"فجبران وإن كان فقد جزءاً من كتلته النيابية، لكن هزيمته لم تكن ساحقة"
"فجبران وإن كان فقد جزءاً من كتلته النيابية، لكن هزيمته لم تكن ساحقة"

من الصعب على معظم اللبنانيين، وعلى كثيرين غير لبنانيين، تحمّل فكرة أن يكون جبران باسيل رئيساً للجمهورية خلفاً لعمه ميشال عون. لكن الأمر وارد جداً، وبحسب آخرين هو مرجح! ذاك أن الناخب الأول في لبنان هو "حزب الله"، وهذا الأخير لن يجد رئيساً أفضل من باسيل يصرف له مهمته.

كل ما عدا ذلك هراء بهراء، وأي مواجهة يجب أن تقدم مهمة منع باسيل من تحقيق هدفه.

جبران باسيل على رغم كل ما شهدته مسيرته السياسية من فضائح وفشل وفساد وارتهان ما زال يراهن على أن يصبح رئيساً للجمهورية.

تراجع كبير في نسبة التصويت له في الانتخابات، والكهرباء التي تولى ملفها منذ أكثر من عشر سنوات صارت حلماً يستحيل تحقيقه، وانتفاضة اللبنانيين في ١٧ تشرين كان جبران شيطانها، والتيار الذي ورثه عن عمه تشظى وانفض عنه كثيرون، والإدارة الأميركية استهدفته بعقوبات هو ومساعدين له، والرجل غير مرحب به في معظم دول العالم، باستثناء روسيا وايران، ورغم كل ذلك، لجبران حظوظ في أن يصبح رئيساً لجمهورية البؤس اللبنانية.

لكن على المرء، وقبل أن يباشر في تفسير السبب الحقيقي لهذا "الصمود" التاريخي لرجل مثل جبران باسيل، عليه أن يمر على حقيقة النظام الطائفي الذي يوفر طبقات من الحمايات لهذا النوع من الأشخاص.

فجبران وإن كان فقد جزءاً من كتلته النيابية، لكن هزيمته لم تكن ساحقة، وحزب الله الذي أمده بأصوات وبمقاعد لم يكن ناخبه الوحيد، وثمة لبنانيون آخرون أوصلوه أيضاً، وهؤلاء هم جزء من قطعان أفرزها النظام الطائفي.

والحال أن إيصال جبران إلى بعبدا ليس طموحه لوحده، ومن المرجح أن يباشر حزب الله شق طريق الصهر إلى المقعد الذي أجلس الحزب به عمه قبل نحو ست سنوات.

نعم، لقد باشر الحزب المهمة في يوم الانتخابات، أي يوم بذل جهوداً هائلة لرأب الخسارات المحتملة لربيبه المسيحي، وبعد الانتخابات وتحديداً في خطبة نصرالله الأخيرة.

لا بل أن نتائج الانتخابات التي خسر فيها الحزب الغالبية التي كانت بحوزته قبلها، جعلت من مهمة إيصال جبران ملحة، ذاك أن مشهد البرلمان لن يكون ذاته، وأمام الحزب خصوم لن يكون سهلاً عليه تمرير نفوذه وسطوته في ظل وجودهم، من دون تحصين نفسه برئيس من خامة باسيل.

لكن المؤشر الأوضح على الفراغ الذي ينتظرنا، هو العبارة الصريحة والواضحة التي قالها عمه الرئيس وهي: "لن أسلم إلى الفراغ". إذاً الخطة تقضي بأن يعطل ميشال عون تشكيل حكومة جديدة وأن يبقى في القصر بانتظار أن ينجز حزب الله إخضاع حلفائه وخصومه على نحو ما فعل في عام ٢٠١٦.

العودة إلى تعطيل المؤسسات ستكون أول طريق جبران إلى قصر بعبدا. قد يبدأ التعطيل من مجلس النواب نفسه، فانتخاب نبيه بري رئيساً لن تكون مهمة سهلة، لكنها على رغم ذلك أهون المهام. سيليها تسمية رئيس الحكومة ومن ثم تشكيلها، وهذه كلها فرص لن يبددها الحزب، في سبيل تحقيق الفراغ.

وحزب الله سيلعب ورقة أنه لم يعد الغالبية في سياق توزيع المسؤولية عن الفراغ، ونبيه بري الذي قد لا يخضع لخيار جبران، سيمرر للحزب التعطيل والانتظار. لكن تعليق المؤسسات سيترافق مع تواصل الانهيار ووصوله إلى مستويات غير مسبوقة.

سيقول حزب الله للبنانيين: "يا جبران يا الفراغ (إما جبران أو الفراغ)". هذا تماماً ما فعله عندما أوصل ميشال عون إلى بعبدا. سنتان أمضاها اللبنانيون من دون رئيس ومن دون حكومة ومن دون مؤسسات.

المهمة ملحة هذه المرة أكثر، إلا أنها صعبة فعلاً، فحلفاء الحزب الآخرين، وأركان النظام ممن أوصلوا ميشال عون إلى بعبدا، لن يكون سهلاً عليهم هضم جبران. نبيه بري ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية، وقبلهم طبعاً سمير جعجع، لن يستجيبوا لحاجة الحزب هذه المرة.

إذاً لا بديل يلوح سوى الفراغ، وأمين عام حزب الله، حسن نصرالله، سيملأ هذا الفراغ بخطبه وبالمهام المستجدة في "جمهورية المقاومة" ولعل أبرزها "الكنز" الذي شرع يخبرنا عنه والمتمثل في حقول الغاز التي يحتاج لبنان لكي يحميها إلى مزيد من "سلاح المقاومة".

لكن بيع الأوهام هذه المرة سيكون مترافقاً مع كارثة موازية، فالدولار سيواصل صعوده وإفلاس الدولة سيفضي إلى تحلل ما تبقى من خدمات على كل المستويات، وسنمضي أياماً لم نعهد مثلها، وها نحن باشرنا ذلك على كل حال. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!