محمد الرباع نجح في تبسيط شروط الحصول على الجنسية الهولندية
محمد الرباع نجح في تبسيط شروط الحصول على الجنسية الهولندية

يعتبر محمد الرَبَّاعْ الذي رحل عن دنيانا يوم الأربعاء الأخير، عن عمر يناهز 81 سنة، القائد التاريخي لكل نضالات العمال الأجانب في هولندا. 

وتلخص سيرته قصة رجل ظل وفيا لمبادئ التضحية والوفاء، أمضى حياة مليئة بالعفة والشجاعة، وبالعزيمة والإصرار حتى النفس الأخير.  

دموع حرّى سالت من مآقٍ متعددة على رحيله، إذ بكاه الكثيرون، في هولندا وعموم بلدان المهجر بالاتحاد الأوروبي، كما رثاه المهاجرون من كل الجاليات الأجنبية، وقد كان مدافعا شرسا عن قضاياهم وحقوقهم المشروعة، وفي مقدمة الحزانى أهله في الأقطار المغاربية وفي تركيا، ورفاقه الفلسطينيين.  

*** 
رغم أن محمد الرباع عاش في السنوات الأخيرة تحت وطأة المرض، أخطره إصابته بنزيف حاد في الدماغ، حيث لم يعد يستطيع الوقوف، أو القراءة والكتابة ولا التذكر، وعاش سنواته الاخيرة بمركز للعجزة، إلا أن إعلان وفاته شكل صدمة لكل من رافقوه وجمعتهم به صلات النضال المشترك، ومن عرفوه عن قرب. لقد ناضل الراحل من أجل مصلحة الجاليات الأجنبية، وضمنها الجاليات العربية والإسلامية في هولندا، ونجح في ما فشل فيه غيره من المغاربة الهولنديين وأمثالهم من الأجانب، الذين وصلوا إلى مراكز إدارية ووزارية مرموقة في هولندا، وإليه يعود الفضل في تيسير قوانين التجمع العائلي، والاعتراف بحق مشاركتهم في الانتخابات، وتبسيط شروط الحصول على الجنسية الهولندية، والحماية ضد العنصرية، ودعم ثقافة الأقليات. 

*** 
من العلامات الفارقة لمحمد الرباع الأنيق المهذب والوسيم، ابتسامته العذبة والودودة، وكان إنسانا هادئا، يتمتع بملكة الإصغاء، ويتوفق دائما في توظيف السخرية اللاذعة في مواجهته للتطرف العنصري. وعندما يعقد حاجبيه ويحرك يديه، تكون تلك إشارة على انغماره في الإقناع وفي شحذ الهمم وتقوية العزائم من أجل الغايات الإنسانية النبيلة. 

*** 
ولد محمد الرباع في 8 مارس1941  بمدينة برشيد (40 كلم جنوب الدار البيضاء)، وعاش طفولته وشبابه الأول في مدينة المحمدية، قرب البيضاء. أما والده فكان يعمل سائقا لدى أحد كبار ملاك الأراضي. 

في سن الخامسة والعشرين من عمره، كان الرباع طالبا بشعبة الفلسفة بجامعة الرباط، وعضوا بمنظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. شارك في "انتفاضة 23 مارس 1965 الدامية". وبسبب خشيته من مطاردة المخابرات السرية، بعد أن سيق عدد من الطلاب إلى ثكنات التأديب العسكري بالأطلس المتوسط، وأمام هجمة آلة القمع الشرسة، التي حصدت الآلاف من الضحايا، قتلى ومختطفين ومعتقلين، قرر محمد الرباع الفرار خارج مملكة الحسن الثاني في سنة 1966، بعد أقل من سنة على اغتيال الزعيم اليساري المهدي بنبركة.  

في ميناء سبتة المحتلة، لم يكن الرباع يعرف وجهة السفينة التي تسلل إليها كمهاجر غير شرعي بلا أوراق هوية أو جواز سفر، لكن بعد الإبحار رست السفينة في مدينة روتردام بهولندا، وكان ميناؤها أكبر ميناء في العالم. هولندا البلد الذي ارتبط في ذاكرة الطفل الرباع بمادة الحليب، لأنه كما حكى لاحقا، كان صغيرا يسمع الكبار يتكلمون عن هولندا "بلد الخيرات والأبقار الحلوب، وأن الحليب يوزع فيها أمام أبواب البيوت وعلى الأرصفة".  

في السنة الأولى من وصوله إلى هولندا اشتغل الرباع كرجل إطفاء، ثم عاملا في حوض بناء السفن، وعاملا بمصنع منسوجات، وفي مصنع للمعلبات، كما جرب بيع الحقائب كبائع متجول. 

