيرون درس هذه النتيجة، ويتعاطون معها كما لو أنّها "تحصيل حاصل" لا بدّ من الرضوخ لها، أو مسألة طبيعية لا بدّ من التسليم بها، من دون إجراء أيّ مناقشة موضوعية ودقيقة لها، حتى من قبل هؤلاء الذين يؤتى بهم من دول عربية وغربية لـ"مراقبة" العملية الانتخابية، وفق منهجية تصلح للرحلات التي تنظّمها عادة وزارات السياحة.

أمّا المستفيدون من هذه النتيجة، فيسألون والابتسامة الماكرة ترتسم على شفاههم: إذا لم تكن لديك أدلّة على التزوير، ألا يفترض بك أن تصمت وتُقر بأنّنا نصنع المعجزات؟ 

ولا يطرح هؤلاء أسئلتهم ليحصلوا على أجوبة، إنّما يريدونك أن تطأطئ رأسك موافقاً على استثنائيتهم، وتبصم على النتيجة، كما وردت.

إلّا أنّ هذا الاستخفاف هنا وهذا المكر هناك، على الرغم مما يتسبّبان به من "إحباط ديموقراطي" لا يحولان دون إجراء مقاربة مختلفة تأخذ بالاعتبار الوقائع والقرائن المتوافرة لعموم المعنيين والمتابعين والمدقّقين.

ولهذا، فإنّ التدقيق في ما إذا كانت نتائج الانتخابات التي تنتهي إلى نتائج استثنائية جداً هي وليدة عملية تزوير متقنة، يستدعي، كما هو معروف لدى المتخصّصين في العلوم السياسية، عدم حصر النقاش بآليات فرز أوراق الاقتراع، بل يفترض التعمّق لإدراك ما كان قد سبقها على مستوى تهيئة البيئة الانتخابية.

بناء عليه، ما هي الأمور التي يمكن التوقّف عندها في تقييم نتائج الانتخابات في بيئة "الثنائي الشيعي"، والتي تدفع إلى الاعتقاد بأنّ حصاد صناديق الاقتراع لا يمكن التعويل عليه واستخراج استنتاجات ديموقراطية منه؟ 

يبدأ هذا التزوير، بسطوة "أبطاله" على يوميات الناس، بالترهيب الذي يوفّره السلاح الذي يُزعم أنّه غير موجّه الى الداخل، وبالزبائنية التي يعزّزها تغييب الدولة على يد من يُفترض بهم أن يكونوا هم رجالاتها، وبالتخوين الذي يعزل المختلف ويرميه على هامش مجتمع تمّت عسكرته على طريقة تلك المجتمعات التي سبق أن تحكّم بها النازيون الهتلريون والفاشيّون الموسوليون والكتائب الفرانكوويون وجميع من كان قد سلفهم وعاد وخلفهم.

وفي هذه البيئة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اغتيل المعارض لقمان سليم، من دون تمكين التحقيق من الوصول إلى المتورطين، وفيها توفّرت الحماية والرعاية والتعظيم لمن تمّ تجريمهم باغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وفيها تمّ ترشيح أبرز مطلوبَين في ملف تفجير مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020، وزير المالية السابق علي حسن خليل، ووزير النقل السابق غازي زعيتر.

ويتواصل "نهج التزوير" مع ممارسة "أبطاله" شتّى أنواع الضغوط لمنع جميع من لديهم حيثية شعبية من الترشّح للانتخابات النيابية، وإذا لم يقتنعوا ففريق يحمل اسم "الأهالي" يتولى أمر هؤلاء: "ذووهم" يتبرأون منهم نظراً لمخاطرهم عليهم وعلى حياتهم وعلى مصالحهم. "جيرانهم" يطاردونهم حتى يفقدوا قدرة التواصل مع الناس. "الغيارى" يكمنون لهم وينهالون عليهم إهانات وضرباً و…قتلاً "مرجأ التنفيذ" إن لزم الأمر أو استدعت الحاجة.

وإلى هؤلاء "الأهالي" ينتسب من سبق أن هاجموا، في فاعليات "ثورة" 17 أكتوبر 2019، جمهوراً اعزل بالعصي والضرب وهم يهتفون "شيعة. شيعة. شيعة"، ومنهم خرج الذين طاردوا لائحة معارضة، في دائرة صور-الزهراني في الجنوب، واعتدوا بالضرب على بعض مناصريها وأطلقوا النار على بعض مرشّحيها، ومنعوهم من إطلاق حملتهم الانتخابية، وهم أنفسهم من يكمنون، بين فترة وأخرى، في بعض النقاط "الحسّاسة" لدوريات اليونيفيل ويعتدون عليها، ومن لدنهم خرج هؤلاء الذين هاجموا، يوماً، في الضاحية الجنوبية لبيروت، محققي لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليمنعوهم من استجواب شهود مفاتيح وليستولوا على الوثائق وأجهزة الكومبيوتر التي كانت بحوزتهم.

وتصل هذه الممارسة التزويرية إلى يوم الانتخاب نفسه، حيث تمّ طرد مندوبي اللوائح المنافسة من الأقلام التي "تمتاز" بعدم حصول اقتراع كثيف فيها، ليعود مندوبو فريق "الانتصار الاستثنائي"، بعد ذلك، إلى الانهماك في "التصويت الكثيف" عوضاً عن الغائبين والممتنعين والمقاطعين الذين ارتفعت نسبتهم في هذه الدورة إلى مستويات غير مسبوقة.

