حزب الله خسر الأغلبية البرلمانية في انتخابات لبنان
حزب الله خسر الأغلبية البرلمانية في انتخابات لبنان

الانتخابات البرلمانية التي جرت في لبنان مؤخراً، كانت بوضوح معركة سياسية بشأن الرئيس اللبناني المقبل، الذي من المُفترض أن يُنتخب بعد قرابة خمسة أشهر من الآن. لكن، وبالرغم من الفوز النسبي لقوى المعارضة اللبنانية، بالذات المسيحية/المارونية منها، حيث إن رئاسة الجمهورية من حصتها حسب عُرف التقاسم الطائفي، إلا أن "زعيماً محلياً" مثل سليمان فرنجية، ممثل في البرلمان بكتلة نيابية مؤلفة مقعدين برلمانيين فحسب، وحلفائه داخل البرلمان مجرد أقلية برلمانية، إلا أنه يملك تطلعاً وحظاً للظفر بالمنصب الرئيسي، أكثر من زعيم سياسي كرئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي يملك الكتلة الحزبية المسيحية الأكبر ضمن البرلمان، وحلفاؤه ومؤيدوه يملكون أغلبية برلمانية واضحة. 

الأمر ذاته يمكن قياسه على العراق، على تجربة كتلة "تحالف إنقاذ وطن"، الذي بالرغم من أغلبيتها البرلمانية منذ أشهر، وتمثيلها لكامل الطيف الوطني، إلا أنها عاجزة عن تشكيل السلطة التنفيذية، الرئاسة والحكومة، التي من المفترض أن تنبثق عن هذه الأغلبية البرلمانية، حسبما تقتضي "الأصول الديمقراطية". بل أن "تحالف الإطار التنسيقي"، الذي هو أقلية ضمن البرلمان، يخوض جولات مكوكية بين القوى السياسية، في سبيل تشكيل تلك السلطة التنفيذية. 

في تركيا ثمة أيضاً الكثير من ذلك. فحزب كـ"الحركة الوطنية" القومي التركي المتطرف، يضع بشكل يومي أجندة للحياة السياسية والعامة في البلاد، يتدخل في القضاء والاقتصاد والدستور والعلاقات الخارجية ومؤسسات الدولة والأمن القومي، يفعل ذلك بالرغم من أن كتلته البرلمانية لا تتجاوز 9 بالمئة من مجموع أعضاء البرلمان. بينما حزب آخر، كـ"حزب الشعوب الديمقراطية"، الذي يملك كتلة برلمانية تزيد عما للحركة القومية بأكثر من الثلث، فإن الآلاف من أعضاءه وقادته محتجزون منذ سنوات، ودون أية محاكمة، وطُرد أعضائه الفائزون برئاسات بلديات المُدن الكبرى جنوب شرق البلاد، ولا يُدعى قادته لأي من الاحتفالات البروتوكولية في البلاد، ولا يتم اطلاعهم على أي من "أسرار" البلاد، حتى المعارضة السياسية لا تتداول معهم بالشأن السياسي...الخ. 

في مختلف تلك الحالات والبلدان، وفي أمثلة أخرى لا تُعد في بلدان منطقتنا، يبدو واضحاً أنه ثمة قوة عارمة ما، تقف قُبالة الإجراءات والممارسات الديمقراطية/الانتخابية في تلك التجارب، تفرغها من كل طاقتها وشرعيتها وقدرتها على تحقيق ما تصبو إليه. تحولها إلى مجرد وجه مظهري لما تفعله وتحكم به فعلياً داخل تلك البلدان والتجارب، حيث تحولت الديمقراطية إلى مجرد أداة بيد تلك القوة العارمة.  

