الأطراف الاصطناعية باتت في عصرنا أكثر تطورا.
الأطراف الاصطناعية باتت في عصرنا أكثر تطورا.

شتاءً، تقريباً في الثامنة من عمري، بقوة الرياح الشديدة، أطبق باب بيت جدتي الحديد كخرسانة، على أصابع يدي اليمنى المرتكية بثقة على الفراغ الفاصل بين حافة الباب والمفصلات المثبتة على الحائط، هارساً العظام والمفاصل والجلد على أشده. لم أخاف، شعرت بوجع قلب شفيف، بارد، يخز الجزء العلوي فوق الأظافر، في الجهة الأخرى من طبقة الحديد، وكأنني جسدان.

رغم هلع أمي ومحاولاتها دق جميع الأجراس دفعة واحدة، واقناعي بعدم الحراك البتة، "أي حركة بروحوا أصابعك" قالتها بحسم وخوف وأكملت الصراخ على الـinterphone. 

رغم كل ذلك، لم أخاف، لم أبك، ادعيت القوة، أنكرت الألم الشفيف، تظاهرت بالقوة للتخفيف من ذعر أمي على حساب شعور جوهري حد الألم. أفكر اليوم وأتيقن أنني أمارس هذه العادة الكريهة إلى هذه اللحظة. يفتح الباب وتبدأ أمي بعد أصابعي "المطعوجة" وتدليكهم للتأكد من إحساسي بكل أصبع على حدى. دون المرور على الوخزات الباردة. 

تستحضرني قصيدة عنوانها بالإنكليزية Inevitable pain لـ"مصعب النميري"، بالعربية (الألم المحتوم أو ألم لا مفر منه). تشدني حساسيتها العالية والاختزال المتقن في نحتها، أرددها في رأسي الكثير من المرات، وأتذكر طعم الحديد على الجلد المطعوج: 

Inevitable pain
I don't want to have any children 
One day the door will close on their finger

ألم لا مفر منه 

لا أريد أن أنجب الأطفال،

يوما ما، سيغُلق الباب على أصابعهم. 

ماذا لو بتر الباب أصابعي؟ لكنت نوعاً ما متصلة بأصابع غير بشرية، اصطناعية لا تشيخ. تصدأ، تُستبدل. جسد "بشري" مدمج بجزء صغير من آلة. 

"يغرد" إيلون ماسك بما معناه، "بأهمية عملية دمج البشر مع الآلات مستقبلاً، عدا ذلك سيكون هناك فجوة وشرخ كبير بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي". حيث نمو الذكاء الاصطناعي متسارع لمرحلة قد لا يستطيع البشر الوصول إليها إلا في الاندماج معها.  

كمثال، أجهزة الكمبيوتر يمكنها الاتصال بـ "تريليون بت في الثانية"، في حين أن البشر تتمثل طريقة اتصالهم الرئيسية في الكتابة باستخدام أصابعهم عبر الموبايل بحوالي 10 بت في الثاني. فرق شاسع. 

في المستقبل، ستهيمن كائنات السايبورغ. أو هكذا أتمنى. مشتهى خاص. لكن في نظرة حياتية في الوقت الحالي، نوعاً ما؟ جميعنا سايبرغ، محاطين بكم هائل من الشاشات، معلومات متدفقة تتناسب مع أهوائنا من لعب الخوارزمية أي الذكاء الاصطناعي وسبحه في عوالم اهتماماتنا ونقرات البحث عن أسئلة لا أجوبة لها. نعيش ككائنات سايبورغ وإن حافظنا على جسدنا بلحمه البشري دون إضافات مطاطية، حديدية اصطناعية. ليس دقيقاً تماماً، ماذا عن استبدال الأطراف المبتورة بأطراف منحوتة من التيتانيوم حالياً المطورة عن الخشب والحديد المصنع بشكل بدائي قديماً؟ 

ببحث صغير، تتضح قدم عملية دمج الجسد الحي بأجزاء اصطناعية في محاولة للتعويض عن الطرف المفقود بتراً. يقال إن أقرب مثال تم اكتشافه مرتبط بمفهوم الأطراف الاصطناعية، لم يكن ساقًا أو ذراعًا أو حتى عينًا مزيفة، كان إصبع قدم. تم العثور على إصبع قدم كبير من الخشب على جسد أحد المومياوات، صمم خصيصاً لأحد النبلاء في مصر، لكن الغرابة تكمن في الاهتمام بتصميم جزء صناعي (وإن كان يبدو بدائي بما يصنع في العصر الحالي) لعضو أقل وظائفية مقارنة بأطراف أساسية للحركة، والتنقل كالسواعد والأذرع والساق. الأمر مرتبط بأهمية أصابع القدم، الكبير منها خاصةً لضرورته في المشي الحُر أثناء ارتداء الصنادل المصرية التقليدية منذ ما يقارب الـ3000 عام. الجزء الاصطناعي هنا يمثل سيمائية تاريخية. للدقة، ارتباط وظيفي بين الأطراف الصناعية المدمجة بالأجساد البشرية والهوية التاريخية الجغرافية.

ايضاً في سردية متعلقة بالحرب اليونانية الفارسية، يروي المؤرخ "هيرودوت"، عن الفعل الذي اقترفه العراف "هيجستراتوس" عندما قبض عليه ووضع في الأسر، ببتر جزءاً من قدمه للإفلات من الأغلال الملتفة عليها واستبدالها ببساطة بجزء خشبي وكأنه قص أظافره أو شعره. 

مثال آخر هو الجنرال الروماني "سرجيوس"، فقد يده اليمنى خلال الحرب، لكن بدلاً من التقاعد نحت "سرجيوس" يداً من حديد استخدمها لاحقًا لحمل درعه، ونقل سيفه إلى يده اليسرى في محاولة للتأقلم.

تشير الأمثلة الباقية مثل هذه إلى أن الأطراف الاصطناعية قد تم تصميمها وتكليفها وتصنيعها وفقًا لتفضيلات الفرد المحددة. ما يدعو للتأمل، تفصيل وجود احتمال كبي بأن الحرفيين الذين أنتجوا دروعاً وأسلحة شخصية وحربية، في الوقت نفسه أنتجوا أجزاء اصطناعية مخصصة للأطراف المبتورة للمحاربين والجنود.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.