وتكون قمة هذا التزوير، عندما يحتفي هؤلاء بالنصر، فيسخرون من المهزومين، ويستخفّون بالقوى السياسية الأخرى التي، ولأنّها لا تتوافر لديها العدّة المماثلة، لم تستطع أن تنال إجماعاً كالإجماع الذي حصده "الثنائي"، ويتظلّمون من طبيعة قانون الانتخاب الذي يمنعهم من أن يمدّوا "قدراتهم الاستثنائية جداً" إلى مناطق أوسع ليحصدوا، بناء على أرقامهم، عدداً أكبر من النوّاب.

بطبيعة الحال، لا يوجد مبرّر للتوهّم بأنً "حزب الله" و"حركة أمل"، بالمعطيات اللبنانية الممتدّة منذ العام 1992، لا يملكان شعبية وازنة في البيئة الشيعية، ولكن، في المقابل، يوجد ما يكفي من أدلّة على أنّ هذا "الثنائي" يفتقد، فعلاً، حتى في ظلّ سطوة السلاح وتأثيرات "الزبائنية"، إلى النسبة التي تؤهّله للحصول على النتيجة التي يحصدها.

ولم يسبق لـ" الثنائي الشيعي" أن "سكّر" النتائج كما فعل، في هذه الدورة، حيث تحرّك وقائياً لمواجهة معطيات وطنية، كان يُمكن، لو لم يسد كلّ المنافذ، أن تنتج تعقيدات لا يريد مواجهتها.

كان من شأن أيّ خرق شيعي معارض، ومهما بدا ضئيلاً، لو حصل، أن يُهدّد، بموجب تداعيات "ثورة" 17 اكتوبر 2019، عودة نبيه برّي إلى رئاسة مجلس النوّاب، ولكانت تلك الإطاحة قد فتحت أفق المجلس النيابي على ورشة تشريعية تأخذ بالاعتبار بناء دولة حديثة، ولكانت قد حرّرت وظيفة المساءلة النيابية للحكومات والوزراء، من "أسر" المحاصصة التي يشكّل برّي، بصفته رئيساً لـ"حركة أمل" وممثّلاً ضمنياً لـ"حزب الله"، ركناً اساسياً من أركانها، ولكان انتخاب رئيس الجمهورية قد أُخرج من مزاجية احتساب النصاب الدستوري، وتخلّص من استراتيجية الإخضاع لمصلحة مرشّح "حزب الله".

إنّ المأزق الوطني الذي يمثّله الرئيس نبيه برّي لا يتّصل بشخصه ولا بثلاثين سنة مضت على احتلاله لمنصب رئيس المجلس النيابي، بل يتّصل بالدور الذي اتّفق عليه مع "حزب الله"، منذ اللحظة التي وقّع فيها برّي على "صكّ الاستسلام"، بعد خسارته الحروب التي شنّها عليه الحزب في ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي.

وبرّي، مثلاً، كان من ضمن مجموعة واسعة من النوّاب الذين واجهوا فكرة انتخاب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، ولكنّه، بالنتيجة، سلّم، من دون أدنى قناعة، بإرادة "حزب الله".

والسياسيون الذين تربطهم علاقات وثيقة ببرّي يعرفون أنّ الرجل لا يُترجم قناعاته أعمالاً، فجهده، بالمحصلة، مربوط بإرادة "حزب الله"، وهو، في أشجع مواقفه، يقف عند حدود الأدوار التي يلعبها عادة "المستشار المشاكس" الذي يقدّم توصياته، فإذا رُفضت، خضع لإرادة صاحب القرار.

في الأيّام القليلة المقبلة، سوف يُعاد انتخاب برّي لرئاسة مجلس النوّاب، على قاعدة أنّه مرشّح الاجماع الشيعي، ولن يكون له منافس يصب له أصواتهم هؤلاء الذين تعهّدوا في حملاتهم الانتخابية بعدم إعادة انتخابه، لأنّ هذا النموذج غير المسبوق من الديموقراطية الذي فرض نفسه على البيئة الشيعية، أقفل الباب أمام أيّ خيار بديل.

ولكن هذا لا يعني أنّه، أمام هذه المشهديّة الشمولية، لا توجد مخارج من شأنها أن تعيد رسم ابتسامة-ولو عابرة-على شفاه اللبنانيين بعدما محتها الكوارث المتلاحقة، ففي جلسة "فرض" ميشال عون رئيساً للجمهورية، خرج من اقترع لفنانة "إغراء" لبنانية، وفي جلسة "فرض" برّي لا شيء يمنع من أن يتم الاقتراع، وبنسبة عالية، لهذا النوع من البدائل على اعتباره التعبير الأفضل عن الحال التي وصلت إليها الانتخابات في بيئة تستغل الديموقراطية، وفي ظلّ مراقبين عرب ودوليين، اشتهروا بأنّهم لا يرون "أبعد من منخارهم".

لقد أنتجت الانتخابات النيابية التي شهدتها غالبية الدوائر الانتخابية، حيث ارتفعت المنافسة الى أكثر مستوياتها حدّة، نتائج يُمكن البناء عليها مستقبلاً، ولكن من شأن تغييب المعايير نفسها عن دوائر الثنائي الشيعي، وفي حال لم تتم مداواته، بسرعة، أن يعيد إغلاق نافذة التغيير ومن خلاله كلّ أمل بالإنقاذ، بعدما انهار، في ظلّ اصرار "حزب الله" على فرض إرادته على الجميع، كلّ شيء وتحوّل لبنان الى بؤرة موت سريع حيناً وبطيء أحياناً.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.