A team of engineers removes a concrete wall from a road that leads to the parliament building in Beirut, Lebanon, Monday, May…
البدء بإزاحة جدران مجلس النواب التي نصبت بوجه الثوار وأدخلتهم إلى البرلمان

كان مستغرباً كيف غفل رجل الدين عن هموم اللبنانيين المعيشية كانقطاع الدواء مثلاً، وانبرى ليتهجم بحماس على النواب السنة الجدد ممن يعرفون بالتغييريين؛ فصبّ جام غضبه عليهم لأنهم صرّحوا خلال حملتهم الانتخابية أنهم مع الزواج المدني، الذي يشوّهونه ويجعلون منه تشريعاً للزنى وزواج المحارم.

بدأت الحملة على هؤلاء النواب، السنّة، منذ ما قبل الانتخابات، لتكفيرهم ومنع الناخبين المحافظين من الاقتراع لهم. لكنهم انتُخبوا مع ذلك.

لم يقل النواب الجدد في مقابلاتهم أن أولى أولوياتهم شرعنة الزواج المدني في زمن الانهيار العميم، فأشاروا إلى الأولويات التي تهم المواطن وتحمي الدولة من التدهور، ولم لا! الاهتمام بالتشريعات التي تلبي طموحات الأجيال الشابة من غير الطائفيين، بما فيها الزواج المدني!!

حجة رجل الدين في محاربته لهم، بدل محاربة الفاسدين من حوله، زعم انهم: "نجحوا باسم المسلمين يعني ممن تسلطوا على الإسلام". مستعيداً فتوى المفتي قباني الذي سبق ان كفّر من يتزوج مدنياً، فأهزق دمه.

ليسمح لنا سماحته التنبيه أن النواب لم ينجحوا باسم المسلمين، بل نجحوا لأن مسلمين اختاروهم لتمثيلهم. وهم لم يُنتخبوا فقط من مسلمين، بل من مختلف الطوائف الموجودة في دائرتهم. فهم لا يمثلون المسلمين حصراً، بل يمثلون جميع اللبنانيين دون تفريق بحسب الدستور.

غريب أمر العواصف التكفيرية التي يثيرها بعض من رجال الدين تجاه الزواج المدني، كما سبق وحصل مع الوزيرة الحسن عام 2015 عندما أبدت "استعدادا" للاهتمام بالموضوع!

غريب أمر تدخلهم في مسألة تتصل بجوهر حقوق المواطن كفرد وجوهر الكرامة الإنسانية على السواء. يفرضون التعامل مع المواطن، من منظار طائفي وكناقص الأهلية وعاجز عن اتخاذ قرارات مصيرية كالزواج. خصوصاً بعد ثورة 17 أكتوبر التي عبرت عن رفض الأجيال الشابة منطق الطوائف ورفض ربطها بحبال الطائفة الغليظة وتحكمها بهم لتنتقص وتمحي انتماءهم الوطني الجامع.

إن إلزام المواطن بأن يولد ويعيش ويموت تحت سلطة الطائفة، والرجال الممسكين بزمامها، وتقرير صحة إيمانه من شأنه أن يطرح شرعية احتكار الطوائف لتمثيل المواطن والدين الحق معاّ.

وهذا ما انبرى لرفضه، بشجاعة، مجموعة من طلاب وخريجي مدارس الشريعة، الذين شاركوا في ثورة 17 أكتوبر، فأصدروا بياناً للرد على الشيخ، معلنين رفضهم إقحام الدين في معركة تحجيم نواب قوى التغيير لحماية القوى البيروتية الفاسدة باسم محاربة الزواج الدني. مؤكدين أنه موضوع يقحم في كل مرة في سياق سياسي ووفق مصالح أهل النفوذ. والأهم انهم أكدوا أنها "مسألة لا تعني المسلمين لا من قريب ولا من بعيد، ولا ينبغي للمسلمين أن يتصدّوا لها وأن يعارضوها، ما دام حقّهم هم محفوظاً في الاحتكام إلى المحاكم الشرعيّة". مشددين على أن التشريع في المجلس النيابي ليس للمسلمين والمسلمين الملتزمين فقط، بل لعموم اللبنانيين. ولا ينبغي أن يستخدم الإسلام الذي يتبنى قاعدة أن "لا إكراه في الدين" كأداة إكراه على سائر صنوف المجتمع اللبناني.

منبهين أن استمرار المرجعيات الدينية الإسلامية في إدارة الشؤون على هذا النحو سيتسبب بارتفاع صوت معارضة علنية للجيل الجديد.

أُدخل في العام 1990 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتّحدة في صلب الدستور اللبناني الذي ذكر في مقدمته أن لبنان يلتزم مواثيق الأمم المتّحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجّسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. وتنص المادة الثانية على أن "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، ودون أية تفرقة بين الرجال والنساء". والقانون الدولي يعلو على القوانين المحلية.

وأكثر ما ينطبق هذا الحق على الزواج المدني لأنها مسألة تتعلق بجوهر الحرية الإنسانية والاختيار الحر أيضا في حياة كل إنسان.

لكن السؤال، لماذا يتخذ النقاش في لبنان حول الزواج المدني هذا الشكل العنيف والذي يصل لإهراق الدم؟  

أليس لأن رجال الدين يدركون أن الزواج الذي لا تعقده المؤسسة الدينية هو بمثابة خروج المواطنين عن سيطرتهم؟ السيطرة المادية والمعنوية والسياسية والاجتماعية. هذا الخروج الذي يهدد الامتيازات التي تتمتع بها المؤسسات الدينية في لبنان، وتجعلها قوة مادية ضخمة تسمح لها بالعلاقة مع المؤسسة السياسية فتفرض بموجبها على السياسة والسياسيين حلفا غير مقدس، تؤمّن المؤسسة الدينية بموجبه حشد الجماهير استنادا إلى استثارة غرائزها الطائفية، وتجيرها لرجال السياسة، مقابل دعم هؤلاء لمطالب المؤسسة الدينية في تكريس القوانين التي تمكّنها من السيطرة على جموع السكان وابقائهم مسجونين في بئر الطائفية.

طبيعي أن تهتز أركان المؤسستان، الدينية والسياسية، عند إرساء ممارسة قانونية تعترف بحق الفرد فيتحرر لاختيار نمط حياته خارج هيمنة الطوائف. من هنا وقوف السياسيين التقليديين وبعض الصحافيين والمفكرين اليسارين أو اللاطائفيين - رغم أن كثرا بينهم وبين أولادهم أقاموا زواجاً مدنياً في قبرص - ضد تكريس الزواج المدني في القوانين اللبنانية.

علّق ساخر: قد يكون عقد الزواج في قبرص حرصاً على السياحة فيها، على ما استسهل وزير الداخلية عام 2015.

المشكلة الآن أن المواطن أصبح عاجزاً ليس فقط للسياحة، لكن عن الزواج أيضاً.

لكن البدء بإزاحة جدران مجلس النواب التي نصبت بوجه الثوار ومنعتهم من الاقتراب منه، أدخلتهم الثورة إلى البرلمان.

ربما فسحة أمل بإمكانية نجاح التغيير القادم ولو بعد حين.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!