وفي العام الموالي، 1967، تسجل بكلية الاقتصاد في جامعة أمستردام. بدا له ذلك أكثر نفعا من دراسة الفلسفة. ثم ما لبث أن تعرف على موطن أشهر الفنانين العالميين: فان غوغ ورامبراندت، واستوعب داخل الحرم الجامعي أن السياسة المحرمة التي سعى لممارستها في بلده المغرب، ليست حلما مستحيلا ثمنه التنكيل والسجون، بل هي هنا من المكتسبات الحضارية. لذلك اختار أن يتخلى عن وضعية اللاجئ، ليندمج في المجتمع المضيف، وحصل على الجنسية الهولندية. 

لكن العام 1967 لم يكن عاديا، فهو التاريخ الذي وقعت فيه حرب حزيران في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل. وانخرط الرباع في حملة جمع الأموال للفلسطينيين من المغاربة المقيمين بهولندا، ليصطدم لأول مرة في هولندا بـ"ذراع الملك الحسن الثاني الطويلة"، إذ أثناء مشاركته في مظاهرة بساحة "فونديلبارك" بأمستردام، دنا منه موظف بالسفارة المغربية ووبخه علانية، لكن الرباع فضحه وقلب الحاضرين ضده.  

بعد هذه الحادثة، أخذ الرباع على عاتقه مواصلة مصارعة النظام المغربي في هولندا أيضًا. فحارب "وداديات العمال والتجار المغاربة" بهولندا، التي أنشأها النظام المغربي عام 1973، كوسيلة لإبقاء سيطرته على العمال المهاجرين المغاربة. 

في عام 1974 تخرج الرباع كخبير اقتصادي، وبدأ العمل في مجال الرعاية الاجتماعية للأجانب، بناءً على نصيحة زوجته، عالمة النفس التنموي ليازبيث شرودر. وفي 1975 أصبح مديرا لمؤسسة الأجانب بويست برابانت. 

طيلة عقود تجاوزت نصف قرن، وبصفته مثقفا وإطارا اقتصاديا وحقوقيا، وفاعلا جمعويا، سعى الرباع إلى توجيه جهوده بكل تفان لخدمة قضايا الهجرة وحقوق الإنسان، مكرسا نضاله لمحاربة العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب وسياسات التمييز والإقصاء. ونتيجة مواقفه ونضالاته ضد التوجهات العنصرية واليمينية، لمع اسم محمد الرباع بين أهم الشخصيات السياسية المشهورة في هولندا، ومنحه الناخبون ثقتهم ليصبح أول نائب من أصل مغربي يفوز بعضوية البرلمان الهولندي. 

*** 
كان الرباع عضوا مؤسسا في الهيئة الحقوقية "لجنة المغرب" الملتزمة بقضايا القمع السياسي في المغرب، وقد تأسست المنظمة منتصف السبعينيات استجابة لطلب المعتقلين السياسيين في السجون المغربية، وكانت جزءًا من شبكة أوروبية من لجان مماثلة. وإلى جانب تنظيم المظاهرات والمؤتمرات والحملات الإعلامية، صاغت "لجنة المغرب" بهولندا مصطلح "الذراع الطويلة" لتصدير القمع إلى رعايا الأنظمة الديكتاتورية في الخارج، ونشرت أول ملف خاص لها حول "الوداديات"، اتهمت فيه "الوداديات" بالتجسس وبترهيب الجالية المغربية.  

وللإشارة، فإن "هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي أنشئت في المغرب سنة 2004، للنظر في انتهاكات سنوات الرصاص، صنفت أنشطة  "الوداديات" ضمن الممارسات القمعية المدانة. 

*** 
استغل الرباع صعوده إلى البرلمان الهولندي ورئاسته للفريق النيابي لحزب الخضر (بين عامي 1994 و2002)، كواجهة للدفاع عن حقوق المهاجرين في هولندا، ورغم النفي، ظل الرباع مرتبطا بقضايا بلده الأصلي المغرب، ليتحول إلى واحد من أبرز "أعمدة النضال الوطني التحرري للحركة الاتحادية الأصيلة بالمهجر". وكان المحامي الراحل أحمد بنجلون، القيادي بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، يعتني في أسبوعية "المسار" التي كان يديرها، بتغطية الأنشطة الميدانية والفكرية لمحمد الرباع، من خلال مراسلات خاصة، حيث التزم الرباع إلى جانب نضاله من أجل تحقيق المطالب المشروعة للمهاجرين، بالوقوف إلى جانب القضايا العادلة للشعوب المكافحة في فلسطين وجنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية. 

وعندما اندلعت ثورات الربيع العربي في عام 2011، هب الرباع لمساندة "حركة 20 فبراير" في المغرب، كما حرص دائما على مساندة الاحتجاجات الشعبية ومطالب الحراك الاجتماعي والشعبي في المغرب. 

