رجل يطلع على عمل فني بعنوان "الشغب في الكابيتول"
رجل يطلع على عمل فني بعنوان "الشغب في الكابيتول"

ثمة رأي، منطقي وموضوعي، يقول إن الانقلاب الذي فشل مطلع العام الماضي، قد يتكرر بعد عامين ونيف. هي المحاولة التي سعى من خلالها الرئيس السابق للولايات المتحدة إلى التشبث بالمنصب انطلاقاً من قرار مسبق في ذهنه أنه الفائز، دون اعتبار لنتائج الانتخابات.

إذ أقدم وفريقه على تعظيم الشبهات رغم وهنها وضآلتها، ومن ثم إثارة الاستهجان والتهويل بشأنها على أنها الدليل القاطع على تزوير مزعوم، وتقديم سيل من الطعون الواهية إلى كل محكمة وهيئة، وإن جاءت نتيجتها بالإجماع أنه لا أساس لها وأنه بالتأكيد ليس هناك ما يبرر تجاوز حكم الجمهور.

ثم كان ليُّ النصوص والأعراف، وتحريض مباشر لدفع الحشود المؤيدة له لاقتحام المبنى حيث كانت تعقد جلسة تثبيت فوز خصمه بانتخابات الرئاسة.

كان انقلاباً فاشلاً يومها. ولكنه قد يشهد تجديداً وتكراراً في الانتخابات الرئاسية المقبلة إذ أن الترتيبات جارية لتمكين تحقيق فوز عتيد لمن يرفض بأن يتسمّى "الرئيس السابق"، ويصرّ، تحت طائلة النبذ والشتيمة لمن يخالفه، أن يعتنق صفة "الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة".

ما لا بد من توضيحه بادئ ذي بدء بأن الرجل، في حال ترشّح، قد يفوز بالرئاسة عن جدارة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فمن طبيعة الجمهور الناخب هنا أن يعاقب الرئيس القائم في حال كان الاقتصاد متردياً.

والاقتصاد، محلياً وعالمياً، في حال تآكل وتراجع واهتراء، وليس هناك ما يفيد أن الإدارة الحالية قادرة على معالجة الأوضاع بنجاعة.

طبعاً، العامان القادمان قد يبدلان الأحوال، فينال الرئيس الحالي مكافأة تجديد، إن قدّر له أن يسعى إلى عهدة ثانية، رغم أنه يبدو للتوّ منهكاً مضعضعاً لتقدّم السنّ. غير أن حظوظ الرئيس السابق بالفوز الصريح لا تتوقف عند حد الاقتصاد.

بل هي حروب الثقافة، وهو الانفصام القائم اليوم على مدى الولايات المتحدة بين قراءتين للماضي والحاضر والمستقبل. ولكنها أيضاً إساءة إدارة حزب الرئيس الحالي للتشنج العرقي، ما أتاح المجال للحزب الخصم، الحزب الجمهوري الذي يهيمن الرئيس السابق على معظم مفاصله، بأن يصبح ضمنياً حزب "البيض". ليس كل البيض بطبيعة الحال، ولكن أغلبيتهم.

القراءة الجمهورية المحافظة البيضاء للانتخابات الماضية، كما التفسير الجمهوري للخطوات التحضيرية للانتخابات المقبلة، تتخذ شكلين، أحدهما علني تبريري، والآخر ضمني احتياطي. علنياً، المتوافق عليه هو مجاراة الرئيس السابق في أوهام غروره، بأنه هو من فاز، بل هو الفائز الدائم الذي لا يخسر أبداً، وبأنه هو الرئيس المعجزة وما شابه ذلك من الخزعبلات.

لا تحظى مبالغات الرئيس السابق، وانشغاله الدائم المفرط بعظمته المفترضة، بكامل الاستحسان من جميع الجمهوريين والمحافظين، غير أن الرجل، على علله وقصوره، وبين الجد والهزل، قادر على التعبئة والتحفيز، ولا بديل عنه اليوم.

