يأمل الرئيس بايدن من جولته الآسيوية الاولى بمحطتيها الرئيسيتين في كوريا الجنوبية واليابان ان يعزز ليس فقط تحالفات واشنطن التقليدية في المنطقة التي تتنافس فيها أكبر ثلاثة اقتصاديات في العالم :الولايات المتحدة والصين واليابان، ولكن أيضا توسيع الرقعة الجغرافية لهذه التحالفات ويطورها من أحلاف عسكرية تقليدية، إلى ائتلاف اقتصادي واسع لمواجهة مصدر الخطر العسكري والتنافس الاقتصادي الأول لدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ : الصين.
التعليقات الصينية القوية الرسمية والإعلامية ضد جولة بايدن وتصريحاته ورسائله الضمنية للصين التي أدلى بها في كوريا الجنوبية واليابان، تبين عمق المخاوف الصينية من سياسية "التحول الى آسيا" القديمة-الجديدة التي أراد أن يعتمدها الرئيس الاسبق باراك اوباما ولكنه لم ينجح بذلك بسبب متطلبات الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، والغزو الروسي الاول لأوكرانيا في 2014.
بعد سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب المتخبطة في آسيا، من "رسائل الحب" على حد قوله التي تبادلها مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون، إلى سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد الصين، إلى اضعاف العلاقات التقليدية مع كوريا الجنوبية واليابان، أراد بايدن فور انتخابه التحضير لهذا التحول الى آسيا، وان كان ذلك على حساب تقليص البروفيل العسكري وحتى السياسي الأميركي في الشرق الاوسط، وإلى حد أقل في اوروبا.
ولكن تحديات كوفيد-19 وتأثيراته السلبية على التجارة الدولية ومعدلات التضخم العالية التي فرضت على الرئيس بايدن تحديات داخلية لم يتوقعها حين انتخابه، والتي تهدد الآن فرص حزبه بالحفاظ على الأكثرية البسيطة في مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية في اكتوبر المقبل فرضت عليه التركيز أولا على الجبهة الداخلية . الاهم من ذلك كان الغزو الكارثي الذي شنّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، والذي خلق تحديات أمنية ضخمة لأوروبا وحلف شمال الاطلسي (الناتو) وأزمة اقتصادية عالمية، تسببت في ارتفاع ملحوظ في اسعار النفط والغاز والمحاصيل الزراعية التي تنتجها روسيا وخاصة أوكرانيا، كلها فرضت على بايدن تخصيص معظم وقته وطاقاته لاحتواء ازمات وتحديات لم يراها عندما وصل الى البيت الابيض في يناير 2021.
خلال زيارته الى كوريا الجنوبية واليابان، أبقى بايدن عينا على متطلبات الجولة الاقتصادية والامنية، وعينا على الجبهة الداخلية وتحدياتها والتي كان آخرها أزمة غير متوقعة ومقلقة سياسيا وانسانيا ورمزيا : النقص الكبير في حليب الاطفال وتركيبات الرّضع، ما دفع ببايدن قبل بدء جولته لتطبيق اجراءات طارئة من بينها استخدام موارد القوات العسكرية، ومن بينها طائرات النقل التي أمرها بنقل شحنات من قناني تركيبات الرّضع من اوروبا الى الاسواق الاميركية، على خلفية ضجيج جوقة المعارضة الجمهورية – وغير الجمهورية – التي تساءلت كيف يمكن للولايات المتحدة ان تجد نفسها في مثل هذا الوضع المقلق والغريب.
أن يبقي بايدن عينه على الوضع الداخلي وهو في سيول وطوكيو ليس امرا مفاجئا او مستغربا عندما يبين استطلاعا للرأي خلال زيارته الآسيوية ان شعبيته قد انحسرت الى 39 بالمئة، وفقا لاستطلاع اجرته وكالة الانباء أسوسييتيد بريس، وهي ادنى نسبة منذ انتخابه، بعد ان كانت 45 بالمئة في منتصف ابريل الماضي، و63 بالمئة قبل سنة. الامر المقلق لبايدن هو ان شعبيته في اوساط الناخبين الديموقراطيين قد انحسرت من 82 بالمئة في 2021 الى 73 بالمئة وفقا للاستطلاع الاخير.
