بغداد ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها
"بغداد ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها"

أنتمي إلى جيل يسمع حكايات عن مدينة بغداد وألقها، وما يسرده جيل خمسينيات القرن الماضي عن جمال شوارعها وأزقتها وملامح التحضر فيها، والذي بلغ ذروته في السبعينيات، لم يشهدها جيلي الذي فتح عيونه على بغداد في زمن الحروب والفوضى والخراب! 

بغداد التي أجمع المؤرخون والرحالة والبلدانيون على وصفها بأنها: "أم الدنيا، وسيدة البلاد، وجنة الأرض ومجمع المحاسن والطيبات، ومعدن الظرائف واللطائف. ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها: سعة وكبرا وعمارة، كثرة مياه، وصحة هواء" (ميخائيل عواد، صور مشرقة من حضارة بغداد في العصر العباسي).

وبغداد التي قرأنا عنها في تاريخ البلدان لليعقوبي، ومقدمة تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، ومؤرخين ورحالة، اختصر وصفهم لها الإمام الشافعي بقوله مع رجل يحاوره: أدخلت بغداد؟ قال: لا، فأجابه الشافعي: لم تر الدنيا ولا الناس. 

بغداد في ألف ليلة وليلة وكتب التاريخ لم يبقَ منها إلا اسمها، أما بغداد اليوم فهي عبارة عن عشوائية كبيرة، لا علاقة لها بمعالم وأوصاف المدنية والحضارة بأي علاقة. وكأنما من أتى إلى السلطة بعد 2003 تعمدوا الإهمال والخراب لبغداد، ويبدو أنهم كانوا ناقمين على أحيائها وشوارعها وأزقتها! لم يتركوا معلما إلا عملوا على هدمه أو تحويله إلى أطلال ومكب للنفايات والتجاوز عليه! ومن يريد دليلاً على ذلك فما عليه إلا أن يتجول في شارع الرشيد من بدايته، وصولاً إلى المدرسة المستنصرية. 

عايشت أيام الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بعد غزو صدام للكويت في 1990، وقد يكون هو بداية الخراب الذي شهدته بغداد. ولكن لم يكن أحد يتوقع أن يستمر الخراب على يد الطبقة الحاكمة بعد 2003، التي أبقت على تقسيم الأميركان لبغداد إلى (منطقة خضراء) وهي منطقة الحكومة ورجالتها، وإلى (منطقة حمراء) تشمل بقية أحياء بغداد. ولم يقفوا عند هذا الحد، بل باتت مظاهر أحزاب السلطة تسيطر على أهم مناطق بغداد وتتخذها قصورا لهم ومقرات لأحزابهم، وعملوا على تشويهها بالكتل الكونكريتية والمظاهر العسكرية. 

لو حاول وخطط كل أعداء بغداد، من هولاكو إلى كل الغزاة الذين مروا على هذه المدنية، أن يدمروا كل ملامح الجمال في بغداد لما استطاعوا أن يصلوا إلى ما وصلت إليه من خراب ودمار وفوضى على يد من حكم بغداد منذ ثمانينيات القرن الماضي ولحد يومنا هذا، رغم تغيير نظام الحكم. فمن يسكن بغداد أو يتجول في شوارعها، يتلمس الإهمال والخراب المتعمد في كل ملامح المدينة! حتى بات المواطن يتطبع مع كل ذلك الخراب ويعده مسألة طبيعية! 

ومقارنة بعواصم الدول المجاورة للعراق، لا يمكن وصف بغداد باعتبارها مدينة! فهي عبارة عن عشوائية كبيرة يسكنها أكثر من ثمانية ملايين نسمة. وملامح الفوضى تجدها في كل مكان من بنايات مشوهة وشوارع متهالكة، ومناطق يخيم عليها البؤس والفقر والحرمان. وبمجرد دخولك إليها توحي لك مداخل المدينة أين وصلت مراحل الخراب والدمار والإهمال في هذه المدينة!

كيف لا تهمل وتخرب بغداد، وكل من يأتي إلى رئاسة الوزراء لا يعرف عن تفاصيل هذه المدنية إلا حدود المنطقة الخضراء التي يتحصنون فيها! وإذا أراد التجول في مناطقها، التي غالباً لا يعرف الكثير من أحيائها، يكون في عجلات حديثة ومصفحة وزجاجها مضلل! ومن ثم لا يرى أي شيء من الخراب والفوضى، هذا إذا افترضنا أن الحكومة مهتمة ببغداد وبأحوالها.

ويبدو أن كل معالم الدمار في جميع تفاصيل الحياة العامة ببغداد، ليست كافية  لتستفز جماعة حزبية وجهات لا أحد يعرف من يقف خلفها، تخرج في تظاهرات مطالبة بتهديم تمثال أبو جعفر المنصور الذي أسس المدينة عام 762! وتنشر الجيوش الإلكترونية هاشتاك بعنوان (يسقط صنم المنصور)! وتختار هذه الجماعات مناسبة وفاة الإمام جعفر الصادق- الإمام السادس عند الشيعة الاثني عشرية- وتتجمع قرب تمثاله في مدينة المنصور ببغداد!

صحيح أن الخراب بات يعم كل مفاصل العراق، لكن يبدو أن ما يحدث لبغداد هو من نتاجات طبقة سياسية استولت على الحكم وتحمل في داخلها حقدًا دفينًا على كل شيء تاريخي وحضاري في هذه المدينة! وربما لا تشعر بالانتماء إلى هذه المدنية، كون الكثير من الطبقة الحاكمة أتوا من خارج العراق بعد 2003 ولا تزال عوائلهم تعيش في البلدان المجاورة أو الدول الأوربية.

سلبوا من بغداد روح المدينة، وحولوها إلى كيان مسخ لا ينتمي إلى عالم المدنية والتحضر. لم يتبق من بغداد الماضي، غير قصائد وأغانٍ نتغنى بها، ورغم كل الدمار الممنهج والمقصود للقضاء على معالم الحياة في بغداد، ستبقى معركة استعادة بغداد من كل القوى الظلامية والجماعات الإرهابية حاضرة دوماً لدى كثير من العراقيين، وتبقى وصية المعماري محمد مكية، البغدادي، خير تعبير لمقولة بغداد مدينة لا تشيخ، إذ يقول مكية "بغداد أيها الأحبةُ جوهرة من جواهر العصر.. قد تمرض.. تتعب.. تئن.. لكنها لا تشيخ.. فزمن المدن العظيمة مغاير لتفسيرنا للزمن... أوصيكم ببغداد.. استمعوا إليها.. أصغوا إلى صوتها كثيرا.. ستكتشفونه في حركة الشجر والنخيل.. في دفق ماء النهر.. في الضحكات الصافية.. تأملوا لونها.. تجدونه في الطابوق.. في الخشب.. في زرقة الماء.. في سمرة الأهل".

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!