من مشاهد القتال في سوريا
من مشاهد القتال في سوريا

أعادت أوكرانيا سوريا إلى الواجهة، لكن هذه المرة عسكريا بعدما تعطلت السياسة، فما كان يهيأ للطرح منذ أكثر من سنة تحت ذريعة إعادة خلط الأوراق السياسية في المنطقة، الذي يقوم على إعادة تعويم نظام الأسد، تحول إلى إعادة تموضع عسكري للقوى المؤثرة ميدانيا في سوريا.

هذا التحول قد يطيح بكل التفاهمات التي أُنجزت في السنوات الأخيرة لصالح الأسد ونظامه. فالتصعيد الأخير الذي جرى بين تل أبيب وموسكو ينذر بأن قواعد اشتباك جديدة ستُفرض في سوريا، قد تتسبب بتصادم بين تل أبيب من جهة، وموسكو وطهران من جهة أخرى.

الإشارة الأولى جاءت من العاهل الأردني، الذي أبدى تخوفه من تغيير قواعد الاشتباك في سوريا، وتحدث بشكل واضح وصريح عن مخاطر تراجع الدور الروسي لصالح الدور الإيراني، ففي لقاء مع برنامج (باتل غراوندز) العسكري التابع لمعهد هوفر في جامعة ستانفورد اعتبر العاهل الأردني ان "ملء إيران ووكلائها الفراغ الذي تخلفه روسيا في سوريا قد يؤدي إلى مشاكل على طول الحدود الأردنية". 

وأضاف أن "الوجود الروسي في جنوب سوريا كان مصدر تهدئة، ولكن مع انشغال موسكو في أوكرانيا، فإن الأردن يتوقع تصعيدا في المشاكل على الحدود".

وعلى الأرجح فإن التصعيد قد بدأ، حيث تؤكد مصادر أردنية أن هجمات حدودية تحدث بشكل متصاعد في الأشهر الأخيرة من قبل أطراف معروفة الارتباط، إذ أن التوتر على الحدود الأردنية السورية سيؤثر مباشرة على استقرار مناطق جنوب سوريا ويعيد احتمال حدوث خروقات أمنية على حدود الجولان السوري المحتل، حيث من المتوقع أن تعيد طهران انتشارها في مناطق الجولان، بعدما كانت قد تعهدت للجانب الروسي بالتراجع 40 كلم عن حدوده.

عمليا التصعيد على خط طهران تل أبيب في سوريا أمر متوقع، لكن ما ليس متوقعا هو التصعيد الروسي الإسرائيلي في سوريا، والذي بدأ سياسيا مع لافروف ثم أخذ ملامح اقتصادية عبر إمكانية أن تقوم تل أبيب بتغطية بعض حاجات السوق الأوروبية من الغاز، لكنه في الآونة الأخيرة أخذ حيّزا أمنيا تصعيديا بعد قيام الدفاعات الجوية الروسية بالتصدي لطائرات حربية إسرائيلية كانت تشن غارة على مواقع تابعة للحرس الثوري وقوات النظام السوري. كما أشارت مصادر أمنية إسرائيلية إلى أن موسكو زودت النظام بدفاعات جوية جديدة لمساعدته على التصدي للغارات الإسرائيلية.

في حادثة غير مسبوقة، تصدت بطاريات صواريخ اس 300 الروسية، لأول مرة، لطائرات حربية إسرائيلية في سماء سوريا، هذا الحدث يخالف على الأغلب تفاهمات بوتين - نتنياهو التي جرت بعد التدخل الروسي العسكري في سوريا في 2015، والتي أعطت بموجبها موسكو لتل أبيب حرية الحركة ضد الأهداف الإيرانية على كافة المساحة السورية، كما أن هذا الحدث سيؤدي إلى تراجع التنسيق ما بين قاعدة حميميم وقاعدة حيفا.

على الأرجح أن التصادم الروسي الإسرائيلي في سوريا مستبعد، خصوصا أن موسكو بالغنى عن فتح جبهة جديدة تُثقلها ماديا، كما أنها قامت بسحب جزء من قواتها المقاتلة ونقلته إلى الجبهة الأوكرانية مع كبار الضباط الذين قادوا عملياتها في سوريا، ولكنها ليست حاليا في الموقع الذي تمنع فيه حدوث تصادم إيراني إسرائيلي كبير، خصوصا أنها تركت لطهران حرية التحرك في سوريا، الأمر الذي ساعد رأس النظام على إعادة رفع رهاناته الإيرانية، خصوصا بعد زيارته الأخيرة إلى طهران، إذ كشف سفير طهران السابق في دمشق محمد رضا باقري أن الأسد تحدث مع المرشد الإيراني علي خامنئي حول انسحاب القوات الروسية من سوريا، وقال باقري في مقابلة مع القناة الخامسة الإيرانية، بثت يوم الجمعة الفائت أن "الأسد طلب خلال زيارته الأخيرة لقاء المرشد الأعلى للثورة، للحصول على مشورة شخصية، وأعتقد أن من أهم النقاط كانت قضية انسحاب القوات الروسية من سوريا".

من هنا فإن الفخ الذي نصبته الدول الغربية لموسكو في أوكرانيا، الذي تحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، لا بد أن يتوسع ليشمل مناطق النفوذ الروسية، خصوصا في المياه الدافئة التي يزدحم برها وبحرها بأنابيب الطاقة وسماءها بالطائرات والصواريخ الحربية، والتي قد تتحول إلى خاصرة رخوة للضغط على طهران وموسكو معا، وهذا على الأرجح ما دفع العاهل الأردني إلى مراجعة موقفه الذي أطلقه أثناء زيارته الأولى لواشنطن في يوليو 2021 وبين الزيارة التي حصلت في 13 مايو 2022 حيث يصح القول إن ما بعد أوكرانيا ليس كما قبلها.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.