نفوذ إيران يتزايد أمام تراجع نفوذ روسيا العالمي
نفوذ إيران يتزايد أمام تراجع نفوذ روسيا العالمي

الشراكة الاستراتيجية الطويلة الأمد بين موسكو وطهران تتغير. وحديثا، ورد أن الكرملين ونظام الملالي الإيراني اتفقا على تعميق تعاونهما بعدة طرق. ويقال إن التفاهمات، التي تم التوصل إليها خلال زيارة الأخيرة التي قام بها نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إلى إيران، شملت خططا لتبادل الطاقة، وإنشاء مركز للنقل والخدمات اللوجستية لتسهيل التجارة بين البلدين. ووفقا لجميع المؤشرات، هذه هي الترتيبات التي ستكون بموجبها إيران بمثابة الشريك الرئيسي بينما تلعب روسيا دور المتوسل.

وهذا يرقى إلى مستوى تبادل أدوار هائل. فعلى مدى عقود، كانت روسيا عامل تمكين رئيسيا لإيران، وقد استخدمت موسكو مكانتها الدولية لتخفيف عزلة النظام الإيراني على المستوى العالم، وتقليل فعالية العقوبات الغربية. وفي المقابل، تمسك المسؤولون في واشنطن بالأمل في إمكانية "قلب" موسكو بطريقة أو بأخرى وجعلها شريكا بناءً في جهودهم المستمرة لكبح جماح إيران.

ولكن الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا، وما نتج عنه من حزمة عقوبات غربية فرضت على الكرملين منذ ربيع هذا العام، قلب هذه المعادلة. واليوم، أصبحت روسيا هي البلد المنبوذ دوليا على نحو متزايد. وبالفعل، تقلصت سوق الأسهم في البلاد بشكل كبير، وعلقت ما يقرب من 1000 شركة أعمالها هناك، وتم محو عقود من التقدم الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب الباردة.

والنتيجة الإجمالية هي انحدار وطني هائل. "يبلغ نسبة تماثل 1.4 تريليون دولار من التأثير على روسيا، أي حوالي 8000 دولار لكل فرد من السكان الروس"، وفق ما قال الاستراتيجي الاقتصادي تيم آش لـ NPR في وقت سابق من هذا الشهر.

وهو أيضا انحدار من المحتم أن يطول أمده، لأننا، كما يشير آش، نرى الآن "استثمارات أقل، ونموا أقل، ومستويات معيشية أقل، وربما هجرة للأدمغة، وتضخما أعلى، وتقويضا عاما للقدرة الإنتاجية لروسيا". وبعبارة أخرى، وعلى الرغم من التبجح الرسمي من جانب الحكومة الروسية بعكس ذلك، فإن حربها الجديدة غيرت بشكل جذري الوضع الاقتصادي الروسي وبالتالي صورتها العالمية.

وفي الوقت ذاته، تسير إيران في مسار تصاعدي، من الناحيتين الاستراتيجية والسياسية، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى السياسة الأميركية. فمنذ أكثر من عام، عملت إدارة بايدن بجد لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران. وفي هذه العملية، قدمت إغراءات كبيرة لطهران (بما في ذلك تخفيف إنفاذ العقوبات الحالية) في محاولة لإقناع ملالي إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات. واليوم، يقول مسؤولو الإدارة إن احتمال التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران "ضعيف". ولكن مع ذلك هناك العديد من الذين يتوقعون أن صفقة ما ستتحقق.

وإذا حدث ذلك، فسيكون نعمة اقتصادية لطهران. ففي شهادته الأخيرة أمام مجلس الشيوخ، حدد مارك دوبويتز، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، نطاق الفوائد المالية التي يمكن أن يتوقعها النظام الإيراني إذا تم إبرام اتفاق جديد بالفعل. وفي غضون عام من توقيع مثل هذا الاتفاق، توقع دوبيتز أن "تتلقى طهران حزمة مالية تصل قيمتها إلى 275 مليار دولار، وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، يمكن أن تتلقى إيران ما يصل إلى 800 مليار دولار من تخفيف العقوبات".

ولكن حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد، فمن غير المرجح أن تعود إدارة بايدن إلى سياسة "الضغط الأقصى" التي انتهجتها الإدارة السابقة. بعد أن انتقدت الولايات المتحدة العقوبات الواسعة النطاق في عهد ترامب باعتبارها سياسة فاشلة، من المتوقع أن تحاول الولايات المتحدة التأثير على طموحات إيران النووية وسوء سلوكها الإقليمي من خلال الإغراءات بدلا من العقوبات، على الأقل خلال وجود الإدارة الحالية في البيت الأبيض. وهذا بدوره سيعني تدفق مزيد من الأموال إلى الخزائن الإيرانية، وتضاؤل الشهية لتجديد الضغوط الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة.  

ويدرك المسؤولون في كل من طهران وموسكو هذا الواقع جيدا، وهو ما يوفر خلفية للترتيبات الاستراتيجية والاقتصادية الجديدة التي تم التوصل إليها بين العاصمتين في الآونة الأخيرة. إنها خطط تعكس تزايد نفوذ إيران العالمي المتزايد، وتراجع نفوذ روسيا على المسرح الدولي.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.