طلاب مصريون يظهرون تضامنهم مع الرئيس المصري السابق، محمد مرسي في عام 2013
طلاب مصريون يظهرون تضامنهم مع الرئيس المصري السابق، محمد مرسي في عام 2013

من بين أشكال العلاقة بين الكائنات الحية هناك حالة تسمّى "تعايش تبادل المنفعة" وفيها يستفيد الطرفان من بعضهما إلى درجة أن أحدهما لا يستطيع الاستغناء عن الآخر.

وتعايش تبادل المنفعة هذا ينطبق على العلاقة بين الإسلاميين والعسكر، لأن أحدهما يعطي للآخر مبرر وجوده.

ففي الجزائر وبذريعة خطر الإسلاميين تمكّنت المؤسسة العسكرية من حكم هذا البلد الكبير والمحوري لسنوات طويلة خلف صورة عبد العزيز بوتفليقة، رغم معرفة الجميع أن وضعه الصحّي لا يسمح له بالقيام بأبسط الأعمال، وكان يكفي هذه المؤسسة تذكير الجزائريين بسنوات "العشريّة السوداء"، من عام 1992 حتى عام 2002، والتي شهدت صراعًا دمويًا بين الإسلاميين والحكومة قتل فيه 150 ألف شخص على الأقل حتى تبرّر استئثارها بالسلطة. 

وفي ليبيا وبذريعة أن من يحكم المنطقة الغربية والعاصمة، طرابلس، هم الإخوان المسلمون تمّ الترويج لقائد عسكري هو خليفة حفتر كحاكم جديد لليبيا رغم أنه لا يختلف في شيء عن معمر القذافي الذي ثار عليه الليبيون.

وفي مصر تستند دعوة الإعلام الرسمي الشعب إلى المزيد من الصبر على تراكم الأزمات وتراجع مستوى المعيشة والحرمان من الحقوق السياسية على أن أي انتخابات تحدث الآن لن تأتي سوى بالإسلاميين، أي أن الإسلاميين يقدّمون للحكام الفرديين والعسكريين المبرّر الرئيسي لوجودهم ولبقائهم في الحكم. 

وفي المقابل، تقدّم أنظمة الحكم الفردية والعسكرية لأحزاب الإسلام السياسي فرصة كبيرة للانتشار والنموّ إن كان عبر الممارسات القمعية لهذه الأنظمة أو من خلال فشلها في حل أي من المشاكل التي يعاني منها البلد.

وتستطيع الأحزاب الإسلامية الاستفادة من أنظمة الحكم الفردية أكثر من بقية القوى السياسية، لأن هذه القوى علنيّة ومكشوفة فيتم قمعها واعتقال قادتها وكوادرها بسهولة بما يترك الإسلاميين كقوة وحيدة منظّمة نتيجة خبرتهم بالعمل السرّي وصعوبة متابعة نشاطاتهم لتداخل عملهم السياسي التنظيمي مع نشاطهم الدعوي الديني الذي يبرعون في إخفاء خلفيته السياسية، وكذلك لأن هذه الأحزاب مموّلة جيدًا لوجود دول تدعمها وجمعيات خيرية تابعة لها. 

ورغم معرفة الإسلاميين بأن ظهورهم كقوّة رئيسية في المعارضة يخدم الأنظمة التي يقولون إنهم يعارضونها، لأنّه يدفع شرائح مهمّة من المجتمع للالتفاف حول النظام الحاكم ويخفّف من حماس المجتمع الدولي للمطالبة بفتح مجال الحريات وإجراء إصلاحات ديمقراطية، ولكنّهم يصرّون على تصدّر المعارضة بما يدلّ على أنهم لا يهتمّون بمعاناة شعبهم.

وفي المقابل، مع أن الخطاب الرسمي لأنظمة الحكم الفردية يقول إنها تركّز جهودها على محاربة أحزاب الإسلام السياسي، ولكن الحقيقة هي تفضّل أن يكون معارضوها من الإسلاميين لأنه ليس لديهم برنامج حقيقي للحكم، ووصولهم للسلطة يعني نهايتهم مما يعيد فتح الطريق لعودة العسكر للحكم. 

فتطبيق الشريعة وإنشاء دولة إسلامية على الطريقة التي دعا إليها مؤسّس حزب الإخوان المسلمين، حسن البنّا، يعني قيام حكم شبيه بنظام طالبان في أفغانستان وهو نموذج من الصعب قبوله في عالم اليوم.

ولذلك قالت أحزاب الإسلام السياسي إنها طوّرت برامجها السياسية وطروحاتها لتتلاءم مع العصر، فأعلنت أنها استغنت عن نظام الخلافة وأصبح مطلبها إقامة نظام حكم ديمقراطي، وأن الدولة  الإسلامية المنشودة ستكون عضوًا في المجتمع الدولي ولن تقاتل بقية الشعوب حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله، كما قالت إنها تريد أن تكون جزءا من النظام الاقتصادي العالمي وتخلّت عن خطابها التقليدي الذي كان يعتبر النظام المصرفي الدولي قائما على الربا. 

