روسيا خسرت قرابة ثلث عدد قواتها التي أرسلتها إلى أوكرانيا
روسيا خسرت قرابة ثلث عدد قواتها التي أرسلتها إلى أوكرانيا

يقترب الغزو الروسي لأوكرانيا من إكمال 3 أشهر، فيما حصيلة الكرملين من هذه الحرب تبدو هزيلة جدا، وهي لا تكاد تساوي الخسائر التي سببتها للروس وللأوكرانيين على حد سواء. وعلاوة على ذلك فقد أخافت الأوروبيين ودفعتهم إلى إعادة النظر في عقائدهم العسكرية، بما في ذلك طلب كل من السويد وفنلندا الانضمام إلى حلف الناتو، وكذلك مسارعة ألمانيا إلى مضاعفة ميزانيتها العسكرية على نحو لم يحدث من قبل.

علينا أن نتذكر أن الأهداف الأولى للحرب كانت الإطاحة بالحكومة الأوكرانية وتجريد البلاد من السلاح واعتقال المناوئين للهيمنة الروسية وضمان بقاء أوكرانيا خارج النفوذ الغربي. ولتحقيق ذلك حاولت القوات الروسية في البداية السيطرة على المدن الرئيسية في البلاد بما في ذلك العاصمة كييف وخاركيف وغيرها.

لكن كما شهد العالم كله، فإن كل هدف من تلك الأهداف قد فشل بصورة مروعة. وقد تكبدت القوات الروسية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد وواجهت إذلالا على يد الجيش الأوكراني لم تكن تتخيل يوما أنه يمكن أن يحدث لها.

إزاء ذلك اضطر الرئيس الروسي بوتين أن يبتلع أهدافه تلك ويقنع بهدف متواضع وأقل طموحا تمثل في السيطرة على شرق أوكرانيا وتحديدا إقليم الدونباس وبعض المدن في الجنوب. وهكذا قام بتحريك قواته وجنوده إلى هناك.

لكن حتى هذا الهدف يبدو اليوم بعيد المنال، أو بالأحرى لن يتحقق بسهولة، ولن يقبل الأوكرانيون، كما يؤكدون، بسلخ هذه المناطق عن بلادهم وإلحاقها بروسيا. وفي الواقع فإن معظم المدن التي تسيطر عليها قوات موسكو في الإقليم كانت تحت سيطرتها قبل بدء الحرب، وبالتالي فإنه لا توجد إنجازات حقيقية هنا أيضا.

وبحسب بعض المحللين الأمنيين والعسكريين فإن معنويات الجنود الروس فيما يبدو لا تزال منخفضة وأن الخسائر البشرية سيئة للغاية.

وحسب تقديرات بريطانية رسمية فإن روسيا خسرت قرابة ثلث عدد قواتها التي أرسلتها إلى أوكرانيا، وأن الهجوم الروسي في دونباس قد فقد زخمه وبات خارج نطاق الجدول الزمني الذي وضعته موسكو نفسها.

وبحسب العديد من الخبراء فإن الجيش الروسي لم يحقق بعد الأهداف المعلنة التي وضعها بوتين في تأمين جميع الأراضي في منطقتي دونيتسك ولوغانسك، ومن غير المرجح أن يفعل ذلك.

بل أكثر من هذا فإن الطيران الروسي اختفى تقريبا من سماء أوكرانيا ولم تعد تشاهد هناك إلا المقاتلات والمروحيات الأوكرانية. ويعتبر فشل روسيا في السيطرة على المجال الجوي الأوكراني من أسباب تعثر حملتها العسكرية.

ويشاطر مسؤولو الاستخبارات الأميركيين الرأي بأنه من غير المرجح على نحو متزايد أن تتمكن روسيا من تحقيق أهدافها في السيطرة على المزيد من الأراضي الأوكرانية خلال الأسابيع المقبلة.

لكن الإخفاق العسكري هو فقط أحد وجوه هذه الحرب التي خاضتها روسيا تحت ذرائع واهية، بينما الوجوه الأخرى تبقى شاخصة أيضا.

فموسكو تواجه وضعا اقتصاديا عصيبا جراء العقوبات الغربية. ومع الوقت سوف يلمس الروس آثار وتداعيات هذه العقوبات. وتسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى انتهاز كل فرصة لعزل وإبعاد روسيا عن الاقتصاد العالمي. وخلال المحادثات التجارية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التي عقدت في باريس (16 مايو 2022) كان هناك تأكيد واضح على استهداف التجارة والتكنولوجيا الروسية.

ومن الإجراءات الجديدة فرض قيود على الشركات التي تبيع منتجات لروسيا، وخاصة ذات الاستخدام المزدوج. كما تهدف إلى تقييد حصول روسيا على التكنولوجيا المتقدمة التي تدخل في صناعة الطائرات المسيرة وبرامج التشفير وأشباه الموصلات وغيرها من مجالات تصنيع الإلكترونيات.

أما على المستوى الأمني فيعتبر انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو ضربة موجعة لروسيا. وتتجلى هنا المفارقة الغريبة. فالذين دافعوا عن الغزو الروسي نسبوه إلى مخاوف الكرملين من امتداد الناتو إلى الشرق عبر انضمام أوكرانيا لعضويته، لكن ما عساهم يقولون اليوم وقد توسع الناتو بالفعل شمالا وبصورة ربما أكبر وأخطر من ذلك؟

هل يجرؤ بوتين على مهاجمة البلدين مثلا؟ بالطبع هو لن يفعل. وهذا يوضح أن تلك الذريعة لم تكن هي الأساس في غزو أوكرانيا، وإنما الرغبة في الاستيلاء على المزيد من الأراضي الأوكرانية وخاصة القريبة من الحدود الروسية وتلك الواقعة على البحر الأسود.

يبقى القول بأن المغامرة الروسية في أوكرانيا حتى الآن كانت وبالا على موسكو، أما فيما يتعلق بالمستنقع الأوكراني نفسه فإن الكثير سوف يتوقف على الإجابة على السؤال التالي: هل تواصل الولايات المتحدة والدول الأوروبية مساعدتها للأوكرانيين من أجل استرداد أراضيهم التي تحتلها روسيا حاليا أم تقبل بالوضع الجديد في مقابل وضع حد للحرب؟

حتى الآن فإن التصريحات والتأكيدات من العواصم الغربية تشير إلى عدم التنازل وأنه لا ينبغي مكافأة الرئيس الروسي بوتين على عدوانه، بل يجب الاستمرار حتى طرد جميع الجنود الروس من أوكرانيا وتقديم المسؤولين منهم عن جرائم الحرب إلى المحاكم الدولية.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.