إسرائيل تتهم حزب الله بنقل أسلحة من إيران إلى لبنان. أرشيف
اللبنانيون يتعاملون مع حزب الله كقوة أمر واقع

من حيث المبدأ، لا توجد سلطة في العالم أهم من سلطة مجلس الأمن الدولي، حيث تجتمع القوى العظمى تحت رايات الشرعية والقانون الدوليّين.  

ولكن، من حيث الممارسة، لا توجد سلطة أوهن من سلطة هذا المجلس، بحيث تعمد دول وتنظيمات ضعيفة بالمقارنة مع قوّة الدول التي يتشكّل منها، إلى تمزيق ما يصدره من قرارات والسخرية ممّا يصدره من بيانات. 

وهذا الواقع، تعرفه شعوب كثيرة في العالم، وتتلمّس نتائجه، ومن بين هذه الشعوب يبرز الشعب اللبناني، بطبيعة الحال. 

وفي الخامس والعشرين من مايو الجاري، أصدر مجلس الأمن، بإجماع أعضائه، بياناً تضمّن "ورقة طريق" خاصة بلبنان، لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية التي كانت قد انتهت في الخامس عشر من هذا الشهر، ولكنّ غالبية اللبنانيين تصرّفوا معه كأنّه لم يكن، وركّزوا اهتمامهم على مضمون كلمة ألقاها، في مساء اليوم نفسه، الأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله الذي وضع، بدوره، "ورقة طريق" خاصة بمرحلة ما بعد هذه الانتخابات. 

نظرياً، قوّة "حزب الله" السياسية والعسكرية والمالية والأمنية والقانونية، لا قيمة لها، بالمقارنة مع القوة التي يتمتّع بها مجلس الأمن الدولي، ولكن، عملياً، فإنّ اللبنانيين، كما علّمتهم التجارب "من كيسهم"، يتعاطون مع "حزب الله" كقوّة واقعية، فيما يتعاطون مع مجلس الأمن الدولي كقوّة افتراضية. 

واللبنانيون، في ما يذهبون إليه، لا يجانبون الحقيقة، وقد أصبحوا جزءاً لا يتجزّأ، من تيّار عالمي بدأ يدعو، بإلحاح، إلى إعادة النظر، في وضعية هيئة الأمم المتحدة عموماً ومجلس الأمن الدولي خصوصاً، بعدما ثبت أنّهما ليسا عاجزين عن حماية السلم والأمن الدوليين، فحسب بل عن فرض احترام ما يصدرانه من قرارات وبيانات أيضاً. 

"ورقة الطريق" التي وضعها مجلس الأمن الدولي في بيانه الأخير للبنان، على الرغم من قوّة مضامينها وتلاقيها مع إرادة غالبية اللبنانيين، عجزت عن جذب الجدّية اللازمة، لأنّها تكرّر ما كان قد ورد في بيانات سابقة من دون إقرار آلية تنفيذية، سوى إفهام اللبنانيين أنّهم، في حال عدم الإلتزام، لن يحصلوا على المساعدة الدولية اللازمة لإخراجهم من الجحيم الذي جرى رميهم فيه. 

وطالب بيان مجلس الأمن الأخير بوجوب تحقيق الآتي: 
1-تنفيذ سياسات ملموسة للنأي بالنفس عن أيّ صراعات خارجية كأولوية مهمة، كما ورد في الإعلانات السابقة، ولا سيّما إعلان بعبدا للعام 2012. 

2-تشكيل سريع لحكومة شاملة وتنفيذ عاجل للإصلاحات الملموسة المحددة مسبقاً(...) من شأنها أن تمكّن من إبرام سريع لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، للإستجابة لمطالب اللبنانيين. 

3-الانتهاء بسرعة من إجراء تحقيق مستقل ونزيه وشامل وشفاف في انفجارَي مرفأ بيروت. 

4-التأكيد على الدعم القوي لاستقرار لبنان وأمنه وسلامة أراضيه وسيادته واستقلاله السياسي، بما يتفق مع قرارات مجلس الأمن 1701 (2006) و1680 (2006) و1559 (2004) و2591 (2021). 

من يقرأ هذا البيان، يصرخ منتشياً مستعملاً تلك العبارة الفرنسية الشهيرة:" ماذا يريد الشعب ؟" 

ولكن من يضع هذا البيان على "المشرحة" يكتشف الآتي: 

مزّق "حزب الله" "إعلان بعبدا"، بعد أيّام قليلة على صدوره بإجماع اللبنانيين، ووجّه مقاتليه إلى سوريا، وخبرائه الى اليمن، بأمر من "الحرس الثوري الإيراني". 

شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري النّهج الذي تمّ على أساسه التعامل مع القرار 1559، الأمر الذي ألغاه وسائر القرارت الدولية، شيئاً فشيئاً، من الأدبيات السياسية اللبنانية. 

أحبط "حزب الله" التحقيقات في ملف تفجير مرفأ بيروت، ووجّه تهديدات الى المحقق العدلي "المغلولة يداه" طارق البيطار، ورشّح، بالتحالف مع "حركة أمل"، شخصيتين صدرت يحقهما مذكرتا توقيف في القضية، وأعادهما على "حصان أبيض" الى المجلس النيابي. 

نقطة وحيدة يلتقي بها "حزب الله" مع بيان مجلس الأمن الدولي، وإن اختلفت أهدافهما، وهي "تشكيل حكومة شاملة للجميع".  

