النواب توفي في أحد مشافي الإمارات
النواب توفي في أحد مشافي الإمارات

كنت أنوي الكتابة عن خطاب جنين بلاسخارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، الذي ألقته أمام اجتماع مجلس الأمن حول الوضع في العراق، الأسبوع الماضي. لكنّ حدثين تداخل فيهما السياسي والثقافي طغيا على أهمية كلمة بلاسخارت. الأول هو إقامة معرض بغداد الدولي للكتاب وافتتاحه من قبل السيد نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون، وما أثاره من سخط لدى أوساط ثقافية. والثاني وفاة الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، وما حدث في مراسيم تشييع جنازته من مقر اتحاد الأدباء والكتاب في بغداد. وكلتا الحادثتين كانتا سببا لعودة السجال والنقاش بشأن المثقف والسلطة. 

من قصيدتي "الريل وحمد" و"ليلة من ليل البنفسج"، إلى قصيدتي "القدس عروس عروبتكم" و"قمم"، يمكن لي أن أختزل بها ذاكرتي عن الشاعر الكبير مظفر النواب الذي رحل عن عالمنا الجمعة. النواب ليس ظاهرة شعرية فحسب، وإنما هو مثقف ثوري بوجه الاستبداد والظلم والطغيان، لذلك يستمد حضوره في ذاكرة الأجيال الشبابية من مواقفه السياسية التي يجسدها الكثير من قصائده الشعرية، وهذا تفسير لحضورها في هتافات وشعارات حركات الاحتجاجات التي شهدها العراق في الأعوام الماضية. 

مظفر النواب كان حاضرا في مخيلتنا رغم أنه لم يعد منتجا للشعر منذ سنوات، ورغم أنه ينتمى إلى جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، الذي كان مشغولا بالصراعات الآيديولوجية، لكننا نردد قصائده المغناة وأشعاره الثورية وكأنها تعبر عن موقفنا ضد السلطة، وضد جورها وظلمها وضد الحكومات وفسادها، حتى وإن كانت تتبجح بأنها أتت إلى السلطة عن طريق الانتخابات. ولذلك كانت قصائد النواب حاضرة في كثير من شعارات شباب احتجاجات تشرين 2019 في نقد الطبقة السياسية، كونها تعبر عن أفكار للثورة ضد الظلم والفساد والتسلط، ويمكن القول إن مظفر النواب ينتمي إلى جيل المثقفين الذين تأثروا بالوعي الماركسي في القرن العشرين، الذين كانوا مؤمنين بأن وظيفة المثقف كصاحب رسالة في المجتمع هي التغيير، تأثرا بمقوله كارل ماركس، "إن الأفكار لا تتحول إلى قوة مادية إلاّ حين تمتلكها الجماهير". وتأثروا بمفهوم المثقف الملتزم الذي حدد لينين وظيفته بالوسيط بين المعرفة والجماهير، فينقل للأخيرة وعيا يطابق مصلحتها في الثورة. ومن يؤدي هذا الدور، ينتسب إلى فئة المثقفين الثوريين الذين هم جزء من قوى التغيير الثوري إلى جانب البروليتاريا والفلاحين والفقراء.

وكان الشاعر النواب وفيا ومخلصا لهذه الأفكار عن المثقف ودوره، وجسدها في واحدة من قصائده عن رفضه لهيمنة النظام الاقطاعي في العراق، في قصيدة "مضايف هيل" أو "جرح صويحب" كما باتت تعرف في ذاكرة العراقيين، "لا تفرح ابدمنه لا يلگطاعي (الاقطاعي).. صويحب من يموت المنجل يداعي".  

وفي تشييع جنازة مظفر النواب في بغداد، كان حضور النواب واضحا في هتافات المشيعين (مظفر للشعب مو للحرامية)، وكأنهم يستحضرون مقطعا من قصيدته: (أنا ذلك الشعب الممزق.. كل ما في الشعب.. في قلبي). وبالتي عبروا فيها عن رفضهم حضور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وبعض المسؤولين في الحكومة  لمراسيم التشييع. إذ يبدو أن كثيرا من الحاضرين كانوا يمتلكون حماس الشباب المعبر عن رفض واضح وصريح لمحاولة الحكومة الاحتفاء برمزية رمز وطني كبير، اقترن اسمه بمقارعة الاستبداد والدكتاتورية. ويبدو أن الكاظمي كان مخطئا عندما أصر على حضور مراسيم التشييع الشعبي باعتباره صديقا للنواب، وتجاهله كونه رئيس حكومة تتهمه كثير من فئات الشعب بالتقصير والعجز عن الاستجابة لمطالبها.  

أرادت حكومة الكاظمي الاحتفاء بالشاعر الكبير مظفر النواب، وتكريمه باستعادة جثمانه إلى أرض العراق الذي غادره منذ ستينيات القرن الماضي، وبقي يراوده حلم العودة، وينشد:  

يجي يوم.. نرد لهلنه 

ويجي يوم إنلم حزن الأيام 

وثياب الصبر ونرد لهلنه  

يجي يوم  

الدرب يمشي بكيفه  

وياخذنا لوطنه.  

لكن احتفاء السلطة بشاعر ومثقف ثوري، لا يعني أن تنسى الجماهير سخطها وغضبها عن غياب المنجز وتخاذل الحكومة وتواطؤها مع مافيات سياسية على سرقة ثروات الدولة ونهب مواردها. ومن حق الجماهير أن ترفض مشاركة وزير الثقافة في مراسيم التشييع، وقبل يومين يقف ماسكا بيده شريط افتتاح معرض الكتاب في بغداد لزعيم حزبي لا يتمتع بأي صفة رسمية في الدولة العراقية! إذ لا يمكن الجمع بين الأضداد، أن تكون مثقفا ملتزما بقضايا شعبك وهمومه وتقف مشيعا لشاعر معروف بمواقفه الثورية، وتقف متصاغرا أمام سياسي تحوم حوله كثير من شبهات الفساد ومساهمته في الخراب والفوضى التي تعمّ البلاد.  

ولا يمكن للمثقف أن يكون عقل السلطة، ولسانها، وحسامها المستلّ للمنافحة والمدافعة، ضد الناقمين عليها، ويريد أن يسوق نفسه مثقفا رسالية، وأنه صوت المستضعفين والمحرومين. فلا يمكن أن يكون- كما وصفه عبد الإله بلقزيز في كتابه نهاية الداعية- "فقيه الحاكم، ونبي المحكوم، حسام الخليفة ودرع الخليقة"! 

لذلك لم يحظَ الشاعر مظفر النواب بهذه الشعبية لعذوبة كلماته الشعرية، ولا لمخيلته في الوصف والسرد، وإنما لأن مواقفه وشاعريته كانت تعبر عن التزامه إزاء قضايا وهموم شعبه ومطالبهم بالعدالة والحرية. لذلك بات النواب رمزا وطنيا للثورة. ومن ثم، من الطبيعي أن تحتفي به الجماهير؛ لأن كل كلمة من قصائده تعبر عن روح العراق وألم شعبه ومعانتهم، حتى في قصائده الغزلية والوجدانية تجد الروح العراقية، فهو القائل: 

أقسمت باسمك يا عراق  

بأن أُحارب 

حيثُما وجد المُحارب

أو أموت محاربا وحدي. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.