برنامج من أربيل
هورامان.. مدينة تعانق جبال كردستان

لأكثر من أربعة عقود كاملة، وبالرغم من امتلاكها لمؤسسات دولة تاريخية وفاعلة للغاية، معتمدة تقليديا على جهاز وبنية دعائية ضخمة، لم تتمكن تركيا من نشر أي دليل ذو مضمون أو وثيقة ذات دلالة على "فعلٍ سيء السمعة" قامت به الحركة التحررية/القومية الكردية في تركيا، التي دخل طول الكفاح المسلح منذ أربعة عقود.  سواء أكان ذلك الدليل فعلا جرميا "إرهابياً" عنيفا، تقصد المدنيين الأتراك أو البنية الاقتصادية والحياة العامة للمجتمع التركي، بدافع الانتقام القومي. ولم تعثر تلك المؤسسة الدعائية التركية حتى على وثيقة خطابية أو مضمون إيديولوجي لهذه الحركة القومية الكردية، وثيقة تملك نفسا ونزعة نحو نشر الكراهية والعدوانية القومية تجاه العرق والقومية التركية.

لم يكن ينقص الغول الدعائي التركي أي شيء لتحويل مثل تلك المستمسكات إلى برنامج دعائي كبير ضد هذه الحركة، فيما لو عثر عليها، وهو الذي تمكن طوال قرنٍ من إنكار وطمر فعلة بحجم الإبادة الأرمنية، لكنه فعليا لم يجد شيئاً من الجانب الكردي ليبني عليه، سوى بعض الخطابات الجوفاء التي تقوم على تكفير الحركة القومية الكردية واتهامها بالشيوعية، ومن جانب آخر تدعي عمالتها للإمبريالية، التي لغير صدفة كانت تركيا عضواً فاعلاً في أقوى وأهم مؤسساتها، حلف الناتو.  

لم تفعل الحركة القومية الكردية في تركيا ذلك بالرغم من كل شيء، من قتل أكثر من نصف مليون كردي أثناء حملات فرض الإيديولوجيا الكمالية عقب الحرب العالمية الأولى، والإنكار المطلق -الأسطوري- لوجود شعب كردي أساسا، وما تلاها من أشكال الفاشية الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية واللغوية طوال قرون، وما جرى بينها من أنواع للتعذيب السادي لمئات الآلاف من الشُبان الكرد في سجون الفاشية القومية التركية، وما لحقها من حرق وإبادة لأربعة آلاف قرية كردية في التسعينات، وتهجير أربعة ملايين من سكانها، ومع كل هذه الحرب السياسية والثقافية والعسكرية التي تخوضها تركيا في كل حدبٍ ضد العنصر الكردي في كل دول المنطقة. 

طوال تلك العقود، ومع كل تلك الأوجاع، بقيت الحركة القومية الكردية تنادي بشعارات الأخوة والمساواة وضرورة تجاوز الجروح، توزع أدبيات وشعارات عن التاريخ المشترك والوئام الواجب في الحاضر، والأمة الديمقراطية الجامعة في المستقبل، تختلق أعذارا تلفيقية لممارسة الدولة التركي، تدعي على الدوام بأن الفاشيين لا يمثلون أية أغلبية ضمن الشعب التركي، بالرغم من كون هذه الحركة لا تصدق نفسها حينما تقول ذلك، وتعد على الدوام بنسيان الماضي لصالح المستقبل..الخ. 

في العراق، يُمكن قياس وإيجاد الكثير من ذلك. منذ عشرينات القرن المنصرم وحتى الراهن، أي منذ أن ألحق ملايين الأكراد ومناطقهم الشاسعة بتلك الدولة القومية التي كانت تتوخى وتُضمر إدماجاً قسرياً لهم، بالقهر والفوقية. بشكل مُلطف في الزمن الملكي، وبوضوح البارود في المراحل التالية، وحتى الجرائم التي يندى لها الجبين في ثمانينات القرن المنصرم، التي ما تزال المقابر الجماعية التي تُكشف يوماً بعد آخر في الصحاري العراقية، والتي تضم رفات آلاف المدنيين الأكراد، من أطفال ونساء، شاهداً بشعاً على محاولة الإبادة العرقية، وحتى حملات الكراهية والحصار التي تمارسها القوى السياسية والمسلحة العراقية الراهنة. 

طوال هذه المسيرة الدموية، وبالرغم من امتلاك الحركة القومية الكردية المسلحة لإمكانات عسكرية غير قليلة، في مرات كثيرة كانت تفوق ما لدى الجيش العراقي نفسه، خصوصاً أثناء السنوات الأولى التي كانت تلي الانقلابات العسكرية العديدة، إلا أنها لم تمارس أفعالاً انتقامية ضد البنية السكانية العربية، وهي التي كانت قادرة على فعل ذلك تماماً. لم تمارس الانتقام حتى ضد الجيش وأجهزة الأمن العراقية، بمن فيهم آلاف الذين كان ثمة دلائل ووثائق واضحة تماماً على ما جرائم اقترفوها. كذلك لم تنشر الحركة القومية الكردية في العراق ضمن أدبها السياسي وخطابها الإعلامي أي شيء قد يحمل مضامين تحض على الكراهية القومية والعرقية.

