Russia's attack on Ukraine continues, in Bakhmut
مشاعر كراهية لا تنحصر بالجانب الأوكراني المعتدى عليه فقط

قد تشكل الكراهية أحد الأسباب المعلنة أو المضمرة لاشتعال حرب أو صراع دموي طويل الأمد، لكنها إن لم تكن موجودة مسبقاً، وهو أمر نادر، فهي حتماً ستنمو مثل فطر سام بعد توقف القتال وتصير نتيجة ملازمة له وبسببه. كما أنها ليست آنية لتسود بين أطراف صراع ما ورجاله فقط، بل تنتشر مثل العدوى وتمتد إلى الذاكرة الشعبية لأحد الطرفين المتصارعين أو كليهما، وأحياناً تمتد إلى أطراف غير منخرطة في الصراع لكنها مؤيدة لهذا أو ذاك، بحيث تستقر في المشاعر والوجدان، لا مرور الزمن قادر أن يخفف من وطئها بتلك السهولة، ولا حتى المصالحات أو الاعتذارات أو محاولات الغفران الشكلية المتبادلة والظاهرية لا أكثر.

في نظرة عامة لعالمنا المضطرب في معظم  بقاعه، سيعثر المرء على عشرات الأمثلة بل المئات التي يتبادل أفرادها ثقافة الكراهية بشكل أو بآخر فيما بينهم، والتي لا تنحصر بين بلدين أو شعبين فقط، بل تشمل كراهيات متبادلة بين مدينتين أو قريتين أو منطقتين جغرافيتين داخل دولة واحدة، أوجدتها اختلافات مزمنة عميقة ومستوطنة لم تجد لها إنصافاً عادلاً مطلقاً ومستداماً، وتتراوح بين الاختلافات العقائدية أو الدينية أو العرقية أو الاقتصادية أو الحقوقية جراء هيمنة واضطهاد مزمنين من جانب فئة بحق فئة أخرى، ينتج عنهما عسف وجور وكراهية تنمو في ظل مظلوميات حادة.

أبرز تجليات الكراهية اليوم، ما تسببت به حرب روسيا على أوكرانيا التي دخلت شهرها الرابع دون أن يبرز مؤشر واضح بقرب توقفها في الأفق القريب. وهي مشاعر كراهية لا تنحصر بالجانب الأوكراني المعتدى عليه فقط، بل باتت تترجم يومياً على هيئة سلوكيات تنمر وعدوانية ومضايقات واضطهاد معنوي يتعرض له بعض الأفراد الروس في بلدان عدة وكل ما هو روسي.

منذ بدء هذه الحرب، تعج وسائل التواصل الاجتماعي بالمنشورات والتعليقات والتفاعل السلبي والعنيف لفظياً في بعض الأحيان ضد الروس كشعب وثقافة وفنون ومأكل ومشرب وغيرها. كما تناقلت وسائل الاعلام العالمية عشرات التقارير التي تحدثت عن سلوكيات كراهية تنامت إلى حدود البغضاء والتنمر وشملت بعض التلاميذ الروس في بعض المدارس، والأفراد الروس أو من أصول روسية من الكبار، ومقاطعة متاجرهم وبضائعهم ومطاعهم ومأكولاتهم التقليدية في بعض الأحيان، أو مطالبة بعضهم بالمغادرة وتحميلهم وزر حرب ساستهم ضد أوكرانيا.

في التاسع من مايو الجاري، رمى متظاهرون غاضبون طلاء أحمر على السفير الروسي خلال مراسيم تقديم الاحترام لجنود الحرب العالمية الثانية في مقبرة في وارسو ووصفوه بـ"الفاشي". قبلها جرى تلطيخ جدار كنيسة روسية في كندا بالطلاء الأحمر مع عبارات منددة بالحرب. كما نقلت صحيفة "سفينسكا داغبلادت" السويدية في وقت سابق أن مواطنين روس مقيمين في السويد أو ينحدرون من أصول روسية تعرضوا للتنمر وتعليقات الكراهية والعدوانية.

