حُسم الأمر، وانتهى الرهان على "ترميم" الخلافات، وإغلاق ملف ما سُمي بقضية الفتنة، بعد أن أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، موافقته على تقييد حركة واتصالات أخيه الأمير حمزة.
إذاً قرار الملك المؤجل منذ شهر ديسمبر الماضي أصبغ شرعية قانونية على إجراءات، وتدابير للحد من حركة الأمير واتصالاته، وأنهى الاحتمالات التي كانت تُشاع عن قرب صدور عفو عام يخرج بموجبه رئيس الديوان الملكي الأسبق، باسم عوض الله، والشريف، حسن بن زيد، من السجن، وفتح الباب واسعا لاتخاذ الملك إجراءات لاحقة ضد الأمير إذا لم يلتزم الصمت، واستمر في إثارة الانتقادات ضد نظام الحكم، ولا يبدو سيناريو تجريد الأمير من لقبه مُستبعدا، بعد تذكير الملك في رسالته القاسية التي نشرتها وسائل الإعلام أنه من يمنح الألقاب، ويستردها بموجب أحكام الدستور.
رسالة الملك التي وجهها للأردنيين، وتضمنت الموافقة على توصية المجلس المُشكل بموجب قانون الأسرة المالكة، غير مسبوقة منذ توليه سلطاته الدستورية، وتضمنت اتهامات للأمير حمزة لم تُستخدم من قبل، ولم يُفصح عنها رغم مرور عام على الأزمة.
في تفاصيل الرسالة ملاحظات تستحق التوقف، والقراءة في دلالاتها، ومحاولة تفسيرها، فالملك يصف ما حدث بأنه صفحة مظلمة في تاريخ الأردن والهاشميين، ويأمل أن تكون قرارته تطوي الصفحة، متأملا أن يدرك الأمير حمزة خطأه، ويعود لصوابه.
الأمير حمزة برأي الملك يتلاعب بالحقائق والأحداث لتعزيز روايته الزائفة، وهو يحاول الظهور كضحية، وبأنه مُحارَب ومُستهدَف، لكن الأكثر خطورة إشارات العاهل الأردني إلى أن الأمير حمزة طامح في السلطة والحكم، رغم ادعائه "قبول القرار الدستوري بإعادة ولاية العهد إلى قاعدتها الدستورية الأساس"، وهنا تكشف الرسالة أن الاقتراح الوحيد الذي قدمه الأمير حمزة كان "توحيد الأجهزة الاستخبارية للقوات المسلحة تحت إمرته".
القضية الثانية، التي لا تقل خطورة في رسالة الملك، أن الأمير حمزة على علم بلجوء الشريف حسن بن زيد إلى أبواب سفارتين مُستفسرا عن إمكانية دعم بلديهما في حال حدوث تغيير في الحكم.
والملاحظة الثالثة عدا خطاب المظلومية الذي يُقدمه الأمير، والتصريحات الاستعراضية التي يحاول توظيفها لبث اليأس، والخطاب العدمي حسب ما جاء في الرسالة، فإنه يُقدم نفسه كمنقذ، ومخلص للشعب الأردني، باعتباره وحده من يمتلك إرث الراحل الملك الحسين.
توقيت رسالة الملك عبد الله بعد عودته من زيارته الثانية لواشنطن، ولقائه الرئيس الأميركي، جو بايدن، كان مُثيرا للجدل، وهناك من طرح أسئلة ذات أهمية حتى وإن كانت من قبيل التكهنات، وعلى رأسها؛ هل بُحثت قضية الأمير حمزة في واشنطن؟ وهل أبلغ الملك الإدارة الأميركية بالإجراءات التي ينوي اتخاذه بحق أخيه؟ خاصة أن توصية مجلس العائلة قديمة ومُعلقة، وماذا كان رد فعل وموقف البيت الأبيض؟
باعتقادي، منذ بدء الأزمة قبل عام تعاملت الإدارة الأميركية بشكل واضح أن هناك عنواناً واحداً في الأردن يتعاملون معه، وهو الملك عبد الله الثاني، وإدارة الرئيس بايدن على عكس إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، لا يمكن أن تراهن، أو تقبل العبث، أو الاقتراب من نسيج الحكم في الأردن، ولهذا فإن المعلومات التي توافرت منذ اليوم الأول لقضية "الفتنة" تسربت، وقدمت للأجهزة الاستخباراتية الأردنية من واشنطن مباشرة، ووصفها البعض بأنها تصفية حسابات، وفضح لما كانت تفعله إدارة ترامب في الغرف المغلقة مع شركائها في المنطقة.
هناك من يُشيع أن الملكة نور والدة الأمير حمزة تملك تأثيرا، وتتحرك في واشنطن لحشد التأييد لقضية نجلها، والضغط على الملك لوقف كل الإجراءات المتخذة ضده، بما فيها التعامل مع الاتهامات بأنه قيد الإقامة الجبرية منذ عام، والسماح له بالسفر، والتنقل بحرية.
