مزارع مصري يحصد القمح قرب الجيزة
مزارع مصري يحصد القمح قرب الجيزة (تعبيرية)

في تزامن لافت وجّهت الحكومات في مصر والجزائر وتونس والسودان دعوات لإجراء حوار وطني لا يمكن فصله عن تراكم الكثير من الأزمات في هذه البلدان، ونتيجة دور مصر المحوري في كامل الإقليم فإن الحديث عنها يعطي فكرة عن الوضع في بقية الدول وعن الاتجاه الذي ستسير عليه الأحداث.

 ففي مصر تم توجيه دعوات إلى عدد من السياسيين والشخصيات العامة والأحزاب لإجراء جلسات حوار وطني تجاوب معها البعض بينما رفضها البعض الآخر، وكان أوّل أسباب التحفّظ على هذه الدعوة أن الجهة التي أوكل إليها الإشراف على هذا الحوار هي الأكاديمية الوطنية للتدريب، وهي هيئة شبابية اقتصادية الطابع، بينما حسب تركيبة السلطة في مصر لو كان الحوار سياسيا وجادّا لكان من المفروض أن يكون مع ممثلين عن مؤسسة الرئاسة. 

كما أن الدعوة كانت غامضة وبمفردات مطّاطة لم تتضمن مواضيع الحوار أو الهدف منه أو الجدول الزمني لبدايته ونهايته أو درجة الإلزام التي تترتّب على مخرجاته، كما غابت المصارحة حول الأسباب الحقيقية التي دعت الدولة للقيام بهذه الخطوة.

فبينما يرى أغلب المتابعين للشأن المصري أن سبب هذه الدعوة هو الأزمة الاقتصادية الصعبة التي تمرّ فيها مصر وما نجم عنها من غلاء الأسعار وانخفاض مستوى المعيشة وتزايد الاستياء الشعبي، تقول الحكومة والإعلام الرسمي إن سبب الدعوة إلى هذا الحوار أن الدولة قد وصلت إلى مرحلة التمكّن بعد نجاحها في القضاء على الإرهاب، رغم أن اعتقال الكثير من الأشخاص بسبب كتابة بوست على مواقع التواصل الاجتماعي أو تسجيل على اليوتيوب لا يوحي بوجود قوة أو تمكّن. 

كذلك غابت المصارحة في تحديد السبب الرئيسي لهذه الأزمة الاقتصادية، حيث تصرّ الحكومة على أنها أزمة عالمية سببتها جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، ولذلك يبالغ الإعلام الرسمي في وصف مضاعفات هذه الحرب ويقول إنها خلقت أكبر أزمة شهدها العالم منذ قرن كما يهوّل في وصف معاناة بعض الشعوب منها خاصة في دول الغرب.

ورغم وجود آثار سلبية غير قليلة لهذين الحدثين على الاقتصاد العالمي، إلا أن السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية في مصر هو حجم المديونية الكبير وعجز الموارد المحلية عن سداد أقساط وفوائد هذه الديون، وسبب هذا العجز أن أغلب هذه القروض لم يتم استثمارها في مشاريع إنتاجية تدر عائدات بل استخدمت في بناء طرق وجسور وضواحٍ سكنية، ولم يذهب منها إلى تنفيذ مشاريع إنتاجية سوى جزء بسيط. 

كما تم تنفيذ هذه المشاريع عبر القطاع العام ممثّلًا بالجيش رغم أنه لم يعد هناك خلاف حول فشل هذا القطاع في إدارة الاقتصاد والذي تأكّد في إنهيار الاتحاد السوفييتي، ولذلك تعتمد أغلب اقتصاديات الدول الناشئة على القطاع الخاص بما فيها الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي.

كما تمّ تنفيذ هذه المشاريع في غياب أي إشراف أو رقابة شعبية كما يحدث في الدول الديمقراطية، واحتارت الحكومة في كيفية تبرير الأزمة المعيشية، فمرّة تلقي بالمسؤولية على التزايد السكاني مع أن الصين والهند وإندونيسيا وبنغلادش، والتي تشهد معدلات نموّ مرتفعة فيها أعداد سكان أكبر بكثير من مصر، ومّرة تلقي باللوم على الحكام السابقين والبلد المتهالك "الكهنة" الذي تركوه من أجل التمسّك بكرسي الحكم. 

ومن ناحية أخرى، فإنّ الدعوة للحوار قالت إن الهدف منه تحديد "أولويّات" العمل الوطني، وكلمة أولويّات توحي بتكرار لما كان يقوله الرئيس السيسي طوال السنوات الماضية في ردّه على الضغوط الدولية لتحسين حقوق الإنسان في مصر، بأن حقّ الإنسان بالغذاء والصحة والتعليم له الأولوية على حقّه بالحرية.

