معرض فني في لوس أنجلوس
معرض فني في لوس أنجلوس |(تعبيرية) | Source: Frederic J. BROWN / AFP

ليس من المبالغة القول إن قوة الولايات المتحدة قائمة على قدرتها على إدارة ما تواجهه من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، داخلياً وخارجياً، ضمن إطار من الثقة الذاتية بتاريخها وواقعها وصدارتها وديمومتها.

هي "الرواية الوطنية الجامعة" والتي تنضوي على تقييمات مختلفة، بل متباعدة، عند الكثير من تفاصيلها، دون الخروج عن التعويل على حيازتها الإجماع في العديد من مراحلها التاريخية.

وهي حين تفتقد هذا الإجماع، تبقى على التقاء في إجمال اعتبارها عند الحد الأدنى، ليستمر عموم الناظرين إلى تجربة البلاد اجتماعياً وثقافياً، وأدائها سياسياً واقتصادياً، على الاطمئنان إلى أنه ثمة استثنائية لها، داعية للاعتزاز كسجل وتاريخ، وللتفاؤل في النظرة إلى المستقبل.

هو التأكيد على أن مسيرة البلاد هي السعي الدؤوب إلى "وحدة أكثر كمالاً" توازن بين مصالح المواطنين والمبادئ الأساسية التي قامت الولايات المتحدة عليها. الحرية أولاً، سيادة المواطن، العدالة، الحق بالاختلاف.

ربما أن الحديث عن "الرواية الجامعة" هو ضرب من المبالغة في كل حين، في الولايات المتحدة وفي غيرها، على مستوى الأوطان كما الأديان والعقائد. ولكنها المبالغة النافعة، أي التي تسمح بالمحافظة على قدر من التماسك الوطني الملطّف للاختلاف.

غير أنه لا شك أن الاتفاق على الخطوط الأساسية للرواية الوطنية في الولايات المتحدة قد تراجع في العقود القليلة الماضية، في ظل احتدام "حروب الثقافة" حول الإجهاض والمثلية في التسعينيات، ثم في إطار تعدد الرؤى حول كيفية خوض "الحرب على الإرهاب"، وصولاً إلى توالي رئاستي باراك أوباما ودونالد ترامب، وما انضوتا عليه من مناكفات، مرتفعة ومنخفضة، راقية ومبتذلة، صادحة وصامتة.

كل هذا تزامن طبعاً مع تبدّل في طريقة صياغة المعلومة والرأي وتلقيهما، في الولايات المتحدة وفي كل العالم، بعيداً عن منصات الانتشار الواسع أحادية الاتجاه، كالصحف ونشرات الأخبار والبرامج الإذاعية والمرئية، لصالح الاعتماد على وسائل تواصل جديدة لامركزية بتصميمها وأدائها، تفاعلية وانتقائية بأسلوبها ومضمونها، ترفع الرأي الشخصي وتخفض آراء الخبراء، ما ضاعف الوهن في أرضية "الرواية الجامعة"، وأفسح المجال أمام بروز روايات خاصة، لكل منها فرقة على قناعة متراكمة بصحتها وفساد ما يخالفها.

هي حالة فوضى فكرية، ولكنها تسير نحو أقدار من الانتظام، لا بشكل عودة إلى مساحة مشتركة تستقبل الخلاف وتعالجه بالحوار، بل نحو المزيد من التباعد بين كتلتين ثقافيتين كبيرتين في أطوار متقدمة من التشكّل، تمكنت كل منهما من استيعاب العديد من الروايات الصغيرة الخاصة لتصيغ منها نسخة جامعة لصفّها على مواجهة وتضاد إزاء النسخة الجامعة المقابلة.

هذا هو حال الانفصام الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والعقائدي، والذي يتأكد ويتعمّق اليوم هنا، ليرفع من منسوب التحدي الذي يحدّق بمستقبل البلاد ونظامها السياسي.

إلى أمس قريب، كان حال الخلاف الفكري في الولايات المتحدة يحاكي المعنى المطلق للعبارة الطيبة المنسوبة إلى أحد أئمة الإسلام الغابرين والقائلة إن "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي من خالفني خطأ يحتمل الصواب".

الفكر الإسلامي المعاصر، على الغالب، صوناً للقطعية التي ابتغاها ونجح في تحصيلها، حاصر هذا القول وقيّده إلى حد إفراغه من طاقته، وقصَره على الدقائق الفقهية. ثمة قطعية مشابهة صاعدة في الولايات المتحدة أدواتها إزاء الرأي المخالف التسفيه والتكذيب والتسقيم.