كما قالت إنها ترفض وتجرّم العبودية والجواري وملك اليمين وكل أشكال العقوبات البدنيّة كالجلد والرجم وقطع الأيدي وأنها ستعتمد بديلًا عنها قوانين العقوبات المطبقة في كل دول العالم، وفوق كل ذلك تعهّدت بأنها لن تمنع الرسم والنحت والتصوير والموسيقى والرقص والغناء والسينما والتمثيل والرياضة، أي لم يبقَ من الدولة الإسلامية التي تدعو الأحزاب الدينية إلى قيامها سوى القوانين التي تتعلق بالمرأة، مثل جعل القوامة للرجل بدل المساواة بين الجنسين والسماح بتعدّد الزوجات وإعطاء الأنثى نصف حصة الذكر في الإرث وإجبار النساء على ارتداء أزياء محددة. 

ونتيجة لذلك فقد أكدت تجارب السنوات الأخيرة فشل الإسلاميين في الحكم، ففي مصر وبعد سنة واحدة من حكم الإخوان المسلمين نزل الملايين إلى الشوارع للاحتجاج على حكمهم حتى قيل إنّ سنة واحدة من حكم مرسي تمكّنت من تحقيق ما عجزت عنه عقود من حكم عبد الناصر والسادات ومبارك وهو القضاء على شعبية الأحزاب الإسلامية.

ونتيجة هذا الفشل ارتفعت أصوات من داخل حزب الإخوان المسلمين نفسه تقول إن الحزب قد أخطأ في تحمّل مسؤوليّة السلطة مع أنه لم يكن جاهزا لها.

وفي تونس، بعد أن حصل حزب حركة النهضة على 40 في المئة من الأصوات في أول برلمان انخفضت النسبة إلى 31 في المئة في الانتخابات التي تلتها ثم 24 في المئة في ثالث انتخابات.

وهذا كان الحال في المغرب إذ بعد عشر سنوات من قيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي للحكومة انخفضت مقاعد هذا الحزب في البرلمان من 125 مقعدًا إلى 13 مقعداً فقط.  

ولا تكتفي أنظمة الحكم الفردية بتقوية أحزاب الإسلام السياسي بل إنها تدفع المجتمع كاملًا نحو التشدد الديني والتزمّت المجتمعي، من خلال حياة البؤس والفقر وانعدام الحرية ومن خلال الترويج لخطاب الكراهية ضد الغرب الذي يتعاون الإسلاميون والعسكر على مهاجمته وتحميله مسؤولية الأزمات التي تعيشها شعوب بلدانهم.

ونتيجة هذا التشدد والتزمّت ظهرت في مصر خلال السنوات الأخيرة ممارسات لم تعرفها طوال تاريخها، فخلال الأسابيع الماضية فقط طعن متشدّد إسلامي كاهنا قبطيا في الإسكندرية حتى الموت، كما أقدم صيدلي على صفع امرأة قبطية لأنها حسب رأيه متبرّجة،ومنع أحد المطاعم تقديم الطعام لأقباط في رمضان ورفض آخر تقديم مشروبات روحية لسيّاح إيطاليين، لأن بينهم مصري. 

وفي صلاة عيد الفطر الأخيرة قام الإسلاميون في مصر بتنظيم استعراض للقوّة في بعض الساحات بكثافة لم يسبق لها مثيل بحيث اعتبره كثيرون رسالة تحذير سياسية موجّهة للحكومة، بينما ردّد إسلاميون آخرون بأنها تؤكّد أن الدين خط أحمر وأن هذه الجموع خرجت للدفاع عنه في وجه محاولات الهجوم عليه بذريعة تجديد الخطاب الديني.

وقام الإسلاميون في الجزائر بتنظيم استعراض مماثل، بما يؤكّد على أن أنظمة الحكم العسكرية تلعب الدور الرئيسي في تقوية التيارات الإسلامية التي تدّعي محاربتها. 

هذه بعض ملامح تعايش تبادل المنفعة بين الإسلاميين والعسكر ويضاف إليها تعاون الطرفين في محاربة القوى الديمقراطية والعلمانية والليبرالية، حيث تضعهم الحكومات في السجون بينما يهاجمهم الإسلاميون في المساجد ووسائل التواصل الاجتماعي باتهامات مختلفة، بما يدلّ على أن الطرفين يعرفان أن هؤلاء يقدمون الحل الحقيقي لمشاكل هذه المنطقة وأنهم المخرج الوحيد من لعبة الإسلاميين والعسكر المستمرة منذ عقود عديدة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.