صديقة لي عراقية تفضفض لي بقلق عن صحة أمها الروسية المسنّة التي تتراجع منذ بدء حرب بلادها على أوكرانيا، وقد عادت إليها هواجس وكوابيس قديمة تتعلق بمشاعر ذعر كتلك التي كانت تنتابها وهي طفلة لم تتجاوز السنوات العشر من عمرها إبان القصف على موسكو في الحرب العالمية الثانية. تشرح لي الصديقة عن محاولاتها اليائسة لمنع الأخبار عن أمها وطمأنتها أنها بخير وأمان وأن الحرب بعيدة عنها والقصف لا يستهدف موسكو هذه المرة، فتجيبها الأم بأسى ووعي: "الحرب حرب، والأوكرانيون أهلنا ولي أقارب وأنسباء بينهم"، وتستفيض بتأثر: "سيكرهوننا، سيكرهون الروس".

بشكل دؤوب، تتهم موسكو الاعلام الغربي أنه مسؤول عن "شيطنة" روسيا، وأن الدعاية المضادة له هي من تسببت بتأجيج مثل هذه الكراهية، لكن الدمار الذي لحق بالمدن الأوكرانية والبنى التحتية وأعداد الضحايا وتهجير ملايين الأوكرانيين وحرق الأخضر واليابس واستهداف الصروح الأثرية والثقافية، وآخرها مسح قصر الثقافة في 21 مايو في منطقة "لوزوفا" بمدينة خاركيف الأوكرانية بصاروخ روسي، كلها حقائق مثبتة ومشاهد مؤلمة يراها العالم اليوم بنفسه، لا يبتدعها الاعلام أو تفبركها الدعاية.

حقائق قادرة أن تؤجج مشاعر الغضب لدى الأفراد وتنتج سلوكيات الكراهية بشكل أو بآخر ضد كل ما يتعلق بروسيا، ومن المؤسف أنه في مواجهة أحداث جسام كهذه، من الصعب ضبط مثل هذه المشاهر السلبية لدى العامة من الناس، حيث تأثير الحدث ورد الفعل عليه يكون عفوياً في كثير من الأوقات، ولاي ُتوقع أن يمتلك العامة الثقافة الكافية أو الوعي اللازم للتمييز بين الأنظمة والشعوب، وهو أمر يتكرر بشكل مؤسف في جميع الحروب وفي كل الأماكن والأوقات.

حين يكتشف أحدهم في مكان بعيد أن أسعار الوقود تضاعفت بسبب هذه الحرب، وحين يقبع أحدهم في دول باردة تحت تهديد مستمر أنه قد يموت قريباً جراء انقطاع الغاز أو الكهرباء، وحين سيكتشف أحدهم أنه لم يعد يستطيع توفير أبسط المواد الغذائية لأسرته، وحين سيجوع أحدهم أو يموت الآلاف بسبب المجاعات المحتملة المتوقعة في عدد من الدول الفقيرة، هل سيحتفظ مثل هؤلاء وأمثالهم من الملايين بمشاعر ودّ وغرام وامتنان اتجاه روسيا التي تسببت بحدوث هذه الحرب وفاقمت أزمات العالم؟  

وهل يستطيع أحدهم ضبط مشاعر الغضب والكراهية وإقناعهم في مثل هذه الحالات أن الشعب الروسي شعب طيب وصديق ولا ذنب له في تحميله كل هذا الوزر باعتباره أحد الشعوب التي لا تمتلك صنع القرار وصوتها غير مسموع، وأن الروس يعانون اليوم الأمرين من تداعيات هذه الحرب في الداخل والخارج وقد يعانون مع استمرار الحرب أكثر فأكثر؟؟ 

بجميع الأحوال، وكما حدث في كل الحروب والنزاعات السابقة، سيأتي وقت على حرب روسيا على أوكرانيا وتنتهي، وقد يتصافح الساسة ويتفقون على السلام. لكن من سيمسح الضغائن التي أنجبتها هذه الحرب، والتي تؤكد في كل مرة أن ساسة الدول يأكلون الحصرم، وأبناء الشعوب يضرسون.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.