لا إقرار لدى المحافظين بأي قيمة في فكر التقدميين، أو لدى التقدميين في فكر المحافظين. فهؤلاء وأولئك في نظر خصومهم إما سفهاء جهلة لا يكنهون اعتلال أقوالهم وسوء عواقبها، أو كذبة حاقدون يسعون في سرّهم ولأغراض مريبة إلى الإضرار بالوطن والمجتمع، وإن زعموا الرأفة والفضيلة في منطوقهم، أو مرضى سقامى أعمتهم أوبئتهم الاجتماعية والنفسية عن استشفاف الحق فتاهوا في نقيضه.

في جميع الحالات، لا حاجة إلى إصغاء صافي النية لأقوال الخصم، بل تصيّد مستمر لما يمكن توظيفه من كلامه في السعي المتواصل إلى نقضه وإسقاطه.

الانفصام الفكري والسياسي في الولايات المتحدة يختزله استقرار نظريتين تسعى كل منها إلى تشريح الماضي وتفسير الحاضر وتشخيص المستقبل. هي "نظرية الأعراق النقدية" لدى التقدميين، وهي "نظرية الاستبدال الكبير" لدى المحافظين.

تجد كل من هاتين النظريتين من يدعم توجهها بالحجج المنطقية والعلمية والتاريخية، غالباً في إطار من الجدلية العالية في بلاغتها ومصطلحها. غير أنه يمكن اختصار كل من هاتين النظريتين إلى نواة مضمونها بما يقترب من تداولها في الأوساط التي تعتنقها.

"نظرية الأعراق النقدية" هي القائلة إن أوجه الظلم والتي يمارسها "البيض" إزاء سائر الأعراق تتجاوز العناوين الكبيرة التي تعترف بها "الرواية الجامعة"، أي الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين عند بدء الاستيطان في العالم الجديد، واستعباد "السود"، ثم التمييز بحقّهم في الولايات الجنوبية، واستهدافهم من جانب الشرطة والقضاء حتى بعد إحقاق الحقوق المدنية.

بل الاستغلال والاستباحة والاستهانة كانت دوماً جزءاً من البنية المادية والمعنوية للدولة والمجتمع في الولايات المتحدة، لصالح البيض دون غيرهم، وهي تشمل كل وجه من أوجه التعاطي مع الأعراق "الملوّنة".

فلا سبيل إلى تحقيق العدالة والسير قدماً إلا من خلال الإقرار بأنه ثمة أفضلية غير مشروعة للعرق الأبيض في كل مجال، والعمل على التخلي عن هذه الأفضلية بشتى أشكال التفكيك وإعادة التركيب. أي لا مجال للحياد هنا، ذلك أن الحياد هو القبول بواقع التمييز.

فإما أن يكون المرء معادياً للعنصرية، يلتزم مقتضى النظرية فكراً وعملاً، أو أن يكون جزءاً من الظلم المتواصل المستتب. ولا قاعدة، لا في العمل ولا في الدراسة ولا في الخدمات، تعلو على هذا المبدأ. فكل حصن من الحصون البيضاء، الشركات الكبيرة بمجالس إدارتها من الأثرياء، والجامعات المتفوقة بطواقهما التعليمية والإدارية، والمدن والأحياء "الراقية" ذات اللون الأبيض الناصع، كلّها تحتاج إلى تفنيد وتفكيك واختراق وتلوين، في خطوات تصحيحية تعويضية عن الإجحاف التاريخي الذي سمح لها أن تتواجد بهذا الشكل الخالي من الألوان ابتداءً.

ربما أن الخطوة التي أثارت أوساطاً عديدة من "البيض" في  مختلف الولايات كانت إقدام بعض الدوائر التربوية المؤيدة لهذه النظرية على إدراج مقتضاها في محتوى المناهج، وصولاً إلى "تعليم" التلاميذ "البيض" ضرورة الاعتراف بالذنب الأبيض والأفضلية البيضاء وذم تاريخ العنصرية البيضاء، وتخصيص فسحات "آمنة" للأطفال من ذوي البشرات الملوّنة لتجنب التنمّر الأبيض.

هل يمكن بالفعل توثيق استمرار الاستغلال والتمييز بحق السود خاصة والملونين عامة على مدى مراحل تاريخ الولايات المتحدة؟ الجواب موضوعياً هو بالإيجاب الأكيد، بل ثمة أبحاث مستفيضة حول استمرار كبح المواطن الأسود من خلال توظيف الأنظمة المرعية ولا سيما منها المحلية للتمييز بحقه. ولكن السؤال الأهم اليوم هو حول نجاعة أسلوب المعالجة والتصحيح، وصوابية استهدافاته، وحول مخاطر تحقيقه النتائج العكسية.

