الأمير حمزة تم تنحيته من ولاية العهد في 2009
الأمير حمزة تم تنحيته من ولاية العهد في 2009

السؤال يبدأ من القفلة التي أنهى بها الملك الأردني رسالته المعلنة للأردنيين "والإقليم والعالم" حين ألمح إلى أنه ورغم قرار الملك – رأس الدولة والأسرة الملكية معا- بتقييد تحركات واتصالات أخيه المثير للجدل الأمير حمزة، إلا إن الملك لم يخف توقعاته بأن يستمر الأمير بإثارة الجدل والضجيج والتسريبات الشعبوية، والتي حسم الملك أمره فيها بأنه لن يضيع وقته بعد اليوم في الرد عليها. 

السؤال هنا: هل تم حسم قضية الأمير فعلا؟

باعتقادي الشخصي ومن قراءات كثيرة متعددة فإن القضية لم تحسم بعد!

رسالة الملك الأكثر إثارة من بين كل ما تم الإعلان عنه من أدبيات ووثائق في كل قضية الفتنة جاءت كرد متأخر منذ ديسمبر الماضي على توصيات قرار مجلس الأسرة المالكة حول موضوع الأمير حمزة، وتلك الفترة منذ تلك التوصيات حتى إقرار الملك لها في رسالته الأخيرة كانت على ما قيل لي محاولات من الملك نفسه لتجنيب الأمير أي مسار قانوني يضعه في قفص الاتهام مع المدانين: باسم عوض الله وحسن بن زيد في ما تم التعارف عليه بقضية الفتنة. (كان لافتا وصف الملك لعوض الله بخائن الأمانة وتجريده حسن بن زيد من لقب الشريف). 

لكن الرسالة – التي استندت إلى تكييف قانوني صحيح- خضعت لقانون الأسرة المالكة، وهو قانون خاص صدر عام 1937، وحسب ملخص قرار مجلس الأسرة المالكة حول موضوع الأمير حمزة فإنها استندت إلى هذا القانون منوهة أن مبادئ التشريعات الأردنية تعطي القانون الخاص أولوية بالتطبيق على القانون العام، فكانت التوصيات التي أقرها الملك في رسالته الأخيرة تنتهي إلى تقييد تحركات الأمير واتصالاته، وهذا الإجراء هو إجراء قانوني تم وفقا لقانون الأسرة المالكة وعليه فإنه وحسب المصدر نفسه، فإن تقييد تحركات وإقامة الأمير واتصالاته ستكون من خلال "أجهزة إنفاذ القانون بما فيها الضابطة العدلية". 

الإثارة الأكثر تشويقا – وكنت أتمنى لو تم نشرها- كانت في رسالة شخصية من الملك إلى أخيه الأمير حمزة اطلعت عليها شخصيا في آذار الماضي، وسبق أن أشرت إليها في مقال سابق لي نشره موقع الحرة، كان فيها معظم التفاصيل التي أوجزها الملك في رسالته الأخيرة المعلنة، ومما ورد فيها تحذير الملك للأمير من شخص حسن بن زيد والذي وصفه الملك بالرسالة الشخصية غير المعلنة حتى الآن بالمكر والخبث.

توقيت رسالة الملك المعلنة يضع علامة استفهام كبيرة، وقد تلقيت ردا من مصدر مقرب أن الرسالة ليست ردا وقائيا على تحرك متوقع وقريب للأمير، لكنها استحقاق متأخر أجله الملك طويلا – حسب المصدر- لغايات الوصول إلى تسوية "عائلية" تخرج الأمير من حرج المسؤولية القانونية في قضية هزت الرأي العام، وأخذت مسارها القانوني، لكن الأرجح أن الحقيقة في التحرك الأخير تكمن في ما أشار إليه الملك نفسه عن إشكالية ما افتعلها الأمير حمزة مع الحرس الملكي وترتيباته الأمنية يوم عيد الفطر، ويبدو أن الملك الذي عاد مؤخرا إلى مملكته بعد زيارة واشنطن قد علم بتفاصيل تلك الحادثة (التي لا يعرفها أحد حتى الآن)، فأثارت غضبه واستلزم من عنده الرد بالرسالة الأخيرة والمعلنة. 

رسالة الملك الأخيرة والمعلنة، أكدت ما نشرناه في الحرة في إبريل الماضي من معلومات حول جلسة خاصة بين الملك والأمير حمزة، حدثت في السادس من آذار الماضي، وفيها طلب الأمير من رأس الدولة والعائلة أن يكون ملفه ضمن المسار القانوني، وحسب ما علمنا وقتها من مصدر مطلع أن الملك أخبر الأمير بأنه لا يمانع بذلك، لكنه أوضح للأمير ما تملك الأجهزة من قرائن وأدلة قد تدين الأمير وتضعه في خانة الإدانة القانونية التي ستحرج الجميع بلا استثناء، وانتهت الجلسة بتراجع الأمير عن طلبه ثم موافقته على خارطة طريق "ناعمة" تخرجه من الوضع الحرج كله. 

سياق الرسائل إلى الأمير "ومنه أحيانا" تكشف منها – حسب مصدر في العاصمة الأردنية عمان تواصلت معه- رسالة من خمسة أمراء بينهم الأمير هاشم، الأخ الشقيق للأمير حمزة وابن الملكة نور، والذي – حسب المصدر- يقف في صف أخيه الملك ضد سلوكيات شقيقه. 

