المراسلون حققوا في العقدين الفائتين احتراماً ملفتاً ونجومية أكبر
المراسلون حققوا في العقدين الفائتين احتراماً ملفتاً ونجومية أكبر

أعاد مقتل الصحفية الفلسطينية، شيرين أبو عاقلة، المؤسف في 11 مايو وردود الفعل العالمية التي أدانته، تسليط الضوء على عدد من النقاط المتعلقة بطبيعة العمل الإعلامي-المرئي والإخباري بشكل خاص- ومدى التفاعل معه في ظل زخم الأحداث العالمية المصيرية المتلاحقة التي فرضت ازدياد الحاجة الملحة والآنية لمتابعة الأخبار وتنوع مصادرها.  

وسلط الضوء على الاستثنائية الخاصة التي يمكن أن يحققها بعض الإعلاميين وتضعهم في مصاف النجومية خلال رحلتهم المهنية أو بعد غيابهم الفيزيائي عن المشهد العام، وتمنح لتراكم الأثر المهني الذي اجتهدوا لأجله بعدا أكثر ديمومة وارتباطا بالوجدان العام.  

وهي استثنائية، ترتبط في بعض الأحيان، بسبب الجهة أو المؤسسة الإخبارية التي يعمل الإعلامي لصالحها، بما تقدمه له من تمكين ودعم ومؤازرة وتسهيلات خلال مسيرته المهنية تساعده على تقديم أفضل أداء.  

لكن الجانب الشخصي يبقى هو المرتكز المؤسس والصانع لمثل هذه الاستثنائية، بما يمكن أن يضيفه صاحبها بنفسه، من خلال موقعه ومقدراته الذاتية والتعبيرية من شغف بالمهنة، واجتهاد متواصل على تدعيم موهبته القادرة على صناعة أسلوبيته المتفردة، وجذب المشاهد لمتابعته بل وانتظار ظهوره بشغف مماثل.    

قبل أكثر من نصف قرن، وفي الوقت الذي كان فيه الإعلام العالمي قد قطع مع إعلامييه أشواطا كبيرة في تطوير الخطاب الإعلامي وأدواته، وبرزت فيه أسماء لإعلاميين كبار حققوا نجومية عالمية وساهموا في استقطاب ملايين المشاهدين لمؤسسات إعلامية إخبارية كبرى وعريقة، كان مقدمو ومقدمات نشرات الأخبار في العالم العربي لايزالون يقرأون بجمود ملفت نشرات الأخبار بطريقة مدرسية خطابية من ورقة معدة لهم مسبقا في غرفة التحرير، دون أي اجتهاد منهم أو إضافة أو السماح لهم بإبداء تعليق أو إظهار تعابير انطباعية خاصة، باستثناء تقطيب الحاجبين وتفخيم الصوت والتجهم المفتعل الذي كان يضفي الرصانة والجدية المطلوبة لنشرة الأخبار.  

رغم ذلك، كان مجرد ظهور أحدهم على شاشة التلفزيون له مفعول السحر، ويمنح صاحبه هالة ومجدا شعبيا ملفتا، وبخاصة حين يخرج خارج الشاشة ويحتك بعامة الناس في الشارع الذين يتعاملون معه بانبهار ملفت، ثم يبتدئون برصد أية اختلافات جمالية بين حقيقته وبين صورته التي يظهر بها أمام الكاميرا، وهو رصد كثيرا ما ساهم في زيادة نجومية البعض أو تراجعها أحيانا، فيما لم يحظ الإعلاميون في الصحافة المقروءة من محرري أخبار أو كتّاب زوايا أو أعمدة أو مقالات، وأيضا مذيعي ومذيعات نشرات الأخبار في الإذاعات وغيرهم بمثل هذه النجومية وكل هذا الاهتمام والترصد إلا فيما ندر من أسماء. الأمر الذي أكد منذ اختراع الصورة المتحركة وتطورها، مدى فعالية وتأثيرها اللامتناهي، وبخاصة في مقدرتها على بناء علاقة متبادلة بين إعلاميّ نشرة الأخبار والمشاهد، بسبب الاعتياد على الظهور المتكرر للإعلاميين يوميا، وبالتالي بناء الإعجاب والنجومية بهم تدريجيا.   

في العقود الثلاث الفائتة، شهد الإعلام العالمي، ومعه الإعلام العربي، نقلة نوعية ملفتة جاءت بالفضائيات العالمية والعربية الإخبارية التي طورت أدواتها مستفيدة من ثورة التكنولوجيا العالمية وتحديثاتها المتلاحقة، وأدت بالتالي إلى بروز عدد كبير من الوجوه الإعلامية الجديدة التي حظيت بنجومية أكبر من خلال اختلاف أسلوبية خطابها الإعلامي وكسر التجهم القديم ومنح معنى مغايرا لتقديم الخبر أكثر مرونة وأكثر إنسانية والتصاقا برغبات وحاجات المشاهد.  

بالتالي، أفرز هذا التطور الجديد مفهوم ومهنة المراسل، الذي ينقل في معظم الأوقات بشكل مباشر من موقع الحدث، والذي قد يكون جبهة عسكرية أو خندقا حربيا، أو برلمانا أو قاعة رئاسية أو حكومية، أو وسط حريق أو انفجار، أو غيرها من الأحداث المثيرة التي بات يندر أن تحدث دون مسارعة مراسل ما لتغطيتها ونقل حيثيات مايحدث فيها إلى المشاهد.  

وكان ملفتا على الصعيد العربي أن أكثر من برز في السياق هو الإعلام اللبناني، لريادته العربية وعراقة تقاليده وتقاليد مؤسسيه المهنية، ولكفاءة العاملين به وهامش الحريات الإعلامية اللبنانية الذي -كان ومايزال- الأكثر اتساعاً نسبياً، قياساً بمؤشر الحريات الإعلامية المقيدة في معظم الدول العربية الأخرى، بحيث تكرست مهنة المراسل (من الجنسين) مع الوقت، ولقيت قبولاً جماهيرياً وتفاعلاً مع أصحابها، وباتت نشرة الأخبار بلا معنى أو مذاق أو إثارة إن لم يرافقها فتح نافذة إعلامية عبر الهواء مباشرة مع أحد المراسلين المنتشرين والجاهزين باستمرار على أهبة الاستعداد عبر أصقاع الأرض.  

في الخلاصة، حقق المراسلون في العقدين الفائتين بشكل خاص، وبسبب زخم الأحداث التي تتالت خلالهما، احتراماً ملفتاً ونجومية أكبر، كانت تزداد باضطراد كلما رصد المشاهد شجاعة هذا المراسل أو ذاك، وتميز تقاريره وعفويته ورشاقة لغته، وأيضاً تفانيه في بعض أوقات الخطر لأجل تغطية الحدث والإحاطة به بمصداقية لا يمكن التشكيك بها مع مشاركة المشاهد للصورة التي تضعه بالمثل في قلب الحدث، وإن من الجهة المقابلة للشاشة.  

وفي واقع الأمر، يستحق الإعلاميون المجتهدون والأكفاء مثل هذه النجومية، التي تكسر احتكار مفهوم النجومية من قبل مشاهير العالم وساسته، والتي يدينون بها في الأساس للإعلام ومراسليه. وصعود نجومية أي إعلامي أو مراسل نجم، هو مكسب مضاف لمفهوم صناعة الإعلام وأهميته، وتقدير تستحقه الصحافة، وجميع العاملين بها والمتفانين لأجل تطويرها.  

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.