عارض الرباع الدستور الجديد الذي صاغته لجنة ملكية في 2011، ودعا إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية التي تلت الاستفتاء على الدستور الممنوح، لأنها تجري حسب تعبير الرباع بين "الملك والملك"، وأن الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الانتخابية لا تقوم إلا بدور فلكلوري وهامشي. وفي ندوة احتضنتها قاعة الندوات بالبرلمان الهولندي، قال الرباع بصفته داعما أساسيا لـ"تنسيقية حركة20  فبراير الشبابية" بهولندا، "إن الدستور الجديد لم يقلص من سلطات الملك، وأن "جميع أدوات اللعبة السياسية تجتمع في يد شخص واحد هو الملك". 

*** 
كان الرباع من أوائل من وضعوا قضية الكراهية المتزايدة للمسلمين، أو كما أسماها، "العنصرية الإسلامية" على جدول الأعمال بهولندا. وبذلك واصل إثارة الانتباه إلى أشكال أخرى من التمييز. كما سعى دائمًا إلى التعاون على أوسع نطاق ممكن مع العديد من المنظمات الاجتماعية الأخرى. وعندما أثيرت الضجة ضد الروائي الهندي البريطاني سلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية"، ووصلت إلى هولندا، صرح الرباع: أنه "يتفهم" محاولات المسلمين في هولندا منع نشر الكتاب، لكن ذلك يجب أن يتم عبر الوسائل القانونية القضائية والديمقراطية". 

ورغم شهرة الرباع ووصفه بـ"لسان حال المهاجرين والأقليات"، إلا أنه حرص دائما على ألا  يكون المتحدث بشكل قاطع نيابة عنهم. ونجح في كثير من الأحيان على المحافظة على التوازن والسير فوق حبل رفيع، وفي معظم الأوقات تمكن من إنقاذ الموقف بلباقة وبروح الدعابة التي تمتع بها. 

وعندما تزايد هبوب رياح اليمين العنصري على أوروبا، ومن بينها هولندا، التي صارت من أكثر الدول التي سجلت تراجعا في ما يتصل بحقوق الإنسان، دعا الرباع إلى مواجهة المد اليميني بزعامة المتطرف اليميني خيرت فيلدرز، الذي استهدف كل الأقليات العرقية داخل هولندا، من خلال الضغط على الأحزاب الأخرى لسن قوانين مجحفة، خاصة في حق الهولنديين من أصول مغربية أو تركية. 

وفي عام 2010، رفع الرباع شكوى قضائية ضد خيرت فيلدرز، متهما إياه بنشر خطاب الكراهية والإهانة الجماعية. لكن زعيم حزب الخضر آنذاك فيمكي هالسيما اعتبر مبادرة الرباع تدخل في سياق "محاولة للرقابة"، الأمر الذي جعل الرباع يستقيل من حزب "الخضر"، بعد أن زاغت كثير مواقفه حول قضايا الهجرة عن المبادئ التي كان يؤمن بها الراحل محمد الرباع. 

*** 

في السنوات الأخيرة صارت هولندا مصدرا لاستقطاب لاعبين بارزين من أصل مغربي إلى منتخب بلدهم الأصلي، آخرهم النجم طارق تسودالي، الذي ساهم بأهدافه الثلاثة الحاسمة في تأهيل المغرب لمونديال قطر.   

من يدري؟ ربما كان من الممكن أن يتحول محمد الرباع أيضا إلى لاعب كرة قدم مشهور في الدوري الهولندي والأوروبي والمنتخب المغربي، كونه كان لاعبا ماهرا، لعب بالدوري الممتاز لأعرق الأندية المغربية (فريق الاتحاد الرياضي البيضاوي)، وعرف عنه أنه كان مهاجما متمرسا على هز الشباك. إلا أن محمد الرباع اختار الهجوم من موقع مغاير، والمغامرة في ميدان أرحب، فسجل أهدافا قاتلة في شباك العنصرية والعداء للأجانب، وقهر المدافعين عن الاستبداد.  

كان محمد الرباع مثقفا كبيرا، دون عجرفة أو تعالٍ، بل كان بسيطا كسنبلة قمح، ذو روح نظيفة، زاهدا في متاع الدنيا، متعلقا بقضايا وهموم الشعوب، مانحا ذاته للبذل والعطاء، من دون تعصب لرأي أو تهاون في سلامة قناعاته، منظرا ومنظما ومنفذا وقائدا متفائلا يتقدم الصفوف. ما أهَّلَه لاستحقاق صفة "المثقف العضوي"، فعلا، لا مجاملة أو مجازا.   

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.