أما ضمنياً، فالمسألة أكثر دقة. يدرك المسؤولون في الحزب الجمهوري بأن التركيبة العرقية في الولايات المتحدة تتبدل، وأنه لا بد لحزبهم من مدّ اليد إلى مختلف الأوساط العرقية على أساس التوافق في الرؤى لا على أساس الولاءات الهوياتية. بل يقرّ هؤلاء المسؤولون، وهم فعلوا ذلك في دراسات أعدوها قبل سنوات، بأن جهودهم في هذا الصدد غير كافية وأن المطلوب كان ولا يزال تشذيبها ومضاعفتها.

ولكنهم، في المقابل، يعتبرون بأن تجييش خصومهم للمسألة العرقية لا يندرج في إطار تصحيح المظلوميات التاريخية بتاتاً، بل يأتي لاعتبارات انتخابية خالصة. واعتماد هؤلاء الخصوم لمقاربة "الاستفاقة"، أي الوعي العرقي القائل إن هدف الجمهوريين هو منع "السود" من التصويت، في استمرار لظلم تاريخي يعود إلى مرحلة الاستعباد، لا يهدف إلى تمكين المقموعين، بل هو لغرض توظيفهم لمحاصرة الجمهوريين وكسب الكافي من الأصوات لإلحاق الهزيمة بهم.

القراءة الجمهورية تقرّ باعتبار واقع الولايات المتحدة غير منزّه عن التفاوت العرقي، ولكنها تستشف النفاق في موقف دعاة العدالة العرقية، حيث أن منهجية هؤلاء، على مدى عقود طويلة، لم تحقق العدالة قط بل أمعنت في الإساءة إلى السود، والذين تراجعت معايير عديدة في أوساطهم، اجتماعية واقتصادية، تزامناً مع تطبيق البرامج المزعومة الهادفة إلى استنهاضهم.

والوضع القائم، خاصة في الولايات الجنوبية حيث للسود حضور مؤثر، كان شحّة نسبية في التسجيل للتصويت في أوساطهم، وإقبال ضعيف إلى مراكز الاقتراع يوم الانتخاب.

وتوافق أوساط المسؤولين الجمهوريين أن الأمر ليس حالة صحية، على أن خشية العديد منهم هو أن تبديل وسائل التصويت، من خلال إتاحته عبر البريد وإطالة فترة التصويت المبكر لأيام، ورفع عدد مراكز الاقتراع، سواء كان الدفع نحو هذه الخطوات من جانب الحكومة الاتحادية أو من قبل التقدميين المحليين في هذه الولايات، ليس جهداً لتصحيح الخلل في الاندفاع الأسود، بل هو استغلال لهذا الخلل وإن باتجاه الفوضى أو الضرر لتبديل الواقع القائم، والذي يعبّر عن حال سياسي مستقر في هذه الولايات. أي هو عبث لأغراض حزبية وآنية، وليس انتصاراً لحق تاريخي.

وهنا تتماهى القراءة الجمهورية مع التصوّر "القومي الأبيض". ينأى هذا التصوّر بنفسه أن يكون قائماً على البغض والاستعلاء (وإن كان فعلياً يستوعبهما ويخرجهما في حالات عدّة اعتداءات وجرائم)، بل يطرح مقولة تزداد انتشاراً، في السرّ غالباً وفي العلن أحياناً، مفادها أن الولايات المتحدة هي بلاد "بيضاء" بناها البيض بحضارتهم، وهم اليوم، ومعهم أنسباؤهم في سائر الدول "البيضاء"، مدعوون من جانب التقدميين إلى القبول دون غيرهم بتعددية عرقية وحضارية، لا يقبل بها ولا يمارسها الآخرون، أي تسليم أوطانهم لمن يكرهها علناً وصراحة، بحجة ماضي الاستعمار وحاضر الاستكبار والعنصرية، بل هم مطالبون فعلياً بالانتحار كمجتمعات وكشعوب.

أي في حين يعتبر المسؤولون الجمهوريون التجييش التقدمي للصوت الأسود، وأصوات أقليات أخرى، مناورة سياسية لغرض الكسب الفوري، يرى فيه  القوميون البيض خطراً وجودياً.

وفيما يرى المسؤولون الجمهوريون بأن توجهات خصومهم بشأن فتح أبواب الدخول إلى الولايات المتحدة، وتجنيس المقيمين غير الشرعيين، هي خطوات لأغراض انتخابية، ينظر القوميون البيض إلى هذه الخطوات على أنها إمعان في تقليص الأغلبية البيضاء وصولاً إلى تذويب المجتمع الأبيض وتجريده من مقامه ومن حقوقه.

