لقطة من احتجاجات في العراق في مدينة البصرة العراقية بتاريخ 28 يناير عام 2020
لقطة من احتجاجات في العراق في مدينة البصرة العراقية بتاريخ 28 يناير عام 2020

الحديث عن إمكانية الحل القريب لأزمة السلطة في العراق أشبه بأحجية تحتاج الى عرافين  لفكفكة رموزها التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، وبات التعقيد يفرض على الجميع، داخليا وخارجيا، التعامل مع الانسداد كواقع سياسي يمكن التعايش معه لمدة غير محدودة، رغم ما يحمله هذا الجمود من مخاطر الاشتباك أو الاحتكاكات الخشنة،

ولكن يبدو حتى الآن أن القوى المتصارعة لا تزال تمسك نوعا ما بمستوى الصراع، و تتلافى انتقاله إلى الشارع الذي قد يتحول لفوضى تؤدي إلى العنف.  

ولكن هذا الانسداد واستمراره، وإن كان مسيطرا على مساره "حتى الآن"، إلا أنه في النهاية يؤكد ما يحدث منذ انتفاضة تشرين 2019، ومرورا بنتائج الانتخابات وصولا إلى شبه انعدام فرص التسوية بين الكتلة البرلمانية خصوصا الشيعية. 

فالأزمة لم تعد محصورة فقط بإعادة ترتيب السلطة داخل ما كان يعرف بـ "البيوتات السياسية"، بل الأزمة الجوهرية هي في النظام، ومهما حاولت طبقة 2003 السياسية تجنب هذا الواقع حتى لا تخسر مواقعها ومكاسبها، إلا أن مكابَرتَها وصلت أيضا إلى حائط مسدود.  

في المسألة العراقية يرتبط الداخل بالخارج، فالأول يشهد انكماشا في الأداء الحكومي والتشريعي والسياسي، إضافة إلى تشظٍّ يصعب فيه الوصول إلى نقطة تقاطعات تجمع المنقسمين أفقيا وعموديا.

أما الخارج فهو في مرحلة خلط أوراق إقليمية ودولية، ستترك تأثيراتها على العراق المتشظي أو المتماسك، فقد تستعد الدول الكبرى العالمية والدول المؤثرة إقليميا إلى تحديد خياراتها الخاصة والعامة إقليما ودوليا، والتي قد تستخدم العراق إما في مناكفاتها أو تسوياتها، ولكن مع الانسداد العراقي الداخلي ستُفرَض مصلحة الخارج على الداخل، ما يعني أنه حتى لو حلت وانفرجت في الخارج فإن الداخل العراقي سيبقى مسدودا، حيث يمكن القول إن العطب العراقي بات ذاتيا.

وفرَض غزو أوكرانيا وفشلُ التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة، حتى الآن، إعادة تموضعات دولية سياسية واستراتيجية واقتصادية، والتي تحولت إلى جوهر الصراع مع موسكو.

هذه التغيرات الثلاثية دفعت بالإدارة الأميركية الى الحد من ميوعتها في التعامل مع قضايا المنطقة، وإعادة قراءة جميع مواقفها، ما انعكس مباشرة على الاتفاق النووي مع إيران، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من التوقيع قبل أن يشن فلادمير بوتين مغامرته الأوكرانية.

فهذه المغامرة كشفت حجم حاجة العالم إلى موارد الطاقة في دول الخليج العربي التي انتهزت لحظة الحاجة الأميركية والغربية لثرواتها، فذهبت إلى عملية مقايضة بين الثروة والمصالح.

ويبدو أن تلك الدول نجحت في انتزاع اعتراف أميركي غربي بمصالحها، وهذه لم تزل فرصة للعراق سانحة إذا أراد أن يكون جزءا من تحولات عاملية كبرى، لا تفرِض عليه تموضعا أو انتقالا كاملا من معسكر إلى آخر، فهو نفسه غير قادر على التوجه شرقا وليست لديه الإمكانيات للالتحاق غربا، ولكن أمامه فرصة للاستفادة من هذه المنافسة بين الدول الكبرى الفاعلة التي اعترفت بضرورة أقلمة بعض السياسات الدولية.

إذا كان الرئيس الأميركي في طريقه إلى المنطقة، ليعيد المياه إلى مجاريها مع حلفائه العرب التقليديين والبحث معهم في المصالح المشتركة، مع استمرار الحوار الإيراني السعودي في بغداد، فإن بقاء العراق، أقله اقتصاديا، خارج المتحولات الكبرى جريمة جديدة ترتكبها الطبقة السياسية بحق الدولة والشعب. 

بالأخص مع احتمال عقد الرئيس الأميركي الذي يعرف العراق جيدا واعتاد على زيارته، عدة قمم وهو يحمل في جعبته محفزات لكل دول المنطقة من أجل رفع إنتاجها من النفط، والذي لن يكون من دون مقابل سياسي.

وبالتالي فإن بقاء الانسداد وعدم التوصل إلى تسوية والنزاع بين مؤسسات الدولة حول الصلاحيات والخلافات ما بين السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية، سيجعل التفاهم مع بغداد شبه مستحيل وسيضيع آخر الفرص.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!