في كل ماراثون الرسائل، كان الأمير دوما يرد بإيجابية معلنا اعتذاره تارة، وإنكاره تارة، لكنه وفي العلن استطاع وبدهاء أن يمارس دور الضحية ويخلق حول نفسه ومن نفسه حالة كربلائية قابلة للبلع عند جمهور محتقن بالقهر، متعطش للمعلومة "الغائبة أصلا". 

إذا نحن أمام الصورة التالية: الأمير منذ ديسمبر الماضي في حالة كمون "ذاتي" يخرج عنه أحيانا بما ارتآه هو من تحركات تخدم "مشروعا ما" يحمله ويعمل على تنفيذه بدأب مستمر.

وحسب اطلاعنا على الرسالة السرية التي كتبها الملك، ولم يعلن عنها بعد، لكنها توثقت في سياقات الرسالة المعلنة، فإن الأمير كان متذبذبا في قراراته الشخصية، ولا نعرف هل هو تذبذب بسبب حالة غير سوية يعيشها الأمير بشكل شخصي، أم هي استراتيجية ينتهجها الأمير لتحقيق طموحاته السياسية، وهي طموحات غير مشروعة دستوريا، فيما يتبقى في جعبته انتقاداته السياسية العامة، والتي لم تحتو على أي بديل لمشروع إصلاحي حقيقي، وهي انتقادات تظل غير دستورية بحكم اللقب "وامتيازاته" التي يحملها الأمير ولابد من تنظيم حضورها العلني بالقانون، وهذا يعني أن الأمير تأخر كثيرا في رغبته بالتخلي عن لقب الإمارة الذي يقيده – حسب القانون والدستور- من حرية العمل السياسي، وكان الأجدى بالأمير أن يطلب – مبكرا جدا- وعبر قنوات قانونية مع الملك صاحب القرار رغبته بالتخلي عن اللقب ليمارس حريته السياسية كمعارض للحكم فيتحمل مسؤولية تصرفاته أمام القانون. 

وفي ملابسات قضية " الفتنة" نفسها فإن الأمير – بالمعلن والسري من معلومات- كان دوما في حالة إنكار لأي مسؤولية له في القضية، وهو ما يضع المرء في حيرة إن كان الأمير غائبا عن الواقع أو أنه يحاول خلق وقائع جديدة، وفي حال كانت هناك أجندة سياسية لديه فهل هي مشروع شخصي يتعلق بطموحاته المبنية على "وصية عاطفية من والده الراحل غير دستورية" أم هو مشروع سياسي وطني؟ مما يعيدنا إلى ذات نقطة القنوات القانونية التي تحرره من الإمارة فيصبح ناشطا سياسيا حرا لا من اللقب وحسب، بل ومن كل امتيازاته بالمطلق! 

في كل قضية الفتنة، أجد نفسي منحازا للدستور كبوصلة وحيدة تتماهى مع قناعتي بالإصلاح الذي يعتمد دولة المؤسسات والقانون، ومن الغريب والمدهش أحيانا أن بعضا من مدعي المعارضة يطالبون بدولة مؤسسات وقانون لكنهم مستعدون للقفز فوق الدستور نفسه لتحقيق أجندات شعبوية فارغة المحتوى. 

لكن المثير للاستغراب أكثر عندي هو جهل الأمير حمزة نفسه بالدستور الذي نص على أحقية الملك وحده بمنح الألقاب أو استردادها، والمدهش أكثر أن الأمير كان يشغل منصب ولي العهد مما يعني أنه – افتراضا- ملم تماما بالدستور الذي تولى عهدته، مما يجعلني أدخل مرة جديدة في دوامة الحيرة إن كان هذا جهلا أم ارتباكا غير سوي، أم استعراضا سياسيا شعبويا له تبعاته الخطيرة مرتبطا بقضية "الفتنة" المشتبكة بأطراف إقليمية! 

في المحصلة، القضية لم تحسم بعد، ولا يحسمها إلا استعادة الدولة، دولة المؤسسات والقانون بكامل أهليتها الدستورية وبسرعة، وأول الخطوات لتلك الاستعادة في ما يخص قضية الأمير حمزة تلبية رغبته الأولى التي أفصح عنها للملك في جلستهم المغلقة وتحويله للمحاكمة العادلة ليقول كلمته ويرد بدفوعه عن كل الأسئلة المعلقة في فراغ شعبوي لا يرحم. 

استعادة الدولة بكامل ألقها المؤسساتي، هو الحل والحسم الذي يحمي الملك نفسه والعرش الجالس عليه من كل تغول ممكن داخليا أو خارجيا على الدولة المنهكة من كل مرجعياتها، ويجعل قضية مثل قضية الأمير أو انتهاكات الفتنة وأبطالها المدانين قضية محسومة بلا جدل مختلف عليه. 

استعادة الدولة تلك، التي يصونها الدستور وتحميها القوانين لا تترك فراغا لمعارضات شعبوية رغم عدم حضور محتوى حقيقي في أجنداتها إلا إنها قادرة على إثارة الزوابع في كل هذا الفراغ. 

استعادة الدولة تتطلب أن يكون الجميع تحت الدستور والقوانين والمؤسسات في حدود أطرها الوظيفية الأصيلة فلا يتغول الأمني على السياسي، ولا يتغول الجميع على مؤسسات الإدارة العامة، وتكون السلطات – حسب الدستور- سلطات الدولة لا مرجعية لها إلا الدستور، والدستور فقط.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.