ثمة عواقب خطيرة لهذا التوافق بين الجمهوريين والقوميين البيض، وإن اقتصر على تقرير العلة في السياسة الوطنية دون تشخيص أسبابها. أعباء الضرر يتحملها الجمهوريون، إذ يتغاضون عن تفنيد هذا التوافق، فهم يستفيدون من مساهمته التعبوية، كما يتحملها خصومهم إذ يعمدون وحسب إلى اتهام الجمهوريين بالعنصرية وإلى تشهير لم يعد ذا جدوى بمقولات أصبحت رائجة وربما مقبولة، وإن بالهمس.

الخطوات التي يتخذها المسؤولون الجمهوريون، في العديد من الولايات التي لهم فيها أكثرية في المجالس التشريعية، تزعم أنها هادفة لمكافحة "التزوير"، حيث أنه لا حرج في اعتناق هذه المهمة، ولا خلاف على سوء التزوير بالمطلق.

ولكن "التزوير" المستهدف لم يعد الاتهامات غير المقنعة حول حشو الصناديق بالبطاقات المزوّرة، بل المقصود به هو العمل الذي لجأ إليه التقدميون في الانتخابات الماضية، والذي يعتزمون المثابرة عليه في الانتخابات المقبلة، أي حشد أصوات الناخبين الذين اعتادوا التغيّب عن الانتخابات، ولا سيما أصوات السود الذين كثيراً ما اعتكفوا لاعتبارات مختلفة، أولها دون شك اليأس من جدوى التصويت.

موقف الجمهوريين هو أنهم في الولايات المعنية، والتي جاءت نتائجها في الانتخابات الماضية لتمنح خصومهم الرئاسة، قد عمدوا وحسب إلى اختيار أشخاص في موقع المسؤولية الرقابية والتنفيذية والتشريعية من أصحاب الالتزام بالنظم القائمة، بعد أن شهدت الانتخابات الماضية ما يعتبرونه انفلاتاً، بحجة الجائحة، أتاح في أكثر من حالة إطالة الوقت المخصص للانتخابات وإزالة القيود الموضوعة على التصويت عبر البريد، بما يتعارض مع صريح النص التنظيمي وما ساهم بشكل كبير بالنتائج التي أتت لغير صالحهم.

المواجهة المرتقبة هي بالتالي بين من يريد اعتبار التسهيلات التي تحققت في الانتخابات الماضية حقاً مكتسباً لا بد من الاستمرار به، وبين من يريد العودة إلى القيود السابقة للجائحة في تأطير الانتخابات ضماناً لحسن سيرها من وجهة نظره.

اعتراض التقدميين هو أن النصوص التنظيمية قد صُمّمت ابتداءً للحد من الصوت الأسود، وأنها تعبير عن تهميش متعمد للمواطنين السود في إطار العنصرية البنيوية المستمرة منذ زمن الاستعباد.

ليس الأمر كذلك من وجهة نظر الجمهوريين، بل التساؤل التهكمي الذي يتكرر في أوساطهم هو ما الذي يمنع التقدميين، بدلاً من محاولات الالتفاف على الجهد القليل المطلوب للمشاركة في الواجب الانتخابي وفق مقتضى النظم القائمة، تحفيز الناخبين السود للتوجه إلى صناديق الاقتراع، يوم الاقتراع.

جواب الجمهوريين على سؤالهم الافتراضي هذا هو أن المتلكئين عن الاقتراع متلكؤون بدافع ذاتي، لتراجع الحس الوطني وما شابه، لا بفعل التهميش، ولا بد للتقدميين بالتالي من السعي إلى تحصيل أصواتهم مع مراعاة تلكئهم، ولا مبرر لذلك، بل لا شرعية لذلك. جواب التقدميين على السؤال نفسه هو أن الموارد المخصصة لمراكز الاقتراع قليلة في النواحي حيث الحضور الأسود، وأساليب العرقلة والترهيب كثيرة.

واقع الأمر أنه في هذه الولايات المفصلية، ذات الأكثرية الجمهورية في حكوماتها ومجالسها، والتي كانت قد حسمت الانتخابات الماضية لغير صالح الجمهوريين، استكمل الجمهوريون الاستعداد للمواجهة الرئاسية المقبلة.

