المغرب عرف سنة 2011 دستورا جديدا بعد "حركة 20 فبراير" - أرشيفية

شهد المغرب في الأعوام الأخيرة موجات عالية من القمع، طالت بالأخص شباب الحراك الاجتماعي في منطقة الريف بالشمال وجهات ومدن أخرى. وعلى الرغم من الاعتقالات والمحاكمات التي تعرض لها نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون ومدونون، فإن النضالات الشعبية تواصلت بشكل متواتر، ولم يتوقف تنظيم الوقفات الاحتجاجية والمسيرات السلمية في الساحات العامة والشوارع، وأمام مقرات السلطات الإدارية، وقبالة مكاتب الوزارات والبرلمان في العاصمة.

في البدء كان منطلق تلك الاحتجاجات يركز على رهانات اجتماعية تطالب بتوفير الخدمات الاجتماعية الضرورية في الشغل والتعليم والصحة والبنيات التحتية الأساسية، إلا أنها تحولت لترفع مطالب سياسية وحقوقية أيضا، كالاحتجاج ضد ارتجالية التدبير وسوء استخدام النفوذ في السلطة، وإطلاق سراح المعتقلين، وأطلقت هتافات وشعارات مناوئة للحكومة والبرلمان، وأيضا هاجمت الأحزاب السياسية التي باتت غير قادرة على أداء دور الدرع الواقي للنظام من الصدمات المباشرة، وبالتالي صارت عاجزة عن القيام بمبادرات تساهم في الخروج من الأزمات، خاصة بعد اتهام حراك الريف من قبل أحزاب الأغلبية في 2017  بـ"الانفصال والارتهان لأجندات أجنبية معادية، وبتلقي الأموال من الخارج"، (لاحقا تراجعت الدولة والأحزاب عن هذه الاتهامات الباطلة)، ما أعاد الذاكرة إلى الوراء، إلى حوالي أربعة عقود، وعبارة "الأوباش العاطلين اللّي عايشين بالتهريب والسرقة"، التي وصف بها العاهل الراحل الحسن الثاني شباب منطقة الريف المنتفضين ضد الأوضاع المعيشية في المدن الشمالية، في الناظور والحسيمة والقصر الكبير سنة 1984. 

***

بعد ارتفاع منسوب الغليان الشعبي ودرجات الاحتقان، لم تترك السلطات للمتضررين من سوء الأحوال الاجتماعية سوى النزول الجماعي إلى الشارع، كفضاء عام ومتنفسً للاحتجاج والتفاعل المدني، تماما مثل الذي حصل في احتجاجات "حركة 20 فبراير"، بل إن بعض المتتبعين يعتبرون الحراك الاجتماعي امتدادا شرعيا للحركة المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي" (2011).  

في هذا السياق، كان من المقرر أن تشهد مدينة الدار البيضاء المغربية يوم غد الأحد الموافق لـ 29 ماي 2022، مسيرة وطنية كبرى، دعا إليها تحالف "الجبهة الاجتماعية المغربية" للاحتجاج ضد ارتفاع الأسعار، والتضييق على الحريات، وضد التطبيع مع إسرائيل. لكن سلطات وزارة الداخلية المغربية أصدرت يوم الخميس الأخير قرارا بمنعها لأسباب تتصل بـ"الحفاظ على الأمن والنظام العامين"، كما ورد في بيان المنع. وقد تمسكت الجبهة بتنظيم الوقفة الاحتجاجية الأحد بالدار البيضاء، بينما أجلت المسيرة الوطنية إلى موعد لاحق.

وأعادت الجبهة "أسباب النزول"، في بيان لسكرتاريتها العامة، إلى "مستجدات الأوضاع ببلادنا، حيث تكتوي أوسع الجماهير الشعبية بارتفاع أسعار المحروقات والعديد من المواد الغذائية الأساسية، في غياب أبسط مقومات العيش الكريم للملايين من الأسر التي سحقها الفقر والبطالة والهشاشة والغلاء الفاحش، "الذي يعود لأسباب سياسية واقتصادية توجد في بنية النظام المسؤول عن غياب السيادة الغذائية والطاقية لبلادنا".

كما أشارت في بيانها المؤرخ بـ 11 ماي الحالي، إلى إصرار الحكومة المغربية على تجاهل كل المقترحات للحد من التدهور الخطير، "الذي يخدم لوبيات الاحتكار والمضاربات والريع".

***

يحدث هذا على عتبة أقل من عامٍ على تشكيل الحكومة الجديدة المعينة إثر انتخابات 8 سبتمبر 2021. كما أنها ليست المسيرة الاحتجاجية الأولى في عهد حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، إذ سبق لـ"الجبهة الاجتماعية المغربية" تنظيم ثلاث مسيرات كبرى خلال هذه السنة 2022، في 20 فبراير، و 6 مارس، و 23 أبريل. ولم يفت بيان الجبهة الإشارة إلى "سياسة تكميم الأفواه وإصدار أحكام قاسية بالسجن، لمجرد تدوينات حول الأوضاع في البلاد، بدل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين. 