كانت انتفاضة العام 1991 أكبر شاهد ودليل على ذلك. ففي ربيع ذلك العام، وبعدما استسلم أكثر من 60 ألف شخص للمنتفضين الأكراد، كانوا مجموعات من الجنود النظاميين وأعضاء قياديين في حزب البعث وعناصر إجرامي من أعضاء أجهزة الاستخبارات العراقية، بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت، لم يُمس أي منهم بأذى، مطلقاً، وعادوا آمنين إلى بيئاتهم الأهلية، بعد أن أصدرت الجبهة الكردستانية قانون عفوٍ مباشر عنهم. حدث ذلك بالرغم من أن أحداث الأنفال ومجزرة حلبجة لم يكن قد مرّ عليها أكثر من ثلاثة سنوات. 

في إيران وسوريا ثمة الكثير مما يطابق ذلك.

ففي الدول الأربعة، وعلى الدوام، كان الخطاب والفاعلية السياسية الكردية تمد يد الوصال والتعايش والتكامل لأبناء القوميات الأخرى في تلك البلدان، دون كللٍ، وبغض النظر عما لاقوه طوال تاريخهم الحديث مع هذه الدول، وطبقات واسعة من أبناء القوميات الأخرى في هذه الدول. 

لم يفعل الأكراد ذلك لتمايز عرقي أو أخلاقي أو هوياتي يضمرونه في ذواتهم وبنية وعيهم القومي، وغير متوفر في أبناء القوميات الأخرى. بل لمجموعة من الأسباب، التاريخية التقليدية، وما يناظرها من فضاءات وتوازنات جيوسياسية وديموغرافية معاصرة، تدفع الأكراد لتبني مثل تلك النزعات على الدوام، والدفع بها لأن تكون الإطار المأمول لعلاقتهم مع أبناء القوميات الأخرى، ودولهم. 

فالأكراد يفعلون ذلك من موقع المُستضعف والمُهيمن عليهم، الذين ليس لهم من نجاة من أسر أبناء هذه القوميات وجبروت دولهم إلا بعروض سخية حول الأخوة ووحدة الحال والمصير. 

لأن الأكراد يعرفون في باطن وعيهم أن أية نزعة فاشية مطابقة لما يُلاقونها يوماً، أو أية أفعال جُرمية شبيهة ما بما يُمارس ضدهم، لن يخلق أي توازن بينهم وبين نظرائهم الآخرين، بل فقط ستزيد من حدة أفعال هذه الدول في مواجهة الأكراد/المستضعفين، ومن زيادة نسبة أبناء هذه القوميات من الملتفين حول هذه الدول ومؤسساتها، والمتبنين لأفعالها الجرمية ضد الأكراد، في ظلال غياب أية قدرة لموازاة جبروت القوة الممارسة ضدهم. 

كذلك لإدراك الأكراد لنوعية الموقع التاريخي/الجغرافية/السياسي الذي وجدوا أنفسهم ضمنه طوال قرن مضى. إذ ثمة أربعة دول إقليمية كبيرة، تملك إمكانية اقتصادية وثقافية وجغرافية هائلة، مختلفة فيما بينها على كل شيء، لكنها متفقة تماماً على تعاضد استراتيجي، يقوم على منع الأكراد من أي شيء. 

يُدرك الأكراد بأن هذه التعاضد الإقليمي مستند على تراث رهيب من جنون الارتياب من الخارج، إذ ترى هذه الدول وجماعاتها الأهلية/القومية في نفسها قلعة في مواجهة القوى العالمية المتخيلة، التي تعتقد إنها تتآمر عليها وتسعى لتفكيكها، وأن الجماعات الأقلوية هي الأداة التاريخية لفعل ذلك. 

من ذلك الموقع بالذات، ثمة إصرار كردي عميق للغاية بعدم منح تلك الدول أية مسوغات ودلائل وأدوات تضع الأكراد في موقع المساهم والمعاضد للخارج في عمليات الهدم والتفكيك المتخيلة في ذهنية هذه الدول ونخبها السياسية والثقافية. لأن حدوث ذلك، يعني شرعنة لممارسة كل أشكال الشناعة بحق الأكراد. لأجل هذا، ثمة دفع مستميت من قِبل الأكراد لخطاب الأخوة والتاريخ المشترك والمستقبل الواحد، لخلق طمأنة بشأن موقعهم ودورهم وعلاقتهم مع دولهم.. الخ. 

أخيراً، يفعل الأكراد ذلك، لأنهم جماعة سكانية قومية ليس لها أي تاريخ إمبراطوري، لم تعرف طوال سيرتها أي تجارب وخبرات تتوخى قسر الآخرين وإخضاعهم وتغيير هوياتهم الجغرافية والديموغرافية. حتى المجزرة العرقية الوحيدة التي شارك فيها الأكراد، بحق الأرمن والسريان، كانت بإدارة وتوجيه وقسر من قِبل السلطة والمؤسسات العثمانية/التركية. 

غياب الشرط الإمبراطوري، مؤسس أولي ودافع مركزي لعدم تبني خطابات الاستعلاء والانتقام، حيث أن هذه الأفعال كانت على الدوام من سلوكيات القوى والجماعات التي ترى في نفسها قدرة على تبني الاستعلاء والكراهية، ممارسة الفظائع وتجاوز نتائجها بالتقادم، وهو ما لمن يكن متوفراً للجماعة الكردية في أي حين.

متى يصبح هذا الحُب طبيعياً، أي من حباً متبادلاً بين طرفين متساويين!!.
حينما تتجاوز هذه الدول الأربعة مرحلة قبائل الجماعات القومية الكبرى، كما هي الآن.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.