تملك تلك القوة العارمة أدوات فاعلية مختلفة المواقع والأشكال وأنماط الحضور، إذ ثمة قوة عارمة من خارج منظومة مؤسسات الدولة، مثلما يفعل حزب الله في لبنان في تجاوزه لأية معايير وأعراف ديمقراطية. وثمة أيضاً قوة عارمة على شكل نفوذ إقليمي، مثلما يجري في العراق، حيث تحظى قوى "الإطار التنسيقي" بالرعاية الإيرانية. قوة عارمة ثالثة هي السلطة نفسها، التي تعتبر نفسها جزء أصيلاً من الصراع السياسي الداخلي، متحمسة في حربها ضد كتلة أهلية من سكان البلاد، وممثليها السياسيين، كما في تركيا، حيث يعتبر حزب "الحركة القومية" نفسه مالكاً للدولة، بكل قوتها العارمة. 

بوضوح، يبدو أن تلك "القوة العارمة" قادرة تماماً على تحويل الديمقراطية إلى مجرد لعبة أو مهرجان فلكلوري، دون أي جبروت أو شرعية للحكم، ولو بشكل مؤقت وحسب معايير مضبوطة، مثلما طورت الديمقراطية بنيانها الداخلي منذ قرونٍ وحتى الآن. 

فالقوة العارمة في بلداننا تشبه فعلياً ومباشرة الذات السلطانية التقليدية، تشرعن لنفسها نوعاً من السطوة المتجاوزة والسيادة الفوقية على كل سلطة أخرى غيرها، وتالياً يبدو الادعاء بأن هذا البلد أو ذاك يشهد "حياة ديمقراطية"، أنو هو مجرد افتراض كلامي ليس إلا. 

لا تتوانى هذه القوة العارمة وممثليها السياسيين والميدانيين عن استخدام مختلف أشكال الخطابات لتبرير وتأطير ما يقومون به من قسر وتجاوز للتعاقدات الديمقراطية. ففي لبنان هدد حزب الله أكثر من مرة بإعادة إحياء "الحرب الأهلية"، وفي العراق تستخدم تلك القوة العارمة القضاء والجيش ومؤسسات الدولة، أي كل ما استولت عليه طوال السنوات الماضية وحولتها من حيازة عامة مجردة إلى مجرد مؤسسات رديفة، وفي تركيا ثمة ركونٌ جامح لخطاب الأمن القومي ووحدة البلاد وسلامة أراضيه.. وهكذا.

في جميع تلك الأمثلة، تسعى "القوة العارمة" للإفصاح والإقرار بأنه ثمة مجموعة من المصالح ومراكز القوة داخل البلدان، تملك مجموعة من الحقوق والامتيازات وأشكال الشرعية، التي تأخذ مكانة "ما فوق الديمقراطية"، وطبعاً ما فوق الدستور والمساواة في المواطنة والقانون العام. حيث أن أية عملية ديمقراطية ستتوقف تماماً، وربما تُحطم، فيما لو فكرت بتجاوز ذلك الطيف من المحددات. 

في هذا المقام، يبدو أن الديمقراطية التي بلدان مثل بلداننا، التي لم تتشكل على "بنيان الدولة"، هي مجرد ممارسة شكلية فحسب. "بنيان الدولة" الذي ليس مجرد حدود جغرافية وجيوش ومجموعة من الرموز والمؤسسات القهرية، بقدر ما هو التوافق الجمعي على سطوة القيم الديمقراطية وحياد المؤسسات الحاكمة عن أية صراعات داخلية، سواء أكانت سياسية أو أهلية. فذلك العلو للقيم الديمقراطية، وذلك الحياد للمؤسسات الحاكمة، قادرة على فرض نتائج الانتخابات والعملية الديمقراطية على أية جهة ساعية لتجاوزها، كقيمة أو نتيجة. هذا لو كان ذلك "البنيان" موجوداً. 

بهذا المعنى، فإن شرط غياب "القوة العارمة" يجب أن يُضاف منظومة القيم والمعايير الديمقراطية التي تشكل فضاء الحياة الديمقراطية، تلك التي تبدو بوضوح أهم من الديمقراطية نفسها، وغالباً لا ديمقراطية بدونها. مثل المساواة الجندرية بين الذكور والإناث، وعدم التفرقة على أساس العرق والقومية والدين والمذهب، إلى جانب حرية الصحافة واستقلال القضاء.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.