من المغالطة، بل من النفاق، في هذا الشأن الإصرار الجمهوري على الحديث عن مكافحة "التزوير" المرتقب في الانتخابات المقبلة، كما الكذب البواح بشأن نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية، والتي خسر فيها مرشحهم رغم عجزه الطفولي عن الإقرار بالأمر.

ولكن، في المقابل، من المبالغة، وكذلك من النفاق، الحديث في أوساط التقدميين عن نية جمهورية لـ "سرقة" الانتخابات الرئاسية وتزوير نتائجها.

المواجهة هي بين قراءة تقدمية تعتزم المضي قدماً بتحقيق ما تعتبره روح النظام السياسي، من خلال أوسع إتاحة ممكنة للتصويت عبر البريد وغيره، وما تراه في المقابل تزمتاً جمهورياً محافظاً في الالتزام بنصوص وضعت أصلاً لتجاوز الرغبة الشعبية الحقيقية، من جهة، وبين قراءة جمهورية ترى أن الالتزام بالضوابط التي شرّعها النص التنظيمي هو السبيل إلى ضمان أن الانتخابات لن تختطف من جانب انتهازيين نخبويين يزعمون التقدمية ويسعون إلى الفوز الفجّ، وإن على حساب استقرار الوطن وديمومته، من جهة أخرى.

التصعيد الكلامي من الجانبين يتواصل ويتأصل، على أساس التكاذب المريح حول الجنوح المؤكد للخصم إلى التزوير، كل لدى القاعدة الشعبية المؤيدة له، بما ينذر بالفعل بأزمة حادة في الانتخابات الرئاسية بعد عامين، قد تتبدى إرهاصاتها في الانتخابات النصفية بعد أشهر قليلة.

العاصفة التي من شأنها تكرار حوادث العام الماضي ومضاعفتها ليست قدراً لا مفر منه. فقد يفوز الجمهوريون فوزاً حاسماً، ويضطر خصومهم إلى الإقرار بواقع فوزهم، وقد يتمكن الديمقراطيون من التجديد لرئيسهم أو من يخلفه، بشكل واضح قاطع تنتفي معه جدوى الاعتراض.

ولكن لا هذا الاحتمال ولا ذاك على درجة عالية من الرجوح، بل الأقرب إلى احتمال الوقوع هو أن النتائج سوف تكون في النطاق الذي يسمح لكل من الجانبين اعتبارها لصالحه. وحينها تكون العاصفة.

تقترب الولايات المتحدة من ربع الألفية، لم تشهد خلالها إلا حالة واحدة من التهديد الوجودي، الحرب الأهلية أو الحرب بين الولايات في أواسط القرن التاسع عشر. لا يعني ذلك أنها عصية عن الانهيار، ولكنه يشير إلى أن التخوف من انفراطها أو التعويل عليه لا بد أن يبقى في إطار التحفظ.

ربما أن الداعي إلى قدر من التفاؤل في هذا الصدد هو في اعتبار السجال الخفي بشأن البنية التنظيمية للنظام الانتخابي والسياسي في الولايات المتحدة تطوراً عضوياً لهذه البنية، أي أن التجاذب بين القراءات التقدمية والمحافظة يحقق لهذه البنية الدفع البنّاء والتحصين الضامن، وإن لم تكن تلك أهداف المتجاذبين المنشغلين باعتباراتهم الانتخابية. غير أن الاطمئنان هنا قد يكون تغافلاً واستهتاراً، أمام تفاقم المعطيات غير المسبوقة.

هو تفاؤل حذر بالتالي، من أن العاصفة إن وقعت، ومع رجحان وقوعها للأسف، لن تقضي على التجربة السياسية والتاريخية الفريدة للولايات المتحدة، وإن أربكتها وإن استنزفت صدقيتها.

ما يدعو للحزن هنا هو أن استشفاف الأزمة حاصل، وسبل تجنبها أو الحد من سوء عواقبها واضحة كذلك. غير أن الولايات المتحدة تفتقد من فترة غير وجيزة الوجوه القيادية السياسية الكفيلة بالارتقاء إلى ما يتعدى الآني. فالاعتماد بالتالي هو على نظمها. وعلى مواطنيها.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.