الوقائع على الأرض تُظهر أن حدود حركة الملكة نور تتجلى في الفضاء الإلكتروني، وأول تعليق لها بعد رسالة الملك تغريدة تقول فيها "هناك أمور عجيبة، وأغرب من الخيال يتم تداولها".
ما لم تحدث مفاجآت على غرار رسالة الأمير قبل شهر ونصف بالتخلي عن لقبه، فإن ملف قضية الفتنة لن يشهد تصعيدا، وسيأخذ طابع التهدئة والهدنة، وسيُطوى بانتظار "مصالحة" محتملة في القريب أو البعيد.
أثار متضامنون على منصات التواصل الاجتماعي دستورية الإجراءات التي اتخذت بحق الأمير، وترافقت مع أسئلة قانونية تُناقش الطعن في القرار بتقييد حركته واتصالاته، والإجابة التي سمعتها من قانونيين، أن القرار من أعمال السيادة، ولا يخضع للطعن، وأن جهات إنفاذ القانون ستُكلف بتطبيقه، وهي مفوضة بترسيم حدوده.
وفي الاتجاه المعاكس هناك من يرى في الأوساط الحقوقية أن الحريات الشخصية مُصانة في الدستور، ولا يمكن تقييدها، مذكرين أن الأردن ملتزم بمعاهدات واتفاقيات دولية صادق عليها، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لا يبدو النقاش الحقوقي والقانوني على رأس اهتمامات السلطة السياسية في البلاد، ولا تظهر في الأفق تدخلات سياسية خارجية تُشكل حالة ضغط على الدولة الأردنية تدفعها إلى مراجعة إجراءاتها ضد الأمير، فالمؤشرات حتى اللحظة أن العالم ينظر لها باعتبارها شأنا أردنيا داخليا، وأكثر تفصيلا شأنا داخل الأسرة المالكة يتجنبون التدخل فيه.
بعد سنة من عمر قضية الفتنة يستدعي مقربون من القصر الملكي مقارنة بين الأمير الحسن الذي عُزل من ولاية العهد بعد 34 عاما على اختيار الراحل الملك الحسين له، وكيف انصاع للرغبة، والإرادة الملكية، وخرج من المشهد السياسي بهدوء، ووقار، وفضّل أن يظل "كبير العائلة" الملكية، وحكيمها، ومقدما نفسه على أنه "مُفكر" مُنشغل في تقديم حلول لأزمات الداخل الأردني، والعالم العربي، وهؤلاء يرون أن الأمير حمزة لم يفعل ما فعله عمه الأمير الحسن، ولم يُقدم نموذجا في الانضباط، ودخل في مكاسرة مع الملك مُعلنة، وغير مُعلنة، وقدم نفسه على أنه الوريث الوحيد لأبيه الحسين، والمُنقذ للأردن من أزماته، وتصرف كمعارض وسياسي، وبقي يحتفظ بمكانة "الأمير" وامتيازاته.
لا يمكن الإنكار بأن الأمير حمزة يحظى بحضور، ويتمتع بتعاطف، وكلما واجهت البلاد تحديات وتكشفت قصص وقضايا مثيرة للجدل والالتباس، كانت فرصة الاستثمار بها وتكبيرها وتعظيمها أسهل، وكلما وجد بسبب هذه المعطيات مناصرين ومناصرات يرونه المُخلص.
بعد رسالة الملك علت أصوات عشائر أردنية تُجدد البيعة، والدعم للملك، وولي عهده، فهم قوة وخزان للنظام، وهناك خطوط حمراء لا يُسمح بالاقتراب منها وتجاوزها، ومنها لعبة الاستقطاب في الداخل والهوامش من المناصرة في الفضاء الإلكتروني تمرر، ويُغض النظر عنها في كثير من الأحيان، ما لم يكن هناك فعل، وتحرك على الأرض.
مرة أخرى، الفيصل في مقاربتنا وفهمنا وموقفنا، هو الدستور، وهو واضح لا يسمح بتعددية مرجعيات في الحكم، وفيه رأس واحد للدولة هو الملك، ولا يجوز المساس أو الاقتراب من شرعيته.
نختلف أو نتفق في التفاصيل، وننتقد آليات إدارة الحكم، وتبقى المسطرة الناظمة لكل هذا الجدل هو الدستور، ومن لا يعجبه، فهو ليس مقدسا، ويمكنه الحشد لتعديله سلميا، وبالطرق الديمقراطية المنصوص عليها وفق أحكامه، وكل كلام خارج هذه المظلة والقواعد آثم، ونعارضه ولن نصفق له، فالملك هو الملك، ويبقى الملك رأس الدولة، وما عداه لا وجود لهم ولا أثر لهم في الدستور.