ورغم أن المغرب عرف سنة 2011 دستورا جديدا، نزل كتجاوب ذكي وسريع مع مطالب "حركة 20 فبراير"، فإن عددا من الحقوقيين والسياسيين والمراقبين يؤكدون أن "دستور 2011"، على علّاته والانتقادات التي وجهت إلى مضمونه وصياغته وطريقة إعداده، فإنه لم يجر تفعيله، وظلت كثير من بنوده في انتظار المصادقة على قوانين إجرائية، وأن ما يجري العمل به حتى الآن يمكن تسميته بـ "الدستور العرفي". مما يزيد من تأزيم وتدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

مع كل هذا بقيت السلطات وفية لسياستها الموروثة من "سنوات الرصاص" في عهد الحسن الثاني ووزيريه الجنرال محمد أوفقير وإدريس البصري، لا تجيد سوى توظيف المقاربة الأمنية عوض الإنصات للشارع، والإمعان في التجاهل والالتفاف على المطالب الشعبية، وتسارع دائما للرد بعنف، بالاعتقالات والتحقيقات وتلفيق التهم والمحاكمات والسجون والتنكيل، لكل من تجرأ وفتح فمه ضد سياسة الفقر والظّلم الاجتماعي، وتقمع كل من وجد نفسه مضطهدا ودعا إلى محاربة الفساد، أو من بلا عمل وبلا أمل في تغيير أحواله وأقدم على التعبير عن استيائه وسخطه، ولم يكن مثل هؤلاء الغاضبين بحاجة لقراءة نداء الشاعر والكاتب الفرنسي ستيفن هيسل المعنون بـ "عبروا عن استيائكم"، "كن ساخطا (أو كن غاضبا)!" (Indignez - vous)، الذي يدافع عن فكرة أن "السخط هو تخمير للتحدي وإذكاء لروح المقاومة"، وقد ألهم هيسل الآلاف ممن يخرجون اليوم للاحتجاج والغضب في شوارع فرنسا واسبانيا وغيرها. 

***

ارتفاع وتيرة الاحتجاح هو تعبير عن الاتجاه صوب أقصى حالات انسداد الأفق والتيئيس، فلم يعد المواطنون يثقون في ما يصدر كل مرة عن السلطات من وعود، لإدراكهم أن الأمر يدخل في باب الإلهاء وربح الوقت وتمرير "الدَّكّاكَة" عليهم وعلى أولادهم والقادمين من أحفادهم "إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها"، ولم يعد معنى للعناوين الجذابة، مثل "النموذج التنموي الجديد"، و"العدالة المجالية"، والنزاهة والشفافية، أو الكلام عن أحزاب ونقابات، أو الرخاء والازدهار، أو البحث عن جواب لسؤال "أين الثروة؟" الذي ألقاه ملك البلاد على البرلمان، فلا مجال لرد الاعتبار للإنسان والمواطن المغربي، لأن البرنامج التنموي الحقيقي، كما يقول فاعل مدني، "هو محاربة الفساد المالي، ومنع الريع الاقتصادي، والاعتماد على الكفاءات وتكافؤ الفرص، ووضع حد للإفلات من العقاب بمشاهدة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ورؤوس الفساد ولصوص المال العام أمام القضاء. لكن ما دام "حاميها حراميها".. لا تنتظروا تغييرا في واقعكم المعيشي سوى اليأس والإحباط والموت. وإذا لم تحمدوا الإله القادر، فإن أصحاب الحل والعقد يتوعدونكم بأوضاع أشد ضيقا، ولن تزيد أحوالكم إلا تعقيدا ولا مجال لحلول ممكنة...". 

***

بعض الاستشهادات المقتبسة من تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات العالمية تضع المغرب في آخر المراتب والدرجات الدنيا في قطاعات التعليم والصحة، وفي ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل بين فئات الشباب. وتؤشر إلى حرمان المغاربة من الحقوق الأساسية المتصلة بالضروريات الاجتماعية. لكن الإعلام الرسمي يجرؤ دائما بالادعاء أن "المغرب أجمل بلد في العالم"، وكأن أخبار مواكب "قوارب الموت" والهاربين من "الجنة المغربية"، إلى جحيم المنفى الاختياري، تخص بلدا آخر بقارة الوقواق. إضافة إلى جحافل المتسولين في الشوارع، ونسبتهم هي الأعلى في المنطقة العربية، بحوالي  700ألف مغربي، جلهم من الأطفال المشردين بلا عائلات ومن دون مأوى، يمتهنون التسول كحرفة ووسيلة لكسب لقمة العيش، وانتشار الشبكات المنظمة التي تستغل أوضاع البنات الفقيرات والأطفال للمتاجرة بمعاناتهم في السياحة الجنسية بمراكش وأغادير، رغم تجريم القوانين المغربية الاتجار بالبشر والدعارة والتسول.