في المقابل فإن "نظرية الاستبدال الكبير" هي القائلة إن الولايات المتحدة، بل كافة الدول "البيضاء"، تواجه حتمية الزوال ما لم يجرِ التصدي للتحول العرقي والسكاني والاجتماعي والحضاري، والجاري قدماً على شكلين.

الشكل الأول هو من خلال دخول أعداد غفيرة من المهاجرين الوافدين الذين لا يشاطرون أهل البلاد قناعاتهم وأعرافهم وعاداتهم، بما يفتّت الواقع الاجتماعي وينشأ تجمعات سكانية مغايرة للحال السابق، غالباً بمنحى استنزافي طفيلي يطال موارد الوطن. والشكل الثاني هو من خلال تذويب منظومة القيم والتعدي على القناعات السائدة واستبدالها بأخرى تفرضها عليها نخب إعلامية وثقافية واقتصادية منقطعة عن عموم الجمهور.

المستهدف هو تاريخ البلاد وقادتها. بل المستهدف هو العرق الأبيض برمّته بصفته حاوياً وحاملاً للشر، كما تجاهر به "نظرية الأعراق النقدية". والسعي إلى "تغييب" الرجل الأبيض جارٍ باندفاع واضح. فعلى مدى الإعلام والإعلان، والأفلام والمسلسلات وغيرها، يكاد هذا الرجل الأبيض أن ينقرض. الأسرة البيضاء، أي بزوج وزوجة وأطفال من البيض، هي الغالبة في الواقع الاجتماعي. أما على الشاشات الكبيرة والصغيرة، فالطاغي هي الأسر المختلطة، حيث الزوج من الملوّنين، وإذا كان ثمة رجل أبيض هنا أو هنالك، فهو الشرير الذي تحتاجه الحبكة والرواية. في حين أن خصوم نظرية الاستبدال الكبير يسخّفون طروحاتها ويطعنون بطارحيها، فإن الجمهور الذي يستقبلها يرى للتوّ مقتضاها على شاشاته ويسمعها في أدبيات الصف المواجه له، ويتأملها في سلوكيات الحشود الملوّنة زمن الاحتجاجات وما يتعداها.

بطبيعة الحال، الخشية والخوف والريبة تدفع إلى اختزالات نحو التهويل والاستعلاء لدى الجانبين. ولكن ما لا يمكن إنكاره اليوم هو أن المجتمع في الولايات المتحدة يعاني من شروخ تتسع باتجاه المزيد من الاستقطاب الذي ينهك "الرواية الوطنية" ويعرض الوحدة الوطنية والقرار الوطني والقوة الوطنية للتراجع.

ربما أن الأقرب للصواب هو التخلي عن إصرار الصفين على إسقاط النظرية المعادية له على أنها رجس يسقط من تلطّخ بأي شق منها سقوطاً لا قيامة له منه بعدها. في "نظرية الأعراق النقدية" حقّ جلي حول مظلومية تاريخية وأخرى حاضرة، وفي "نظرية الاستبدال الكبير" توصيف صادق لواقع يتأكد.

وفي الحالتين، ثمة غلو في تبيّن المحركات، وفي استشفاف النتائج، وفي التخطيط للردّ. على أن عدم التعاطي البناء مع مقومات هاتين النظريتين يؤدي إلى استئثار المتشددين بكل منهما، بما يبالغ من حدة الطرح والمقتضى، وبما يتيح إدخال عناصر ومقومات لمضاعفة الأذى. وفي كل من الحالتين الإصرار المتشدد هو على افتراض المكيدة والشر لدى الطرف المتّهم، بل كذلك إضافة طرف خفي ممسك بخيوط المؤامرة لتحقيق أهداف منحطّة.

كان المتوقع أن يسعى الرئيس جو بايدن إلى معالجة هذا الموضوع الهام. لم يحدث. بايدن نفسه أبدى بعض المواقف التي تنمّ عن تقديره لجسامة الأمر. ولكن انشغالاته حالت دون السير باتجاه تنفيذ وعده بأن يكون رئيساً جامعاً. بالفعل، ما على بايدن معالجته من قضايا اقتصادية وأخرى أمنية، محلياً وعالمياً، يبدو متجاوزاً لقدرات الرجل، أو لإحسان الظن به، عند حدود طاقاته. والفريق المحيط به لم يرتقِ إلى اليوم إلى المقام المتوقع.

ولكن مهما شقّت المهمة، فإن تراجع الرواية الوطنية الجامعة وبروز الطروحات التي تقسّم الولايات المتحدة مسألة تتطلب عناية عالية، من بايدن وطاقمه ومن كل من هو في موقع المسؤولية السياسية والفكرية هنا، وإلا فالعاقبة لا محالة هو للأسوأ.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.