وبعد ثماني سنوات من هذا الترتيب للأولويات والتضحية بالحرية لم يرتفع مستوى معيشة المصريين بل تدهور، ويمكن ملاحظة تجاهل أهميّة الحرية السياسية في الموقف الرسمي الذي يعتبر أن استمرار حكم مبارك لثلاثين عامًا أمر طبيعي، بينما كان للتظاهر والتحتجاج ضده مخاطر جسيمة، وأنّه "لولا لطف الله لكانت مصر ضاعت" ليس نتيجة حكم مبارك بل نتيجة ثورة يناير!. 

وبعد الإعلان عن الحوار الوطني حرص الإعلام الرسمي على ترديد أي حديث عن التعديلات الدستورية التي تسمح ببقاء الرئيس السيسي في الحكم حتى عام 2030 أو أي انتقاد لأحد قراراته تطاولًا على الدولة المصرية، كما تحدّثت تقارير صحفية عن منع المعارضين من الظهور على قنوات الإعلام الرسمي، وحتى تتواضع طلبات هؤلاء المعارضين يقوم الإعلام بشكل منتظم بالتقليل من شأنهم ومن حجم أحزابهم، بل أن الدعوة نفسها قد حددت بأن المطلوب من الحوار تقديم الدعم والمساندة للقيادة السياسية. 

وفي صيغة الدعوة تبدو الحكومة وكأنّها تعتبر المعارضين المدعويين للحوار هم "أمّ الصبي" التي يجب أن تكون الأكثر حرصًا على مصلحة الوطن، فتطلب منهم تقدير الظروف الصعبة التي تعاني منها مصر والقبول بما يعرض عليهم بينما لا تطلب الحكومة من نفسها أي شيء، وذلك لأنها لم تقل في أي مناسبة طوال السنوات الثماني الماضية أنها أخطأت في معالجة أي قضية من القضايا، بل إنها تصوّر السنوات الثماني الماضية وكأنها سلسلة متواصلة من الإنجازات رغم أن المواطن لم يلمس سوى أزمات لم يسبق لها مثيل، وكل ما تعرضه الحكومة هو إطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين بما يوحي بأنها تتعامل معهم وكأنهم رهائن يتوقف إطلاق سراحهم على درجة تجاوب المعارضين مع الدعوة للحوار. 

وهناك انطباع عام عند الكثير من المعارضين بأن ما تريده الحكومة من هذه الدعوة مشاركة شريحة واسعة من السياسيين والشخصيات العامة في تحمّل مسؤولية الأزمة الاقتصادية والمعاناة الشعبية الناتجة عنها، وتحسين صورة مصر الخارجية بما يسمح لها بالحصول على المزيد من القروض والمساعدات الدولية ودخول الاستثمارات الخارجية، وهذه دوافع تبدو انتهازية، لأنها تختلف عمن يدعو للحوار من أجل مصلحة البلد أو من يطلق سراح المعتقلين السياسيين لأنه يتعاطف مع معاناتهم ومعاناة عائلاتهم. 

أمًا موضوع دخول القطاع الخاص المحلّي أو العالمي للاستثمار في مصر فإنه يستلزم وجود دولة قانون وهي دولة مختلفة جوهريًا عن الدولة الأمنية، كما لا يساعد على دخول استثمارات خارجية وجود رجال أعمال في السجن منذ سنوات ليس بإمكان أحد سماع وجهة نظرهم حول ملابسات وأسباب اعتقالهم، ومن أجل ذلك قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية تسيء استخدام قوانين مكافحة الإرهاب وتحتجز رجال أعمال بشكل تعسّفي. 

كما أن الدعوة تقول إن جلسات الحوار ستعقد في مختلف مناطق الجمهورية ثم سترفع مخرجات الحوار إلى الرئيس ثم سيتم عرضها على البرلمان ومجلس الشيوخ، أي أنها ستأخذ وقتا طويلا بما يبدو استمرارا لسياسة كسب المزيد من الوقت مع المواصلة في دعوة الشعب إلى الصبر والتحمّل سنة وراء أخرى مع وعود بازدهار اقتصادي قريب على طريقة "طبخة البحص" التي لا تنضج أبدا.

وهذا يؤكّد على أن الحكومة المصرية ما زالت تتصرف حتى الآن وكأنها أمام أزمة عابرة ذات طابع اقتصادي بينما هي أزمة عميقة يرتبط سببها الرئيسي بطبيعة النظام السياسي وغياب الحريّات والاستفراد في صنع القرارات الاستراتيجية. 

أما من ناحية المبرّر الأخير الذي تستخدمه بعض الأوساط القريبة من الحكومة المصرية لاستمرار الحكم الفردي وهو أن الديمقراطية ليست مجرّد صناديق اقتراع بل ثقافة ديمقراطية مجتمعية عميقة غير متوفّرة في مجتمعاتنا حالياً وأن الانتخابات، إذا حدثت اليوم، فلن تأتي سوى بالإسلاميين فهو موضوع المقال المقبل.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!