ولهذه الأسباب استخدم بايدن جولته الآسيوية لتحويل بعض مكاسبها الاقتصادية الى رأس مال انتخابي في معركة الانتخابات النصفية. وفي كلمة القاها في سيول، كوريا الجنوبية بحضور رئيس شركة Hyundai العملاقة أثنى بايدن على قرارها استثمار 10 مليارات دولار لبناء مصنع كبير لتقنيات السيارات المتطورة وتصنيع السيارات التي تستخدم الطاقة الكهربائية في ضواحي مدينة سافانا، بولاية جورجيا، وهي الولاية التي فاز فيها بايدن بأكثرية بسيطة، والتي تدور فيها حاليا معركة هامة في الانتخابات النصفية. بايدن اشار الى الفرص الاقتصادية التي سيستفيد منها الكثير من الاميركيين، لان المصنع سوف يوظف 8 الاف عامل اميركي. تحسين العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وسيول أمر بالغ الاهمية للرئيس بايدن، لان الاقتصاد الكوري الجنوبي هو الرابع في شرق آسيا، والعاشر في العالم.
في محطته الاولى، أكد بايدن لكوريا الجنوبية واليابان عودة واشنطن الى سياستها التقليدية تجاه كوريا الشمالية والمطالبة بحظر السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، واستئناف المناورات العسكرية الاميركية-الكورية الجنوبية التي علقها الرئيس السابق ترامب وكان يسعى لإلغائها كليا. بايدن لم يرفض من حيث المبدأ احتمال عقد اجتماع قمة مع كيم يونغ أون، ولكنه قال ان الزعيم الكوري الشمالي يجب ان يؤكد جديته وصدقيته قبل أي اجتماع. وكان بايدن بذلك يشير الى تقارير الاستخبارات الاميركية التي حّذرت قبل جولة بايدن ان كيم يونغ أون قد يستغل الجولة لإجراء تجربة على صاروخ عابر للقارات. كما عرض بايدن على كوريا الشمالية مساعدتها في تلقيح مواطنيها ضد كوفيد-19.
خلال وجوده في طوكيو سيجتمع بايدن مع قادة استراليا والهند واليابان في اطار "الحوار الامني الرباعي" لمواجهة الصين أمنيا، وهو اطار أمني يقلق بيجين، وتحديدا بعد تعزيز نوعية التعاون العسكري بين الولايات المتحدة واستراليا في اعقاب صفقة الغواصات الاميركية التي تسيرها الطاقة النووية والذي اعلن عنه في السنة الماضية .
على الصعيد الاقتصادي يأمل بايدن ان يكون الإعلان خلال زيارته لليابان عن "اطار التعاون الاقتصادي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ" والتي تراه واشنطن بديلا اقتصاديا لاتفاق الشراكة في المحيط الهادئ الذي انسحب منه الرئيس ترامب والتي تعتبر الصين مركز الثقل فيه . ولكن هذا المشروع الاقتصادي المقترح يواجه شكوك اقليمية من الدول التي دخلت في اتفاق الشراكة لأنها كانت ستستفيد من وصولها الى الاسواق الاميركية قبل ان ينسحب منه الرئيس ترامب، ولان اتفاق الاطار الجديد لا يشمل تخفيض واشنطن للتعريفات التجارية امام بضائع هذه الدول.
جولة بايدن بأبعادها الاستراتيجية يمكن ان تزيد من حدة التوتر مع الصين. ولكن هناك احتمال بتحسن في العلاقات التجارية والاقتصادية، اذا قام بايدن كما ألمح بعض مساعديه في الاسابيع الاخيرة بإلغاء التعريفات التجارية التي فرضها الرئيس السابق ترامب على ما قيمته 350 مليار دولار من البضائع الصينية التي كانت تستوردها الولايات المتحدة والتي تشمل المعدات الصناعية والنسيج واللحوم وغيرها.
ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين ان مثل هذه الخطوة سوف تساهم في تخفيض معدلات التضخم التي يقول بايدن ان تخفيضها هو هدفه الداخلي الاول. ويعود تردد بايدن في الغاء هذه التعريفات في السابق الى معارضة نقابات العمال والجناح التقدمي في حزبه لهذه الخطوة وهي من القوى الديمقراطية التي لا يريد بايدن اغضابها. وسوف يضطر بايدن في الاسابيع المقبلة خلال المراجعة القانونية لهذه التعريفات ان يتخذ قراره بهذا الشأن. قبل جولته الآسيوية، قال بايدن " نحن نناقش هذه المسألة الان، ولكننا لم نتخذ أي قرارات بشأنها"
تبين جولة بايدن الآسيوية، كما أظهر الغزو الروسي لآوكرانيا وردود الفعل الغربية عليه، الارتباط الوثيق بين الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية العالمية وبين الاعتبارات والتحالفات الداخلية والانتخابية في الولايات المتحدة، والضغوط التي يواجهها الرئيس بايدن للتوفيق بين هذه التحديات الخارجية والتوازنات السياسية الداخلية داخل حزبه الديمقراطي المقبل على انتخابات نصفية مفصلية.