وفي الوقت الذي تروج فيه الدعاية الرسمية أن المغرب يعيش نموا وتقدما "يُحسد عليه"، تؤكد الدراسات والتقارير الأممية أن المغرب يعيش بأكثر من نصف قرن من التخلف مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في بلدان مجاورة، مثل اسبانيا وفرنسا. وأن 17,5 % من الشعب المغربي يعيشون على عتبة الفقر والفقر الحاد المتعدد الأبعاد، وفقا لتقرير رسمي مغربي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط. 

في خضم هذا الجحيم توجد جنة نعيم ذات أسوار عالية ومحصنة، يعيش داخلها خمسة آلاف مغربي من بين أربعين مليون نسمة (حسب التعداد السكاني للبلد)، جاء ذكرهم في تقرير دولي حول "الثروة في افريقيا"، ملخصه أن عدد المغاربة الذين يتوفرون على ثروة تتجاوز مليون دولار (10 ملايين درهم) يناهز خمسة آلاف شخص. وأن المغرب في هذا الإطار يوجد في الرتبة الرابعة افريقيا. وفي التفاصيل الأخرى نطالع أن المغاربة الذين يتوفرون على ثروة تتجاوز 10 ملايين دولار لكل فرد يناهز عددهم 220 مغربيا، ومن تتجاوز ثروات كل واحد منهم 100 مليون دولار هم 22 مغربي، أما أصحاب الثروة المتجاوزة لـمليار دولار فعددهم لا يتجاوز ثلاثة مغاربة، أحدهم هو عزيز أخنوش الذي يرأس الحكومة الحالية ويحتكر تجارة المحروقات إلى جانب قطاعات أخرى. عزيز أخنوش الذي قبل أيام صفق لوزيره في العدل، عبد اللطيف وهبي، لما صرح أمام الغرفة الثانية للبرلمان متوعدا منظمات المجتمع المدني بإقرار مشروع قانون يمنعها من تقديم شكاوى ضد منتخبين من أجل هدر واختلاس المال العام. ما يعني الإصرار على "ابتذال الفساد واستباحة هدر المال العام". وقد خرجت تنظيمات من المجتمع المدني، خصوصا المعنية منها بمحاربة الفساد واختلاس المال العام وبالشفافية، لانتقاد تصريحات هذا الوزير، الذي هو في نفس الآن الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، (حزب القصر). وقد وصفت منظمة "ترانسبارانسي المغرب" تصريحات الوزير عبد اللطيف وهبي بـ"الاستفزازية"، وكونها "مؤشر جديد يؤكد غياب إرادة سياسة حقيقية لمحاربة الفساد ببلدنا من طرف الحكومة، بعد مؤشرات سابقة تجلت في سحب الحكومة لمشروع القانون المتعلق بتتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي من مجلس النواب والمتضمن لمقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع، وسحب مشروع قانون تنظيم الاحتلال المؤقت للملك العمومي للدولة". ولفت الفرع المغربي لمنظمة الشفافية الدولية إلى أن هذه التصريحات "هي خرق سافر لمقتضيات المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ومن ضمنها اتفاقية الأمم المتحدة التي أكدت من خلال المادة 13 على مشاركة المنظمات غير الحكومية في منع الفساد ومحاربته وإذكاء وعي الناس فيما يتعلق بوجود الفساد وأسبابه وجسامته وما يمثله من خطر".

***

أما فيما يتصل بمسألة التطبيع مع إسرائيل الذي تم إقراره من دون العودة إلى البرلمان، ومن دون أي استشارة شعبية، فيلاحظ أن هناك لهفة واستعجال كبيرين لجعل التطبيع أمرا واقعا وموضوعا طبيعيا في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أن واقع الحال يؤكد أن التطبيع الذي أمضاه المغرب في العاشر من ديسمبر 2020، هو شأن يخص الحاكمين وحدهم فقط، ومرفوض شعبيا، كما هو الحاصل في مصر والأردن والسودان والبحرين من الدول العربية المطبعة. حيث تعبر الجبهة الاجتماعية المغربية عن "رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، والمطالبة بإلغائه وإلغاء كل الاتفاقيات المنبثقة عنه، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني من أجل تحرير فلسطين من الصهيونية وإقامة دولته الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس".

***

"المغرب.. السنوات الحرجة"، عنوان لكتاب من تأليف الصحفي والدبلوماسي المغربي المهدي بنونة (1919 - 2010)، ورغم أن صفحاته تركز على فترة الحماية الفرنسية للمغرب وبدايات الاستقلال، إلا أنه عنوانه يصلح أيضا لوصف بيان الحال الذي يعيشه مغرب اليوم، فرغم كل المظاهر التي توحي بالاستقرار، والتي توجت بنجاح صديق الملك، تاجر محروقات أخنوش، بتمكنه من خوض السياسة وزعامة حزب يمثل "الباطرونا"، ثم رئاسته للحكومة، ورغم الانكسار والتشظي والتشرذم الذي أصيبت به قوى التغيير واليسار، فإن الصورة أكثر من مضللة، ولا تعكس حقيقة الأمر الشبيه بحركة دوران عابث وسط دوائر مغلقة، يبدو لليائس أن الانعتاق منها مستحيل، في حين يرى آخرون أن الاستمرار بها صعب وغير ممكن.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.