المجلس يريدها من أجل الإسراع في تنفيذ "الإصلاحات الملموسة المحددة مسبقاً التي من شأنها أن تمكّن من إبرام سريع لاتفاق مع صندوق النقد الدولي"، أمّا "حزب الله" فيريدها من أجل أن توفّر "غطاء شرعياً" لسلاحه الذي يتمسّك به ولتغطية الأدوار الإقليمية التي يقوم بها. 

ولذلك، فإنّ "خريطة طريق" مجلس الأمن الدولي مرّت على اللبنانيين "مرور الكرام"، فيما انكبّ كثيرون على درس "الخريطة" التي قدّمها، في اليوم نفسه، الأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله. 

نصرالله واضح في ما يريده، وفي ما يُسخّره من القوّة التي يملكها من أجله، فهو يدعو "خصومه السياسيين" إلى "الشراكة والتعاون" على قاعدة توفير حاجات اللبنانيين، وإهمال كلّ المطالب المتّصلة بسلاحه، على اعتبار أنّه من قبيل "انعدام المسؤولية" الإلتهاء عن الخبز والكهرباء والدواء "بالحكي عن جنس الملائكة"، ومن قبيل "انعدام المنطق" عدم السعي الى قيام دولة والمحافظة على الجيش للحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" لهما، وهو لا يمانع، في أقصى تنازل يقدّمه، في البحث في هذه المواضيع بالإضافة الى الإستراتيجية الدفاعية، على أن يصار الى تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وهذا يعني أنّ الإختلاف- وهو شبه حتمي-على المواضيع السيادية والسلاح والإستراتيجية الدفاعية، يفترض التسليم بوجوب وضعها جانباً. 

إنّ نصر الله يسند خطابه الجديد دفاعاً عن هدفه المستدام إلى حقيقتين: الإنهيار المالي والإقتصادي والإجتماعي، واستعداده للدفاع عن سلاحه باستعمال سلاحه. 

في المقابل، إنّ مجلس الأمن الدولي يركّز في أدبياته على أن لا مجال لإنقاذ لبنان إذا لم تقم فيه سلطة قادرة على الإمساك بزمام أمورها السيادية والإصلاحية، ولكنّه، في ذلك، لا يُقدّم للشعب اللبناني أيّ عون تنفيذي، في وجه قوّة "حزب الله" التي تحول دون تحقيق ذلك. 

وهذا يعني، بالمحصّلة، أنّ اللبنانيين في مأزق وجودي كبير، فهم يملكون "وصفة الإنقاذ" لكنّهم يفتقدون الى القدرة على الحصول على الأدوات التنفيذيّة الصالحة. 

ويقول المدافعون عن مجلس الأمن إنّ مشكلة الشعوب المعنية إيجاباً بقرارات المجلس وبياناته، تكمن في أنّها تطلب من الآخرين تنفيذ ما هو مطلوب منها، في حين أنّ المتضرّرين من "إصدارات" هذا المجلس يأخذون المبادرة لإحباط مفاعيلها. 

وفي واقع الحال، إنّ القوى التي أفرزتها الانتخابات النيابية، ومنذ أن صدرت نتائج صناديق الإقتراع، لم تقدّم أيّ مبادرة، بل وجدها اللبنانيون تتلهّى بالإحتفالات، هنا وببذل الجهود لتحقيق مكاسب في الإستحقاقات الدستورية المقبلة، هناك. 

ويفترض الواقع اللبناني المزري أن تتفاعل هذه القوى مع الطروحات التي يُقدّمها نصرالله، مستندة في ذلك، إلى البيان الذي أصدره مجلس الأمن الدولي، وتُفهمه أنّ حزبه، في حال لم يُدخل تعديلات جذرية على نهجه، يكون في وضعية من يتلهّى بالدفاع عن سلاحه مستخفّاً بسلّة اللبنانيين الغذائية، وبقيام الدولة. 

حتى تاريخه، ومنذ انتهت الانتخابات النيابية، سجّل "حزب الله" انتصاراً في "الحرب الدعائية" على خصومه السياسيين في لبنان، على الرغم من وضوح الخطاب الأممي، ففيما يُظهر نفسه "متواضعاً" و"شريكاً" و"متعاوناً"، من موقع القوة والإقتدار كما يقول نصرالله، يَظهرون هم "متعالين" و"مخاصمين" و"مقاطعين"، من موقع الضعف والعجز، كما يظن سائر اللبنانيين. 

ولا يتوقف "حزب الله" عن استغلال المأساة اللبنانية، في وقت ينكفئ خصومه عن الإستفادة من أدبيات "الشرعية الدولية" لتحميل هذا الحزب مسؤولية كبرى عن إيصال لبنان الى هذه المأساة. 

إنّ المخرج الوحيد لوضع اللبنانيين أمام حقيقة ما يعانون منه يكون بإطلاق مبادرة بديلة لمبادرة نصرالله، تحمل العنوان الإنقاذي، وتُظهر، في حال عدم موافقته، أنّه، مستغلّاً إسم المبادرة، يُناور! 

وحينها فقط تنقلب الأمور رأساً على عقب، فيتحوّل خطاب نصرالله، إذا لم يتغيّر، إلى خطاب "خشبي" وتصبح بيانات مجلس الأمن...حيوية! 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.